Hiwaratjeel

عنبر جودة: لمَ قتل مئتا مزارع خنقاً تحت أول حكومة ديمقراطية في السودان؟

إعداد: محمد الكامل 

 

 

فجُع السودان بعد مضي 6 أسابيع فقط على استقلاله بواحدة من أول وأبشع المجازر التي شهدها تاريخه. فقد السودان حوالي 300 روحٍ طيبة في أحداث جودة التي استمرت من 16 فبراير حتى 18 فبراير. قتلت 150 روحاً من هذه الأرواح برصاص قوات الشرطة وقتلت 194 روحاً منها خنقاً في عنبر صغير، غير مستعمل، للأسلحة في مدينة كوستي. توالت المآسي اللاحقة في تاريخ السودان بالطبع وتنوعت أشكالها فشملت الحروب والمجاعات والقتل بالرصاص وبالإفقار والجوع، ولكن ما زاد بؤس مأساة جودة هو حدوثها بعد زمن وجيز جداً من الاستقلال الذي كان لحظة تعاظمت فيها الآمال بعد تحرر الأمة عن مستعمرها، وحدوثها على يد حكومة ديمقراطية مدنية. تدفعنا الطبيعة الغريبة والسياق المتناقض لهذه الحادثة لتأمل أحداثها والتفكر في طبيعة المصالح التي هددها مزارعوا جودة حتى استحقوا عليها هذا العقاب.

جودة منطقة صغيرة تقع جنوب مدينة كوستي. كانت منطقة جودة أرضاً تسكن فيها عدة قبائل أبرزها قبيلة نزي، وخلت المنطقة من أي شيء سوى قرى هذه القبائل قبل نشوء مشروع جودة الزراعي المخصص لإنتاج القطن تحت ملكية رجل الأعمال السوداني عبدالمنعم محمد، الذي كان رئيس مجلس مشروع الجزيرة وأحد أغنى أغنياء السودان في حينها[1]. انعتشت المنطقة بعد نشوء المشروع وأنشئت فيها الأسواق الكبيرة والمدارس والشفخانات[2]، وعمل أغلب سكانها في المشروع أو في الحرف والأسواق المرتبطة به، غير المشروع طبيعة حياة أهل جودة ورسمت قسمة المسؤوليات والحقوق بين مزارعي المشروع وصاحبه ملامح كثيرة لمعيشتهم.

شارك الكثير من أهل السودان أهل جودة في هذا التغيير الطارئ على حياتهم، فقد انتشرت المشاريع الزراعية العامة والخاصة في العديد من مناطق السودان منذ السنين الأولى للاحتلال الإنجليزي المصري للسودان، واتخذت صيغاً متشابهة في طبيعة العلاقات بين المزارعين وأصحاب المشاريع، وأصبحت ذات أثر كبير على الاقتصاد السياسي للبلاد وتركيب السلطة فيها ومعيشة أهلها خصوصاً من سكان الريف. يفيد التعرف على تاريخ هذه المشاريع وأنواعها وعلاقة المزارعين بأصحاب المشاريع فيها في فهم ما حدث لمزراعي جودة، وفي فهم موقع حراكهم من معادلة السلطة والثروة الحاكمة للسودان في ذلك الزمن.

تطور المشاريع الزراعية في السودان

اتخذت أغلب الزراعة في السودان قبل فترة الحكم الثنائي (1898-1953) شكلاً كفائياً، ورويت بالأمطار عادة، أو ببعض التقنيات التي أدخلها الاحتلال التركي-المصري لاستخدام مياه النيل كالسواقي. أدخل الاستعمار الإنجليزي-المصري للسودان أساليب جديدة للري والزراعة، وأنشأ مشاريع زراعية كبيرة تباع محاصيلها في الأسواق العالمية والداخلية بدل استهلاكها من قبل أهل المناطق كما كان عليه الحال سابقاً. اخترق اقتصاد السوق بهذه الصورة العديد من المجتمعات الكفائية وغير سبل معيشتها، كما غير من الاقتصاد السياسي الكلي للسودان بصورة أثرت عليه لعقود لاحقة.  

تطور القطاع الزراعي في السودان بصورة كبيرة وفقاً للاحتياجات الاقتصادية والسياسية لسلطة الحكم الثنائي. واجهت حكومة الحكم الثنائي عجوزات مستمرة في الميزانية منذ العام 1913، وكان لذلك عادة أسباب منها صعوبة استخلاص إيراد ضريبي من اقتصاد السودان الذي كان أغلبه كفائيا ًفي ذلك الوقت، إضافة إلى التكلفة السياسية للاستخلاص عبر الضرائب، فقد رأت الإدارة البريطانية خطورة هذا الاتجاه وأثره على استقرار الاحتلال التركي المصري السابق لها ودوره في دفع السودانيين للثورة على الاحتلال، كما لم تتمكن الحكومة الاستعمارية من استدانة المال من بريطانيا لتبني الأخيرة مبدأً ينص على ضرورة كون حكومات المستعمرات مكتفية ذاتياً في توفير احتياجاتها الأساسية[3]. اضطر ذلك حكومة الاستعمار إلى الاستدانة من حكومة مصر حتى عام 1913، ومن ثم حاولت الحكومة تدريجياً بناء مشاريعها الخاصة لتمول نفسها[4].

