تأليف: إدوار لتواك Edward N. Luttwak
ترجمة: محمد الكامل
مقدمة المترجم:
كتب هذا المقال عام 1999 ونشر في مجلة “Foreign Affairs” الأمريكية المعنية بقضايا السياسة الخارجية. ضجت الأجواء العامة في زمن كتابة المقال بالحروب الدامية في يوغوسلافيا، ورواندا كما يظهر جلياً في أسطره، وطرحت في أوساط العالم الغربي وقتها دعوات عدة للتدخل بأشكال مختلفة حينها. توالت الحروب الدامية بعدها بالطبع، خصوصاً في العالم العربي وأفريقيا. أتت دعوات مختلفة للتدخل في بعضها، وحدث بعضها بسبب دعوات للتدخل، كما العراق.
كما يظهر من عنوانه الصادم، احتج المقال على المحاولات المتكررة للدول الغربية والمؤسسات الدولية ل”إيقاف الحرب” في كل نزاع ينشأ في الدول الأضعف والأقل تأثيراً على السياسة العالمية. ووصفة “إيقاف الحرب” التي يحتج عليها المقال معروفة لدى القارئ السوداني، التائق أيضاً إلى “إيقاف الحرب”: تدخل “المجتمع الدولي” لفرض هدنة، وبعدها وقف إطلاق النار، وإن لم تمض الأمور كما يُبتغى؛ فبعثة مراقبة أو قوات أممية لحفظ السلام، دون تصور واضح لماهية الحل السياسي الذي يمكن أن ينهي المشاكل التي بدأت لأجلها الحرب فعلاً.
يأتي المقال بحجة مفادها أن للحروب مجرًى طبيعياً ينتهي بالسلم وباستقرار الأوضاع إلى ترتيب جديد، قد يكون حسناً أو سيئاً، ولكن الأكيد فيه وفق حجة المقال أنه مستقر ومستدام، على نقيض وقف إطلاق النار المفروض من قبل قوى خارجية دون تسوية حقة، وما يخلف عنه من نزاع متجدد، واستعداد مستمر ل”الحرب القادمة”.
لا شك في أن منطق المقال صادم، ومثير للجدل. وهو جدل نشأ بغيره على امتداد أشهر في المجال العام السوداني منذ مهد الحرب الأول في 15 أبريل. ولكن ما قد يستجد علينا فيه هو النقاش استناداً على حالات ماثلة وعينية، من كوسوفو والبوسنة والكونغو وكمبوديا وغيرهم. يمتد النقاش فيه ليتجاوز النقاش النظري والأخلاقي الوارد في “هل يستقيم أن نوقف حرباً جارية مقابل انتظار حرب جديدة؟” أو “هل يصح أخلاقياً أن نطالب باستمرار حرب جارية حتى ضمان الاستقرار في وضع جديد؟” إلى نقاش عملي، وعيني، وموضوعي من شاكلة “ما الذي يحدث في الهدنة؟” و”هل يستمر وقف إطلاق النار أم أن له نهاية؟” و”هل تحمي بعثات المراقبة وحفظ السلام المدنيين حقاً؟” و”ما المحصلة النهائية لتدخل القوى العظمى عسكرياً؟”. يظهر في هكذا نقاش الشيطان الكامن في التفاصيل، مفارقات الواقع العملي وتناقضته أمام التسليم بالمنطق الصوري الوارد في مضامين المسميات ووعود القوى العظمى.
وفي المقال كذلك منطق لا يستساغ للقارئ العربي، وغيره من شعوب دول الجنوب العالمي، يظهر في النقاش عن القضية الفلسطينية أو “الحرب العربية الإسرائيلية” في لغة المقال، الذي كان كاتبه متطوعاً مع الجانب الإسرائيلي في حرب النكسة، وسمي يوماً “ميكيافيلي ميريلاند”، كما يظهر هذا المنطق في النقاش عن “أمم اللاجئين” والنقد اللاذع لمنظمات الإغاثة الإنسانية، وصورة هذا المنطق الأكثر جلاءً في حياده –البين– التام اتجاه الخير والشر، الحق والظلم، الدفاع والعدوان، و”أسباب التدخل التافهة كاشمئزاز مشاهدي التلفاز من فظائع الحروب”. في هذا المنطق استسلام تام لمنطق الانتخاب الطبيعي: الحل الأمثل لإنهاء الحروب في دعم الطرف الأقوى، كائناً من كان؛ والنهاية المنطقية لأزمة اللاجئين هي دفعهم للشتات حتى النهاية، والتخلي عن أراضيهم وإيجاد وطن جديد، و”منع ضغائنهم من النمو والتجمع”.
