في العدالة الانتقالية
أحمد الرضي – طالب بكلية القانون جامعة الخرطوم
لم يكن الشاعر السوداني العظيم محمد عبدالباري، في تفاؤله وهو يقول على لسان يعقوب لإبنه،( لا تبتئس، فالبئر يوم واحد، وغداً تأمرك الرياح على القرى )، لم يكن يعلم أن فوق البئر من يتربص بإبنه ليوقعه فيها من جديد، أو لعله نسي أن يوصي إبنه كيف يتعلم من خطئه، إذ ليست الأخطاء تغفر كل حين.
من المخجل لشعب عظيم أسقط رغم الجبروت، ثلاثة أنظمة عسكرية غاشمة، أن يكتب أبناؤه وللمرة الثالثة عن موضوع العدالة الانتقالية، بل من عبثية هذا السطر أنه أخبرنا أن ذات الشعب أسقط لثلاث مرات، دون أن يحدثنا عن من أين جاءت المرتين الثانية والثالثة.
تبدو العدالة الانتقالية، وللوهلة الأولى، عدالةً ماحيةً فقط لجرائم الأمس، والحقيقة، أن العدالة الانتقالية هي المؤسس الحقيقي للديمقراطية المرتجاة، فعملية المحاسبة وعملية المراجعة تحملان في داخلهما عناصر التحول الديمقراطي الصحيح، فلا تكون المحاسبة محاسبة إلا إذا انطلقت عن مفاهيم معينة تجعل من الفعل موضوع المحاسبة فعلاً قبيحاً يجب الوقوف عنه.
سنتناول في هذا المقال جانبين اثنين لمسار العدالة الانتقالية لنرى بالمحصلة نتائج كل منهما :
الجانب الأول، العنصر الجزائي
تحمل العقوبة وفي معناها البسيط، عاملي الردع وزجر الآخرين، وهنا تختلف المدارس في مثل هكذا أوقات;في التعامل مع الجناة، فالبعض يجنح إلى تقديم السلام والعفو في مقابل التخلي عن السلطة كما كان لإبراهيم عبود، وتأخذ المدرسة الأخرى؛ والتي أميل إليها، منحى تحقيق العدالة وإنصاف المجني عليهم أياً كان الثمن. ربما كانت للمدرسة الأولى شروط موضوعية تفرض نفسها، فيستحيل معها إبعاد الجناة عن دائرة الحكم بدون العفو عنهم ولذلك تفصيل.
في حالتنا الراهنة، تتوفر لدوائر السلطة جميع الوسائل التي تحقق عن طريقها العدالة باختلاف جرائم نظام الإنقاذ، بدءاً من الإنقلاب على الديمقراطية وتمكين الدولة لمصلحة حركة وحيدة، مروراً بجرائم الحرب والإبادة الجماعية في دارفور، وليس انتهاءً بجرائم الفساد العام والتعذيب، وذبح القوانين في سبيل إنفاذ ما يهواه مجلس شوراهم.
عندما نتحدث عن توفر وسائل إنفاذ العدالة فهذا لا يعني تناثر الورود في طريق تنفيذها، ولا يعني أيضاً تجاوز الطرق المشروعة للوصول إليها. ونعرض هنا لبعض السبل المتاحة وفق القانون :
- دعم عملية السلام بكل السبل الممكنة، مع دفع كامل استحقاقاته العادلة واستصحاب أصحاب مصلحة حقيقيين بما يضمن حلولاً حقيقية.
- – إنشاء محاكم خاصة بقرار من رئيس القضاء بالصلاحيات التي يراها مناسبة، وبنياباتها، بصورة مستقلة استقلالً حقيقياً، تفصل في مجموعة من الجرائم حسب ما يحدده لها رئيس القضاء، وإن كانت في جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية كما تطالب المحكمة الجنائية الدولية، فالأخير ينص نظامها الأساسي؛ ميثاق روما؛ في ديباجته أن اختصاص المحكمة يكون مكملاً للأنظمة القضائية الوطنية؛ شريطة أن تلمس المحكمة جديةً في إنفاذ العدالة وليس محاكمات صورية؛ وهذا ما يمكننا فعله الآن كما حددنا شكله في أول الفقرة، ويذهب الدكتور محمد عبدالسلام في نفس الاتجاه.