تقاطعت في ذلك مصالح الحكومة مع مصالح منتجي القطن في منطقة لانكشير البريطانية. حاول منتجو القطن البريطانيون في ذلك الوقت التركيز على صناعة الملابس الناعمة، بعد المنافسة الشديدة التي تعرضو لها من قبل أقرانهم في الولايات المتحدة وألمانيا في صناعة الأنسجة الخشنة. احتاجت صناعة الملابس الناعمة إلى القطن طويل التيلة والذي لم تنتجه في ذلك الوقت سوى مصر والولايات المتحدة وبيرو، وكان إنتاج مصر منه في تراجع مستمر. إذاً، كانت أغلب مصادر منتجي القطن البريطانيين للقطن طويل التيلة مصادر غير خاضعة للسيطرة البريطانية، ولذلك احتاجوا إلى إيجاد مصدر آخر في الأراضي التي تسيطر عليها بريطانيا[5]. استفادت الحكومة الاستعمارية في السودان من رغبة المستثمرين هذه فطلبت قروضاً منهم لإنشاء مشاريع زراعية للقطن على أراضيها، بما يضمن لها مصدراً للإيراد وسوقاً جاهزة لمنتجاتها في لانكشير[6].

بذلك أسست الشركة الزراعية السودانية عام 1904. وأسست أول المشاريع الزراعية في السودان في منطقة الزيداب عام 1906 بمساحة 11 ألف فدان، ومن ثم أسست عدة مشاريع في الجزيرة من عام 1911 وحتى 1924 بمساحة تقارب ال 50 ألف فدان، وبعد نجاح هذه المشاريع وبناء سد سنار أنشيء مشروع الجزيرة عام 1925 وكانت مساحته الأولية 240 ألف فدان، وتوسعت لتبلغ قرابة المليون فدان في سنة الاستقلال[7]، وسلمت إدارته للشركة السودانية للقطن حتى عام 1950 حين استلمته الحكومة مجدداً عقب نهاية فترة الاتفاق[8]. وأسست كذلك مشاريع أخرى في أرجاء مختلفة من البلاد[9].

بنهاية فترة الحكم الثنائي، تنوعت المشاريع الزراعية بحسب ملكيتها بين مشاريع مملوكة للحكومة، ومشاريع خاصة. كما تنوعت بحسب أساليب الري بين المشاريع المروية بمياه النيل (وانقسم هذا النوع بدوره إلى مشاريع مروية بالري الانسيابي ومشاريع مروية بالضخ عبر الطلمبات) ومشاريع مطرية. أصبح قطاع المشاريع الزراعية أكبر القطاعات الحديثة في اقتصاد السودان، وأكثر القطاعات التي تعتمد عليها الحكومة. ساهمت الزراعة ب80% من إيرادات الحكومة المركزية في السنوات الأولى التي تلت الاستقلال[10]، وشكل القطن بالتحديد أكثر من نصف إيرادات الحكومة في الأربعينات وانخفضت النسبة إلى الثلث بحلول الاستقلال لانخفاض الأسعار العالمية للقطن، كما شكل القطن لوحده حوالي 80% من صادرات السودان في سنة الاستقلال[11].

اعتمدت الغالبية العظمى من المشاريع المروية، عامة كانت أو خاصة، على جهد المزارعين المستأجرين[12]، وهم من يتم وصفهم ب”مزارعين” عادة عند الحديث عن حالات كحالة مشروع جودة، وهو ما يدرج عليه هذا المقال أيضاً[13]. قسمت أراضي المشاريع الزراعية المروية إلى حواشات، وزعت بين المزارعين المستأجرين وفق نظام الاستئجار الدائم[14]، تراوحت مساحتها حسب المشاريع[15]، فبلغت 26 فداناً[16] في مشروع الجزيرة، وقسمت إلى أربعة قطع، يزرع القطن في إحداها، وتزرع الذرة أو اللوبيا في أخرى، ولا تزرع اثنتان عملاً بنظام الدورات الزراعية[17]. تولى المزارعون زراعة وحصاد المحاصيل المطلوبة من قبل مالك المشروع (سواءً كان المشروع ملكاً للحكومة أو مشروعاً خاصاً). اعتمد أغلب المزارعين المستأجرين على جهدهم هم وعائلاتهم وعملهم الزراعي واحتاج بعضهم إلى عمال مستأجرين في فترات الحصاد، واعتمدت قلة منهم على العمال المستأجرين في كل مراحل الزراعة[18].

اتخذت قسمة المسؤوليات والمنافع بين المزارعين وأصحاب المشاريع[19] الشكل المعتاد في كل المشاريع الزراعية المروية العامة والخاصة في السودان. حيث حاز صاحب المشروع (أو الحكومة في المشاريع العامة) على 60% من الأرباح بينما حاز المزارعون على 40%، إضافة إلى منح كل من المزارعين فدانين ونصف ليزرع فيهما محصولاً غذائياً غير القطن بلا إيجار وبسقيا مجانية. تولى المزارعون مسؤولية القيام بكل الأعمال الزراعية ابتداءً من تنظيف الأرض وحرثها وزراعتها وحصادها وحتى صيانة قنوات المياه والطرق القريبة من أراضيهم، واشتركوا مع أصحاب المشاريع في دفع تكاليف حلج القطن ونقله، بينما تولى أصحاب المشاريع مسؤولية تجهيز الأرض واختبار التربة ودفع الضرائب، وإدارة المشروع، وإجراء عملية حلج القطن وتسويقه[20].