تصعب استساغة هذا الحياد بحاله، ويضاف إلى ذلك أن خلفه افتراض ضمني (أو صريح) دائم في الأوساط الأمريكية، خصوصاً أوساط “مثقفي الدفاع” والأكادميين المرتبطين بالمؤسسات والدوائر الأمنية كالتي ينتمي لها كاتب المقال، بأن “الحالة الطبيعية للأشياء” تسير وفقاً للمصلحة الأمريكية. قد يرى القارئ منا ذلك بسهولة بعد أن شهد العدوان على العراق بالأمس، وعلى غزة اليوم بحكم واقعه وموقعه من النظام العالمي. وللمفارقة، لربما يفيدنا نفس المقال في السعي أكثر نحو الدفاع عن مصالحنا، سلماً وحرباً، وذلك بأن نرى الافتراضات الضمنية والمصالح الكامنة خلف الوصفة الأخرى، وصفة “وقف الحرب” و”وقف إطلاق النار”، والتسوية حسب مصالح القوى الكبرى، وحل الأزمة لاحقاً بيد رب العالمين.
النص المترجم
التعجل في صنع السلام
إنّ إحدى الحقائق المُرّة المتغاضى عنها عادة هي أن للحرب، رغم كونها ابتلاءً شديداً، فائدة عظيمة، وهي أنها قادرة على حل النزاعات السياسية وأنها تقود ]في نهاية الأمر[ إلى السلام. يمكن أن يحدث ذلك عندما يرهق كل المتحاربين أو عندما يحظى أحدهم بنصرٍ حاسم. وفي كل الحالات، يظل مربط الفرس هو ضرورة استمرار القتال حتى الوصول إلى ختامه. تأتي الحرب بالسلام فقط بعد تجاوز مرحلة متراكمة من العنف. ولابد أن يختفي الأمل بالنجاح العسكري لكي يصبح التكييف خياراً أكثر جذابية من مواصلة القتال.
ولكن، منذ تأسيس الأمم المتحدة وتكريس مجلس الأمن لصراعات القوى العظمى، ندر أن تمنح صراعات القوى الأصغر فرصة لتأخذ مجراها الطبيعي. وبدلاً من ذلك، أصبحت هذه الصراعات تقاطع في مرحلة مبكرة، قبل أن تستهلك أطرافها أنفسها بما يؤسس للشروط اللازمة لتحقيق تسوية دائمة. أصبحت الهدن وحالات وقف إطلاق النار تفرض بصورة متكررة تحت رعاية مجلس الأمن بغرض إيقاف القتال. يتبع تدخل حلف الناتو في أزمة كوسوفو هذا النمط.
ولكن، يميل وقف إطلاق النار إلى إيقاف الإرهاق والاستنزاف الناتج عن الحرب، ويمنح أطرافها فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم وإعادة تسليح قواتهم. يطيل وقف إطلاق النار الصراع ويفاقمه بمجرد انتهائه – وعادة ما تنتهي حالات وقف إطلاق النار. انطبق ذلك سابقاً على الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1948-1949، والتي كان يمكن أن تنتهي في أسابيع إن لم يمنح أمران أصدرهما مجلس الأمن بوقف إطلاق النار المتحاربين فرصة للتعافي. كما انطبق نفس الأمر حديثاً على البلقان. قاطعت الحالات المفروضة بوقف إطلاق النار القتال بين الصرب والكروات في كرايينا، وبين ما تبقى من الاتحاد اليوغوسلافي والجيش الكرواتي، وبين الصرب والكروات والمسلمين في البوسنة. في كل مرة، استخدم الخصوم حالة التوقف لحشد مزيد من المقاتلين، وتدريبهم، وتجهيز قوات إضافية لمزيد من القتال، مما أطال الحرب ووسع نطاق القتل والتدمير الناتج عنها. في حين قامت الهدن المفروضة –مجدداً في حال لم تتبعها اتفاقيات سلام تم التفاوض عليها– بتجميد الصراع بصورة مصطنعة وإنتاج حالة حرب مستمرة بحمايتها للطرف الأضعف من عواقب رفضه تقديم التنازلات اللازمة للسلام.