- إنشاء مفوضيات العدالة الانتقالية وإصلاح القوانين، بكامل صلاحياتهما اللازمة.
- دعم لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد، فدور اللجنة دور أساسي في مجمل منظومة العدالة الانتقالية، غير أن جزء من أفعال اللجنة ليس من اختصاصها وإنما من اختصاص الهيئة القضائية، كما أن استخدام صلاحيات اللجنة بصورة تعسفية قد يفقد اللجنة الموثوقية فيها، ويمكن أيضاً إعادة النظر في طرق استئناف قرارات اللجنة.
- وضع خطة واضحة واستراتيجية في تحقيق العدالة الانتقالية، فالملموس أن لا خطة عمل واضحة للحكومة في إنفاذ العدالة بالصورة الجادة، وإنما محاولات هنا وهناك، واستحضار المجني عليهم وأصحاب المصلحة في جميع مراحل وخطط السلطات.
- – التعامل الجدي مع مشكلة عدم وجود المحكمة الدستورية، والخروج من هذا المأزق بتعديل الوثيقة الدستورية، فالمحكمة الدستورية هي المناط بها تفسير الدستور وحمايته والفصل في القضايا الدستورية.
الجانب الثاني، العنصر الوقائي
في محاذاتنا لتطبيق الجانب الجزائي، وإنصاف الضحايا، سنعمل في نفس الوقت على الاستفادة من الخطأ لكي لا نقع في البئر من جديد، فإرساء بعض القيم والمبادئ؛ بحيث تصبح سيفاً في عنق من يتجاوزها، وتفكيك المشكلة من قاعدتها السفلى، هو ما يضمن لنا استفادة جيدة من الخطأ.
وذلك كما يأتي :
أولاً: تحقيق العدالة الاجتماعية
لم تكن أغلب الحروب والنزاعات؛ إن لم نقل كلها؛ إلا كنتيجة طبيعية للصراع حول العامل المادي، المرعى مثلاً والزراعة، وكتمظهر طبيعي أيضاً للتنمية غير المتوازنة، وإن كان من الصعوبة نوعاً ما تحقيقها بالكامل ولكن فلنقل يجب توفير لبنة متينة لتحقيق العدالة الاجتماعية.
ثانياً: إرساء قيم الديمقراطية والرقابة الشعبية
ما ميز الحقبة السالفة هو استبدادها بالقانون وعدم وجود الجانب الرقابي، إذ لا فصل بين السلطات ويوجد من هو فوق للقانون، ومن هنا تبرز أهمية إعلاء القيم الديمقراطية التي تحد من الاستبداد بالسلطة وتفعيل الأدوار الرقابية الشعبية والنقابية.
ثالثاً: الذكريات المؤلمة
إذ لابد أن يترسخ وعي شعبي كبير عن سوء جرائم القتل والاغتصاب والإنقلاب على الديمقراطية وغيرها من الجرائم البشعة، وتنكيس الأعلام في مثل هذه الأيام. فرواندا مثلاً تقيم حدادً سنوياً لمدة مائة يوم كاملة لتذكر سوء حربهم الغير آدمية بين الهوتو والتوتسي، فمائة يوم لا شك عمر كبير من عمر السنة الاقتصادية للدولة، ولكن الذكرى كانت بالنسبة لهم أكبر من ذلك بكثير.
رابعاً: تعديل المناهج الدراسية
لا سلاح أخطر على الأمم من سلاح المقرارات الدراسية، فهو عامل موت للشعوب كما فعلت الإنقاذ وعامل حياة في ذات الوقت، تعديل المناهج بما يتوافق مع معطيات العصر والثورات المعرفية، وبناء لاوعي باطني لدى الأطفال عن ضرورة احترام الآخر وتقبل المختلف، وحب الوطن والترقي به وحمايته من كل متربص، إذ عافية الشعوب في عافية نشئها.
بالعمل على هذين العنصرين، فإننا نحاسب المذنبين بما يأخذ للضحايا حقهم الطبيعي، وإننا نتعلم من أخطائنا السابقة. فستكون هناك حماية قوية للديمقراطية واحترام القانون وتكوين مجتمع أساسه العدالة الاجتماعية.
ولإن كانت هذه هي سبع عجافنا فسنشتم رائحة القميص ما دام كل فرد منا أو كيان يقوم بدوره المنوط به على أتم صفة، ولطالما هطل القميص على العيون وبشر.