احتوت هذه القسمة على كثير من الظلم للمزارعين، خصوصاً في التفاصيل العملية لتطبيقها. فعلى سبيل المثال، تجاوز العديد من أصحاب المشاريع متطلبات اختبار التربة كما تهربوا من دفع الضرائب، واستغل العديد منهم حقهم في إجراء عملية حلج القطن ليقوموا بحلجه في محالجهم الخاصة بنفقة أعلى بدلاً من حلجه في محالج أخرى قريبة، كما استغلوا قيامهم بتسويق القطن وبيعه لتصفية التزاماتهم المالية الشخصية كالديون ببيع القطن لمقرضيهم بأسعار رخيصة لتصفية ديونهم[21].  كما قام بعض أصحاب المشاريع باستغلال جهل المزارعين وعدم قدرتهم على قراءة الحسابات[22]. إضافة إلى ذلك، أخر العديد من أصحاب المشاريع دفع مستحقات المزارعين، لفترات بلغ متوسطها السنتين، وقد كانت هذه المشكلة الأخيرة القشة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة لمزارعي جودة. وأخيراً، كان وضع مزارعي القطاع الخاص أسوأ من أنظارهم في الحكومة لأنهم لم يحظو بأشكال الضمان الاجتماعي التي حظي بها نظراؤهم في الحكومة كما واجهو صعوبة في الحصول على القروض[23].

الحراك والتنظيم الديمقراطي للمزارعين

إن نشوء حراك ديمقراطي للمزارعين نتيجة طبيعية لهذه الأوضاع. اشتعلت الشرارة الأولى لحراك المزارعين عام 1946 حينما أعلنت شركة السودان الزراعية، المديرة لمشروع الجزيرة، احتفاظها بجزء من أرباح المشروع في تلك السنة بذريعة إنشاء صندوق لرفاهية المزارعين. رفض المزارعون القرار وأضربوا رداً عليه[24]، وتم رفع الإضراب بعد أن وصت لجنة خاصة كونها الجهاز التشريعي بأن يُدفع جزء من المبلغ الذي طالب به المزارعون[25].  

اتخذ الصراع بين المزارعين والحكومة في بدايته صيغة أقرب إلى صراع حول تكوين الأجسام الممثلة للمزارعين، قبل أن يصبح صراعاً مباشراً حول الحقوق والمطالب. بدأت الحكومة، بعد إضراب مزارعي الجزيرة، بتكوين أجسام ممثلة للمزارعين ولكنها محدودة التأثير أو خاضعة لتأثير الحكومة بشكل كبير، فكونت “هيئة ممثلي المزارعين” كجسم استشاري معني بتمثيل المزارعين في مشروع الجزيرة، وحاولت تكوين جسم مشابه في جبال النوبة ولكن تمكن المزارعون من تكوين اتحاد ممثل لهم، وكان هذا الاتحاد أول الاتحادات التي اعترفت بها الحكومة، بعد نجاح الاتحاد في إقامة إضراب استمر شهراً[26]. بعد ذلك، انتخب مزارعو الجزيرة لجاناً في مناطق الجزيرة بأكملها وتوحدت جميعها في اتحاد مزارعي الجزيرة[27]. ونجح مزارعو المديرية الشمالية كذلك في تكوين اتحاد لهم عام 1952 بعد أن زادت الحكومة ضرائب الأرض ورسوم المياه[28].  

حدثت كل هذه التطورات السابقة في المشاريع المملوكة للحكومة، بينما كان التحرك في مشاريع القطاع الخاص أصعب لعدة أسباب. كان العديد من ملاك هذه المشاريع من الزعامات الطائفية والقبلية مما صعب مواجهتهم، فقد كانت هذه المواجهة مرفوضة اجتماعياً[29]، وتعني مواجهة علاقات السلطة التي تكونت خلال قرون لا تلك التي فرضها الاستعمار حديثاً فقط. كما مثلت المشاريع الخاصة مصالح متعددة تمس أطرافاً غير سلطة الاستعمار من تجار في الزراعة والتجارة الخارجية وموظفين كبار في الحكومة وغيرهم. إضافة إلى ذلك، كثرت الانقسامات بين اتحادات المزارعين في هذه المشاريع في أول الأمر[30].  

ولكن وعلى الرغم من ذلك، تطور حراك المزارعين في المشاريع الخاصة تدريجياً. فتمكنت اتحادات مزارعي المشاريع الخاصة في النيل الأبيض من تكوين اتحادٍ لها باسم “اتحاد مزارعي النيل الأبيض” وأنشأ مزارعو النيل الأزرق اتحاداً كذلك[31]. كما بدأ مزارعو المشاريع الخاصة في استخدام الإضراب، وبدأ الأمر بإضراب لمزارعي مشاريعٍ في سنار، وتبعهم بعد ذلك إضراب مزارعي الكساب المملوك للسيد علي الميرغني[32].  