قدمت الحرب الباردة تبريراً مشجعاً لممارسة طرفيها لهذا السلوك، إذ قاما أحياناً بالتعاون لإجبار المتحاربين الأقل قوةً على وقف الحرب تجنباً لانزلاقهما في الصراع بما يجعلها يصطدمان ببعضهما البعض مباشرة. على الرغم من أن أوامر وقف إطلاق النار المفروضة أدت في النهاية إلى زيادة أعداد حالات الاحتراب والنزاع بين القوى الأصغر، وأن الهدن أطالت الحروب، فقد كان كلا هذين المخرجين ابتلاءات أقل (من منظور عالمي) من احتمالية نشوب حرب نووية. ولكن اليوم، لا يميل الأمريكيون ولا الروس للتدخل بصورة تنافسية في حروب القوى الأصغر، وبالتالي تبقى العواقف السيئة لمقاطعة الحروب دون وجود شر أكبر ليتم تجنبه. وقد يكون من الأفضل للجميع أن تترك الحروب الصغرى لتستهلك نفسها.
مشاكل بعثات حفظ السلام
تفرض الهدن وحالات وقف إطلاق النار اليوم على القوى العالمية الضعيفة عبر اتفاقيات متعددة الأطراف –ولا يحدث ذلك لتجنب تنافس القوى العظمى وإنما لدوافع غير مكترثة وتافهة في جوهرها مثل اشمئزاز مشاهدي التلفاز من مشاهد الحروب المرعبة التي يرونها– ولكن ذلك، يمكنه أن يمنع تحول الحرب إلى سلام بصورة منظمة. إنّ اتفاقية دايتون مثال نموذجي على هذا النوع من الاتفاقيات، إذ أنها فرضت على البوسنة أن تبقى مقسمة إلى ثلاثة معكسرات مسلحة متعادية، مع توقف القتال بينها مؤقتاً في ظل استمرار حالة العداء إلى أجل غير معروف. ولعدم شعور أي معكسر بتهديد مباشر بالخسارة أو الهزيمة، لم يمتلك أي منهم دافعاً للتفاوض حول تسوية دائمة. ولعدم وجود مسار مرئي للسلام حتى، كانت الأولوية الأساسية للأطراف هي التجهيز للحرب المستقبلية بدل إعادة بناء الاقتصادات المدمرة والمجتمعات المفككة. بالتأكيد لو لم تقاطع الحرب لزادت المعاناة ولنتج مُخرَجٌ غير عادل من منظور أو آخر، ولكن ذلك كان سيؤدي كذلك إلى حالة أكثر استقراراً تجعل حقبة ما بعد الحرب تبدأ فعلاً. إذ يحل السلام فقط عندما تنتهي الحرب فعلاً.
الآن، قررت عدة منظمات متعددة الأطراف أن من شأنها التدخل في حروب الآخرين. والسمة المميزة لهذه الكيانات هي أنها تقحم أنفسها في الحروب مع رفضها التدخل في القتال. وعلى المدى البعيد، يزيد ذلك من الضرر فقط. لو ساعدت الأمم المتحدة الطرف القوي على الانتصار على الطرف الضعيف بصورة أسرع وأكثر حسماً، لساهم ذلك بالفعل في تعزيز قدرة الحرب على صناعة السلام. ولكن الأولوية الأولى لوحدات حفظ السلام التي تبعثها الأمم المتحدة هي أن تتجنب الخسائر بين صفوفها. ولذلك عادة ما يقوم قادة الوحدات باسترضاء الأطراف الأقوى على مستوى محلي، بقبول أوامرها والتماهي مع انتهاكاتها. وليس لهذا الاسترضاء معنى استراتيجي، كما هو الحال لو تم الاصطفاف مع الطرف الأقوى في المجمل، بل يعكس هذا الاسترضاء فقط عزم كل وحدة من وحدات الأمم المتحدة على تجنب الصدام مع أطراف الحرب. والنتيجة النهائية لكل ذلك هي منع نشوء مخرج متماسك عن الحرب، إذ يتطلب نشوء مخرج متماسك تفاوتاً كافياً في موازين القوى لإنهاء القتال.
إنّ بعثات حفظ السلام المترددة في استخدام العنف عاجزة أيضاً عن حماية المدنيين المتواجدين في خضم المعارك أو المستهدفين مباشرة بفعالية. في أفضل الحالات، لعبت قوات حفظ السلام التي تبعثها الأمم المتحدة دور المشاهد السلبي على الفظائع والمجازر، كما حدث في البوسنة ورواندا، وفي أسوئها، انخرطت هذه القوات في هذه الفظائع، كما فعلت القوات الهولندية التي بعثتها الأمم المتحدة حين سقوط سربرنيتسا عندما ساعدت الصرب البوسنيين على فصل الرجال القادرين على القتال من بقية السكان.
