مئتي عام على الإستعمار ، كيف نرى السودان؟
متوكل دقاش : باحث في الدراسات الافريقية
أوجدت التجربة البشرية صيغة الدولة كمنظومة سلطوية أو أداة لتأطير رغبات الجماعات والأفراد. بناء على أنظمة معينة ونظم وإستراتيجيات محددة، تضمن لكل حقوقه. ومنذ ظهور فكرة الدولة، كان المفهوم يقوم كلاسيكيا على عوامل رئيسية، وخصائص محددة مثل الرقعة أو النطاق الجغرافي المحدد والجماعة (السكان) والسلطة.
بيد أنني افترض جدلا ان هذه الخصائص، لم تعد كافية لتعريف الدولة، أو دعونا نقول إدارتها. والتحكم في ديناميكيتها؛ لا سيما بعد التطور الذي طرأ على الفكر الإنساني وتقدمه. وظهور سرديات ومعاني وفلسفات جديدة شارحة لطبيعة الإنسان والمجتمعات، والتي بدورها عكست مبادئ جديدة قوضت المفهوم أعلاه، أو أضافت أبعادا جديدة لم يعد معها الاصطلاح القديم، قادرا على لعب أدوار أساسية، وغدا غير صالح لتعريف الدولة الحديثة بمعناها الدقيق ومن ثم إدارتها بعد ذلك.
لذا بات الأن ومن الأهمية بمكان، أن نستصحب المعطيات الجديدة في عملية تعريفنا لماهية الدولة الحديثة، وأسباب نشؤها، وتبديها كظاهرة اجتماعية، تعمل بوصفها نتاجا لحراك العديد من المجتمعات خاصة إذا ما أدركنا تطور الدولة من دولة الرقعة الجغرافية المحددة والتي تسكنها مجموعة أو مجموعات معينة تحكمها قوانين معينة عبر (سلطة).
إلي دولة تجمع سياسي يوجد نظاما سائدا في إقليم معين، ويمارس السلطات من خلال مؤسساته ومنظماته وأجهزته المختلفة وبهذا فإن الدولة أصبحت تتبلور في بنية حديثة (مؤسساتية)، وباتت تعرف وظيفيا من خلال أهداف أكبر وأسمى مثل تحقيق الحاجات الأساسية للأفراد وصولا إلى تحقيق رفاتهم العام وتنشأ هذه المؤسسات نتيجة لتراضي كل أطراف الدولة، أي (مجموع المجتمعات) كتعاقد اجتماعي بغرض تحقيق الصالح العام وتحقيق ذات الكل وإشباع حاجات الجميع.
والشرط الأخير بلا شك يجعل من الدولة القطرية الموجودة الأن على مستوى القارة الإفريقية وبما في ذلك الدولة السودانية ذات طابع كولونيالي.
ذلك وببساطه لأنها لم تنشأ نتيجة تطور طبيعي جراء حراك المجتمعات التي تشكل الدولة الأن، أضف إلى ذلك أن مؤسسات الدولة ومنظماتها لم تتشكل نتيجة لتراضي كل أطرافها. وهي لا تعمل على ضوء حفظ مصالح كل الجماعات، بحيث تتحقق رغباتهم، وتشبع حاجاتهم وتحقق لهم الرفاه العام. بل تعمل على ضوء حفظ مصالح قلة، أو بالأحرى (أوليغارشية إثنودينية) ترى في نفسها أنها هي الدولة والدولة هي لحقيقة الأمر هو أن ظهور الدولة القطرية الحديثة في السودان كنتاج لمأرب كولونيالية، ليست هي الإشكالية الكبرى. بل إن استمرار النخب السياسية التي حكمت هذه الدولة على ذات المنوال، ونفس النهج الاستعماري لهي الطامة الحقيقية؛ التي أوردت الدولة بعد ذلك مورد الهلاك والتشظي.
وهم الذين لم يعملوا على بناء مشروع وطني يكون نواة، أو مدخلا لتشكيل وجدان مشترك أو يغيروا تلك المناظير التي كان ينظر من خلالها المستعمر إلى السكان الأصليين. وذلك بالرغم من ان القومية الترابية التي تشكلت عشية الغزو التركي، كانت لتكون مدخلا مهما نحو تحقيق حلم بناء الأمة لو أن النخب الوطنية، عملت على إيجاد تواشج معقول، بين الجغرافيات والمجتمعات السودانية، من خلال البرامج والتنظيرات والمشروعات السياسية.
وما هو من الاهمية بمكان هنا، هو الاحاطة بأن جديلة الدولة نتجت عن التفاعل الثنائي بين سيكولوجية الإنسان أو المجتمعات، والأرض وطبيعتها أو قل جدلية الإنسان والجغرافيا.
ولأن قانون توّلد الشيء أو الظاهرة هو الذي يحكم عملية سيرورتها وصيرورتها، فإن خطرا ما يتهدد تلك الدول التي تولدت نتيجة عوامل غير طبيعية، ولم يكن بروزها نتيجة لقوانين الطبيعة وحاجات الأفراد والمجتمعات، ولم تتعارف على نظم موضوعية، تدير تعارضاها بشكل يمنع اية تدافع عنيف ، فبناء على فرضيات (الإيكولوجية البشرية) فإن للإنسان علاقات زمانية ومكانية تأثر على قوى البيئة من حيث الانتفاع والتوزيع والمعيشة ويرى الباحثون الاجتماعيون أن المجتمع البشري ينتظم مستويين أحدهما المستوى الطبيعي، وثانيهما المستوى الحضاري إما في المستوى الأول الطبيعي، فيتأثر الإنسان مثله مثل أي كائن حي أخر بالعمليات (البيئية) الطبيعية لذا فهو يتفاعل معها ليحقق المنفعة ويمنع عنه أخطارها.
أما المستوى الثاني، فيرتبط الإنسان حضاريا، وثقافيا ببيئته من حيث المعتقدات، والأفكار والاتجاهات والسلوكيات في نظام اجتماعي يحيا فيه ويوجد أنماط داخل مجمعه.
لذا فإن الحراك الطبيعي للمجتمعات لتحقيق هذه الحاجات تجعلهم في معظم الأحيان يلتقون ببعضهم البعض ليكوّنوا مجتمعا واحد.
وما دام أن هنالك حاجة إلى تحقيق أهداف مشتركة وثمة مصير مشترك، إذن لابد أن يتأتى من كل ذلك و(مع تعاقب) الأجيال ما يمكننا تسميته بالماضي المشترك.
الماضي المشترك هو كل ما تختزنه الذاكرة الثقافية والاجتماعية والسياسية لجماعة ما من أحداث ومناسبات يتأسس انسحابا عليها (وعي تاريخي وجمعي) يعتبران المرجعية الأساسية التي تستمد منها التفسيرات المصاحبة لتعريف القيم والمبادئ كمجموع معاني وقيم، تحكم حراك الفرد والمجتمع والمأزق الوجودي للدولة السودانية منذ جدلية تشكلها، أنها تأسست على مشروعات سياسية متهافتة، وأيدولوجيات عمياء جعلتها تعايش طويلا صراعات وجودية، عصفت بها في جباب الدمار والحروب وجعلت تاريخها المشترك، تاريخ احترابات ومظلمات، وصراعات بينية.