استبشر المزارعون خيراً باستقلال السودان وفوز الحزب الوطني الاتحادي بالانتحابار خيراً في بداية الأمر، الذي كان أقرب إلى المزارعين، بحكم قرب عناصره المتعلمة من الحواضن الحضرية والقوى الحديثة واستقلالها النسبي عن قيادتها الطائفية مقارنة بعناصر حزب الأمة[33]. كانت حكومة الحزب الوطني الاتحادي مكبلة في ذلك الوقت بتناقضاتها مصالحها وتحالفاتها. واجهت الحكومة مشكلة اتفاقية مياه النيل التي اقتضت علاقاتها مع مصر أن لا تضغط على الحكومة المصرية لزيادة حصة السودان من مياه النيل، فيما تطلبت علاقاتها بالقيادات الطائفية والتجار ومصالح بعض أعضاء الحزب الوطني الاتحادي نفسه الضغط لزيادة حصة السودان بما يسهل توسع المشاريع الزراعية، خصوصاً تلك المملوكة للقطاع الخاص[34]. 

استمرت حكومة الحزب الوطني الاتحادي في نهج حكومة الاحتلال المتمثل في تجاهل حراك المزارعين وعدم تغيير القوانين المنظمة للمشاريع الزراعية، وزيادة وتسهيل توزيع رخص هذه المشاريع حفاظاً على مصالحها وإرضاءً لحلفائها الطائفيين[35]، وخوفاً من محاولات حلفائها الطائفيين للتخلص منها، خصوصاً بسبب موقفها اتجاه اتفاقية مياه النيل. خاب ظن المزارعين إذاً في الحكومة الجديدة وأخذت الأحداث منحناً دامياً في مجزرة جودة.

 

مجزرة جودة

بدأت أولى الأحداث التي قادت إلى مجزرة جودة عندما تقدم اتحاد مزارعي النيل الأبيض بمذكرة تضمنت عدة مطالب منها تغيير توزيع عائدات القطن ليصبح نصيب المزارع 60% بدلاً من 40%، ومشاركة المزارعين في حلج القطن وتسويقه والاعتراف بالاتحاد. تجاهلت الحكومة المطالب في بداية الأمر ومن ثم زاد سلوكها عنفاً فقامت باعتقال قيادات الاتحاد الذين كانوا يطوفون على المشاريع لإقناع المزارعين بتأجيل الإضراب حتى عقد مفاوضات مع الحكومة. توجه 4000 مزارعاً إلى كوستي احتجاجاً على هذا التصرف فقامت الحكومة بإطلاق سراح قادة الاتحاد واعتقلت 150 مزارعاً مضرباً[36]، ومن ثم اعتقلت الحكومة مزيداً من المزارعين والعمال عقب تجمع جماهيري لهم، ونقلت محكمة هؤلاء المزارعين إلى منطقة جودة القريبة من كوستي.                                                                         تزامن ذلك أيضاً مع إضراب كبير للمزارعين في مشاريع شمال الجزيرة، قمعت قوات الشرطة إضراب شمال الجزيرة بالتهديد وبالاعتقالات، مما اضطر العديد من قادة الحراك إلى التحرك جنوباً، ولاحقتهم قوات الشرطة على مدى أسابيع حتى وصلو إلى جودة[37].   

في ذلك الوقت، كان مزارعوا جودة محتجين على عدم استلامهم لمستحقاتهم المالية للسنوات الثلاث السابقة رغم تسليمهم للمحاصيل[38]. في نفس الوقت الذي استثمرت فيه شركة عبدالمنعم محمد المالكة للمشروع في عدة مصانع لاستخلاص الزيوت النباتية، “أي أنهم أخذوا أموال المحصول وأعادوا استثمارها، بدلاً من أن يدفعوا للمزارعين مستحقاتهم حين بيع المحصول، ولم يتركوا أي رد فعل أمام المستأجرين سوى الاحتجاج”[39]. اعتراضاً على هذا الظلم، رفض المزارعون الاستمرار في جمع القطن أو تسليم الكمية التي تم حصداها حتى تدفع لهم مستحقاتهم المتأخرة، كما طالبوا بقسمة أكثر عدلاً للأرباح[40].    

وثق ابن دوقلاس بيزويك، مفتش مشروع جودة في وقتها، شهادة والده ووالدته عن أحداث جودة. يذكر بيزويك أنه كان في مكتبه حين تلقى اتصال هاتفياً يخبره بقدوم ناظر الخط مع أحد رجال الشرطة ليتفاوض مع المزارعين المضربين. وبالفعل أتى الناظر وجلس رفقة بيزويك في مكتبه، بينما ذهب الشرطي رفقة أربعة رجال آخرين إلى مساحة في منتصف المشروع حيث يتجمهر المزارعون. وبعد فترة، هرع الرجال الذين رافقوا الشرطي عائدين إلى المكتب وأخبرو الناظر وبيزويك بأن الشرطي قد قتل على يد المزارعين المعتصمين[41]، مما دفع الناظر إلى أن يطلب تعزيزات إضافية من قوات الشرطة.

كان العقاب الذي وقع على المزارعين عنيفاً، حيث أتى 20 أو 30 شرطياً من مدينة الجبلين الواقعة قرب جودة وهاجمو المزارعين الذين دافعوا عن أنفسهم بالفؤوس والحجارة، وقام رجال الشرطة بإطلاق النار على كل المتواجدين في المكان. تختلف الروايات حول عدد القتلى من المزارعين في ذلك اليوم، وتتراوح بين حوالي 40 قتيلاً في آخر روايات الحكومة إلى 150 قتيلاً في رواية اتحاد المزارعين. ويصعب التأكد من عددهم لتشتت جمهور المعتصمين يومها، ولاكتفاء العديد من الأهالي بدفن أبنائهم بسرية.

أتى رجال الشرطة مجدداً إلى منطقة المشروع في اليوم التالي، واعتقلوا كل من وجدوه أمامهم، رجالاً ونساءً، رغم أن العديد من كانوا في المنطقة في هذا اليوم لم يكونوا من المعتصمين في اليوم السابق. اعتقل 600 شخصاً في البداية وجمعوا تحت حرارة الشمس طيلة النهار، ثم أخذت الشرطة 281 مزارعاً إلى كوستي بعد أن أفرجت عن النساء وبعض من تأكدت من عدم علاقتهم بالأحداث.

حبس المزارعون الذين يبلغ عددهم 281 شخصاً في عنبر أسلحة صغير وغير مستعمل[42]، أغلقت كل نوافذه وأبوابه، ومنع المحبوسون فيه من الماء والطعام والهواء في ظل حر شديد. صرخ المزارعون باستمرار معبرين عن ضيقهم واختناقهم وقوبل صراخهم بسخرية رجال الشرطة. حاول بعض المزارعين كسر النوافذ ليتسلل منها مزيد من الهواء، وقام رجال الشرطة بإطلاق النار عليهم. دخل العديد من المزارعين في حالة هيستيرية بسبب الاختناق والحر وبدؤوا بالتساقط بحلول منتصف الليل، مات بعضهم وهم يصرخون طلباً للهواء والماء وسقط الموتى فوق بعضهم البعض[43].

أظهرت الجروح الموجودة على أيدي المزارعين وأرجلهم ودماؤهم المنثورة على جدران العنبر إلحاح محاولاتهم للخروج منه. قال أحد الأطباء الذين استدعوا إلى العنبر أنه لم يستطع فرز الأحياء من الأموات ووصف المشهد بأنه أشبه بالمجزرة. وفي صبيحة اليوم التالي، كان عدد القتلى من السجناء 194 قتيلاً ونجى منهم 93 شخصاً. دفن القتلى في مقبرة جماعية كبيرة يوم 18 فبراير بعد أن جردوا من ملابسهم وأحذيتهم[44].

ما سبب كل هذا العنف وما تفسيره؟ ما خطيئة المزارعين التي استوجبت قتلهم خنقاً؟ رأى بيزويك الابن أن الجواب يكمن في رغبة رجال الشرطة في الانتقام على مقتل زميلهم، وفي طبيعة الشرطة القمعية كمؤسسة وقلة الضوابط المفروضة عليها، وفي خطوط التمايز الإثني بين أفراد الشرطة والمزارعين[45]. ولربما ترشدنا الممارسات اللاحقة للشرطة السودانية في ترجيح حكم بيزميك ولو جزئياً. تؤثر الترابط الداخلي والأخوي بين الشرطة وغيرهم من قوات الدولة في سلوكهم[46] وجاز أن يكون العنف الواقع على المزارعين ثأراً على الشرطي المقتول.

ولكن، قد يفسر ذلك أحداث العنف العينية ولكنه لا يكفي لفهم السياق الأكبر المتعلق بأوضاع المزارعين والظلم الواقع عليهم، وتعنت الحكومة المستمر أمام اتحاداتهم، وأيضاً، برود الحكومة التام اتجاه أحداث جودة وعدم تعاملها معها بأي رد فعل يتجاوز ما يتطلبه حفظ الوجه أمام المستثمرين الأجانب. وفي الحقيقة، يروي بيزويك نفسه استغلال الحكومة للحادثة لتصفية حراك المزارعين، فقد اعتقل العديد من قادة اتحاد مزارعي النيل الأبيض عقب الحادثة مباشرة واعتقل معهم العديد من قادة اتحادات العمال. 

أما مزارعو جودة، فقد قررت الحكومة دفع تعويضات جزئية لعوائلهم، بلغ قدرها 20 جنيهاً للأسرة[47] على أن تدفع التعويضات الكاملة لاحقاً[48]، ولم تدفع هذه التعويضات. كما اعتقل ضابطان من قوات الشرطة وعدة عسكريين بتهمة التسبب في موت السجناء عبر الإهمال، وأسقطت التهم عنهم لاحقاً. وعدت الحكومة بإجراء تحقيق في حادثة جودة ولم تفعل. وترقى بعض المسؤولين عن المنطقة في ذلك الوقت لاحقاً[49] واحتفظ عبدالمنعم محمد بموقعه كرئيس لمجلس مشروع الجزيرة[50].

يصعب مع رد فعل الحكومة هذا أن نحصر تفسير أحداث جودة في سلوك وطبيعة قوات الشرطة. نعم، ربما لم تصدر أوامر قتل المزارعين من رأس الدولة ولكن لم تتحرك الدولة بعد هذه الأحداث المؤسفة في أي اتجاه يعترض على سلوك قوات الشرطة فعلاً أو يسعى لعدم تكراره، بل كانت خطوات الدولة أقرب إلى استغلال الحادثة لإخماد حراك المزارعين خصوصاً في المشاريع الخاصة. كانت أحداث جودة نذرياً مبكراً على الطبيعة المستبدة لقوات الشرطة، ولكنها كانت نذيراً مبكراً كذلك على سلوك الطبقة الحاكمة في السودان اتجاه المجتمعات الريفية. يقول تيسير محمد علي في وصف حادثة جودة “تعكس الحادثة الأضواء على سمة جوهرية لكل الأنظمة المتعاقبة التي تصرفت دوماً بتجاهل تام، لا للمصالح فقط، وإنما لجوهر القيمة البشرية لمورد الأمة الأعظم، وهو مجتمعاتها الريفية، ليست جودة مجرد حادثة عابرة، وإنما هي مثال للإخفاق المستمر للقوى المهيمنة في السودان على حل تناقضاتها مع المزارعين بصورة ديمقراطية”[51].

 

المصلحة الواقعة في قلب المجزرة.. مشاريع الطلمبات الخاصة

يرى تيسير أن جزءًا كبيراً من أسباب هذا العنف راجع إلى المصالح الكثيفة التي امتلكتها الطبقة الحاكمة في مشاريع القطن الخاصة المروية بالطلمبات[52]، وهي المصالح التي هددها مزارعو جودة والنيل الأبيض وغيرهم من المزارعين العاملين في المشاريع الخاصة. واجه هؤلاء المزارعون مصالح مركبة تراكمت خلال سنوات من التاريخ الاجتماعي للبلاد ومن الممارسات الاستعمارية.

يقول تيسير أن مشاريع الطلمبات الخاصة أُسست لأسباب تختلف عن المشاريع الحكومية الكبيرة. لقد أسست سلطة الحكم الثنائي المشاريع الزراعية الحكومية في أول أمرها بغرض سد العجز في ميزانية الحكومة وتوفير دخل لها وتلبية بعض مصالح منتجي القطن في بريطانيا، بينما أسست الحكومة مشاريع الطلمبات الخاصة لخلق حلفاء داخليين للاستعمار، ترتبط مصالحهم المادية ارتباطاً عضوياً به. احتاجت سلطة الاحتلال، في أعقاب محاولات الثورة والتمرد المتتالية عليها، إلى إيجاد طريقة لبناء حلفاء داخليين لها من وسط المجتمع. تزايدت هذه الحوجة عقب ثورة 1924 وشعور السلطة بالتهديد المستمر من طبقة المتعلمين. وجدت السلطة حلفاً لها في الزعامات التقليدية والقبلية في البلاد، فاتخذت أساليب متعددة لبناء هذا الحلف وتقويته، ودمجتهم في النظام السياسي والقضائي لجهاز الدولة الاستعماري عبر فرض نظام الحكم غير المباشر (أو ما يسمى أيضاً بالإدارة الأهلية)، ودمجتهم في القاعدة الاقتصادية لجهاز الدولة الاستعماري عبر توزيع رخص المشاريع الخاصة (التي تزامن صدور قانون توزيع رخصها مع قانون الحكم غير المباشر[53]).

بدأت سلطة الاحتلال بتحييد رأس المقاومة السابقة لها ممثلة في قيادة طائفة الأنصار. منح السيد عبدالرحمن مقاولة لتجهيز أخشاب خزان سنار، كما منح إذناً بزراعة أرض في الجزيرة أبا عام 1908، ومنح أراضياً أخرى عام 1915. استفاد السيد عبدالرحمن من عطايا الحكومة وهداياها المختلفة التي تراوحت بين الأراضي، والقروض التي تتحول لاحقاً إلى هبات[54]، ودعم مهندسي الحكومة وفنييها[55]، كما استفاد من جهد الأنصار الذين عملوا في المشاريع دونما مقابل سوى نفقات طعامهم وملابسهم[56]. وبحلول العام 1933، أصبح السيد عبدالرحمن أحد أغنى أغنياء السودانيين بحقول بلغت مساحتها 13 ألف فدان توزعت في مناطق الجزيرة أبا، والفونج، والنيل الأبيض، وكسلا وبعمالة زراعية بلغ عددها 4500 عامل في الجزيرة أبا وحدها[57]. اتبعت سلطة الاحتلال أسلوباً مماثلاً مع قادة الطرق الكبيرة الأخرى كالسيد علي الميرغني الذي منح أراضي في شرق وشمال السودان والشريف الهندي الذي منح أراضي في الجزيرة[58]، وطبق الأسلوب كذلك مع بقية القيادات التقليدية والقبلية[59]، مع تفاوت ما ناله كل منهم حسب أهميته بالطبع.

أُدرِج التجار والمتعلمون وكبار الموظفين كذلك في شبكة المصالح التي خلقتها مشاريع الطلمبات الخاصة. تمكن العديد من كبار التجار من تملك مشاريعهم الخاصة لزراعة القطن، كما استفاد التجار من العمل على تمويل القطاع كوسطاء بين أصحاب المشاريع والبنوك الأجنبية التي كانت تفضل عدم الاستثمار مباشرة في القطاع لطبيعته طويلة الأمد. دخل المتعلمون والموظفون في بداية الأمر إلى قطاع المشاريع الخاصة عبر تقديم خبراتهم التقنية والفنية لأصحاب المشاريع[60]، وتمكن بعضهم من تكوين قاعدة اقتصادية من خلال عملهم هذا، كما قام بعضهم باستغلال مواقعه في الدولة لنفس الغرض[61].

كان العمل على المشاريع مربحاً جداً، كما مثلت المشاريع استثماراً سهلاً ومدعوماً بشدة من الدولة المستفيدة من تصدير القطن بأرخص الأسعار للمنتجي القطن البريطانيين ومن تحييد الطبقة المهيمنة من من السودانيين وربط مصالحهم بمصالحها. لم تفرض ضريبة الري على المشاريع ووفرت القروض والتسهيلات لأصحاب المشاريع باستمرار ولم يدفعوا الضرائب بانتظام[62]، كما عوض أصحاب المشاريع عند انهيار القطاع لاحقاً[63]. وبحلول الاستقلال بلغ مشاريع الطلمبات الخاصة 1000 مشروع تشغل ثلث المساحة الزراعية المروية في السودان بمساحة تبلغ 620 ألف فدان[64]. مثل هذا القطاع شبكة مصالح كثيفة ومعقدة ارتبطت فيها مصالح القيادات التقليدية وكبار التجار والموظفين، وكان أغلب أعضاء برلمان السودان الأول من أصحاب مشاريع الطلمبات الخاصة.

جدول يوضح نمو وتزايد مشاريع الطلمبات الخاصة بالسودان

يوضح الشكل مقدار المساحة الجديدة المضافة إلى مشاريع الطلمبات الخاصة في كل فترة من فترات ازدهارها، لاحظ الزيادة المهولة في مساحة المشاريع حين استلام القوى السياسية الوطنية للحكم في فترة الحكم الذاتي ومن ثم الاستقلال. بدأت المشاريع الخاصة بالتقلص بعد انخفاض أسعار القطن. أخذت بيانات الرسم من Niblock, Class and Power in Sudan.

شهدت فترات تولي السودانيين جهاز الدولة بدايةً بالحكم الذاتي عام 1953 ومن ثم الاستقلال عام 1956 أكبر زيادة في عدد ومساحة مشاريع الطلمبات الخاصة في تاريخ السودان. خلال عقد 1950-1960 الذي كان بداية تولي القوى الوطنية للحكم، أنشئ 791 مشروعاً جديداً بما يشكل زيادة تبلغ 527% في عدد مشاريع الطلمبات، ويشكل هذا الرقم كذلك 80% من إجمالي عدد مشاريع الطلمبات الخاصة حتى عام [65]1963. كما كان لهذا التوجه آثار مهولة على الإنفاق العام بما فاق إلحاح المستعمر نفسه في الإنفاق على الاقتصاد الاستخراجي للقطن، ففي الخطة الأخيرة للحكومة الكولونيالية كان نصيب المشاريع الزراعية حوالي 16,8% من إجمالي الإنفاق العام، ومشاريع البنية التحتية 40.2% بينما أصبحت نسبة الإنفاق على الزراعة خلال السنوات الخمس الأولى التي أعقبت إعلان الاستقلال 56.2% والإنفاق على البنى التحتية 10%[66].

لقد استغلت الحكومة الوطنية الأولى ممثلة في الحزب الوطني الاتحادي حينها توليها جهاز الدولة موقعها لتوسيع القاعدة الاقتصادية التي استفادت منها الطبقة المهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية في السودان على حد سواءً، ويمكن ملاحظة ذلك جلياً من الشكل أعلاه. يقول تيسير في هذا الصدد: “استمر الحزب الوطني الاتحادي في توزيع رخص المشاريع، ليس فقط على أنصاره، بل أيضاً لأنصار حزب الأمة، منافسه السياسي الرئيسي، والدليل على ذلك تؤكده تدخلات رئيس الوزراء الشخصية المتكررة، وتجاوزاته لبعض الإجراءات الإدارية من أجل تسهيل منح تراخيص الطلمبات”[67].

لربما تطلع مزارعو جودة إلى الاستقلال بأمل كبير باعتباره نقطة فاصلة تتولى الدولة الوطنية بعدها تنمية اقتصاد السودان وتحسين الأوضاع الاجتماعية لمجتمعاته الريفية والحضرية. ولربما نظر مزارعو جودة إلى أنفسهم كمستحق أساسي وبديهي لعوائد عملهم وموقعهم في قاعدة إنتاج ثروات البلاد، ولكن لم تكن الدولة الوطنية التي أملوا في نصرتها سوى تجمع لمصالح نمت في كنف الاستعمار، ولم تنظر إليهم إلى كأدوات بشرية في سبيل تحقيق تجارة مربحة، ولربما لم تزد قيمتهم لديها على شولات القطن التي زرعوها. ظهر هذا التناقض جلياً حينما نعى الشاعر صلاح أحمد إبراهيم مزارعي جودة قائلاً:

لو أنهم:

حزمة جرير يعد كي يباع..

لخدم الأفرنج في المدينة الكبيرة..

ما سلخت بشرتهم أشعة الظهيرة

وبان فيها الإصفار والذبول..

بل وضعو على نظافة الحصيرة..

وبللت شفاههم رشاشة صغيرة..

ورفعت على خدودهم رطوبة الأنداء والبهجة النضيرة

المراجع والمصادر:

[1] Beswick, S. F. “The Black Hole of Kosti: The Murder of Baggara Detainees by Shaigi Police in a Kosti Barracks, Sudan 1956.” Northeast African Studies 2, no. 1 (1995): 61–83. http://www.jstor.org/stable/41931191.

[2] صلاح محمدن تحرير عبدالله علي إبراهيم، في الذكرى الرابعة والستين لمأساة عنبر جودة (16-18 فبراير 1956)، (2022) على: https://sudanile.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%85%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%A9-%D8%B9%D9%86%D8%A8%D8%B1-2/

[3] Tim Niblock , Class and Power in Sudan: The Dynamics of Sudanese Politics, 1898-1985, )THE MACMILLAN PRESS, 1987)

[4] Niblock, Class and Power in Sudan

[5] Niblock, Class and Power in Sudan

[6] Niblock, Class and Power in Sudan

[7] Niblock, Class and Power in Sudan

[8] محمد أبوالقاسم حاج حمد، السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل المجلد الثاني 1956- 1996  (بيروت، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، 1996)

[9] Niblock, Class and Power in Sudan

[10] زراعة الجوع في السودان، تيسير محمد علي (القاهرة: مركز الدراسات السودانية،1994)

[11] Niblock, Class and Power in Sudan

[12] Niblock, Class and Power in Sudan

[13] تولى المزارعون المستأجرون حواشتهم تحت نظام للاستئجار الدائم، يتيح لهم توريث حواشاتهم لأبنائهم، راجع حاج حمد، السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل

[14] حاج حمد، السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل

[15] Niblock, Class and Power in Sudan

[16] Niblock, Class and Power in Sudan

[17] حاج حمد، السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل

[18] [18] Niblock, Class and Power in Sudan

[19] من المهم توضيح أن أغلب ملاك المشاريع الخاصة لم يملكو الأراضي الزراعية، وإنما امتلكتها الحكومة، ووزعت عليهم رخص استخدامها

[20] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[21] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[22] فاطمة بابكر محمود،  البرجوازية السودانية.. أطليعة للتنمية؟ (الخرطوم: شعبة التعريب والترجمة بكلية الآداب، 1986)

[23] Niblock, Class and Power in Sudan

[24] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[25] حاج حمد، السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل

[26] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[27] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[28] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[29] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[30] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[31] حسن العبيد مدني، عنبر جودة عشرون دستة من البشر(الشركة العالمية للطباعة والنشر، 2008)

[32] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[33] حاج حمد، السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل

[34] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[35] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[36] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[37] Beswick, The Black Hole of Kosti

[38] محمدين، في الذكرى الرابعة والستين لمأساة جودة

[39] Beswick, The Black Hole of Kosti P.66

[40] Beswick, The Black Hole of Kosti

[41] يروي بعض قادة الحراك في وقتها رواية مختلفة، تشير إلى أن عربة الشرطة سيقت عمداً إلى المشروع وتمت مهاجمتها من قوة مسلحة من غير المزارعين، كما لا تذكر شهادتهم وجود شرطي مقتول، راجع: مدني، عنبر جودة وعشرون دستة من البشر.

[42] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[43] Beswick, The Black Hole of Kosti

[44] Beswick, The Black Hole of Kosti

[45] Beswick, The Black Hole of Kosti

[46] عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكالات نظرية

[47] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[48] Beswick, The Black Hole of Kosti

[49] تيسير زراعة الجوع في السودان

[50] Beswick, The Black Hole of Kosti

[51] Taisier Mohamed Ali (1983) The road to Jouda, Review of African Political Economy, 10:26, 4-14, DOI: 10.1080/03056248308703525

[52] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[53] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[54] Niblock, Class and Power in Sudan

[55] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[56] Niblock, Class and Power in Sudan

[57] M. 0. Beshir, Revolution and Nationalism in the Sudan (Rex Collings, London, 1974), p. 141 cited in Niblock, Class and Power in Sudan

[58] Niblock, Class and Power in Sudan

[59] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[60] تيسير، زراعة الجوع في السودان، نقلاً عن  Awad. ‘Sudanese Agriculture”. P.15.

[61] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[62] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[63] فاطمة، البرجوازية السودانية

[64] Niblock, Class and Power in Sudan

[65] Niblock, Class and Power in Sudan

[66] تيسير، زراعة الجوع في السودان

[67] تيسير، زراعة الجوع في السودان ص95

عن المحرر

Scroll to Top