يعيق مجرد تواجد قوات الأمم المتحدة، الحل الطبيعي والتلقائي أمام المدنيين المعرضين للخطر، وهو هروبهم من مناطق القتال. ولكن بسبب انخداعهم بأن قوات حفظ السلام ستحميهم، يبقى المدنييون في مناطق النزاع حتى تفوت عليهم فرصة الهروب. تفاعل الاسترضاء مع ادعاء حماية المدنيين بصورة سيئة خلال حصار سراييفو الذي استمر من 1992 وحتى 1994، إذ قام منسوبو الأمم المتحدة بفحص الرحلات المغادرة لسراييفو بغرض منع هروب المدنيين إيفاءً بإتفاق وفق إطلاق نار مع الصرب البوسنيين الذين يشكلون الطرف المهمين محلياً –الذين تجاوزوا الاتفاق باستمرار. لقد كان الخياران الأكثر عقلانية وواقعية أمام المسلمين حيال هذه الحالة هما الهروب من المدينة، أو دفع الصرب خارجها.
لا تمتلك مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأوروبي الغربي، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا القوات والهياكل القيادية البدائية للأمم المتحدة حتى، ولكن تحاول هذه المؤسسات الآن التدخل في الحالات المشابهة للحروب كما تفعل الأمم المتحدة، والنتائج متوقعة. مجردةً من أي قوات قادرة ولو من ناحية نظرية على القتال، تلبي هذه المؤسسات رغبات الدول الأعضاء في التدخل (أو طموحاتها المؤسسية الخاصة) عبر إرسال بعثات “مراقبة” خفيفة التسليح أو بلا تسليح على الإطلاق، ولهذه البعثات نفس مشاكل بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام.. وأكثر.
تستطيع المنظمات العسكرية مثل حلف الناتو، أو قوات حفظ السلام في غرب أفريقيا (ECOMOG، التي عملت مؤخراً في سيرا لييون) إيقاف الحرب. لتدخلات هذه المنظمات نفس العواقب المدمرة لاستمرار الحرب، ولكنها قادرة على الأقل على حماية المدنيين من تبعات استمرار الحرب. ولكن، حتى هذا الخيار يفشل في العادة؛ لأن الهياكل العسكرية متعددة الدول المنخرطة في العادة في تدخلات لا تكترث لها تميل إلى تجنب أي احتمالية للدخول في القتال، مما يحد من فعاليتها. فشلت القوات الأمريكية في البوسنة على سبيل المثال بشكل متكرر في إلقاء القبض على مجرمي حرب معروفين وهم يعبرون نقاط تفتيشها تجنباً للولوج في مواجهة مباشرة.
تواجه الهياكل العسكرية متعددة الدول كذلك صعوبة في ضبط جودة أداء وسلوك قوات الدول المشاركة، مما قد يقلص أداء كل القوات المشاركة إلى أقل حد مشترك بينها. ينطبق ذلك على القوات البريطانية في البوسنة، والتي كانت حسنة الأداء في مواقع أخرى، وعلى القوات البحرية النيجيرية المشاركة في سيرا لييون. يندر أن يلتقط المراقبون الخارجييون ظاهرة تردي القوات العسكرية، ولكنها عواقبها تظهر بجلاء في ركام الضحايا الذين يشهدون هذه التدخلات، وينتهي بهم الأمر قتلى، أو مغتصبين، أو معذبين أو بأعضاء مبتورة. يتضح الوضع الطبيعي للأشياء من خلال النظر إلى استثنائه نادر الحدوث، ككتيبة المدرعات الدينماركية القوية في البوسنة، والتي ردت على كل هجوم بإطلاق النار بقدرتها كاملةً، مما جعلها توقف القتال بسرعة.
أولى حروب "ما بعد البطولية"
نزع تدخل حلف الناتو الحالي في صف كوسوفو ضد صربيا كل الأضواء عن كل الأمثلة السابقة عن الحرب غير المكترثة ومحدوديتها الشديدة. اعتمد التحالف على القوة الجوية فقط بغرض تقليص مخاطر حصول خسائر في صف الناتو، فقصف أهدافاً في صربيا، ومونتينيغرو، وكوسوفو لأسابيع دون أن يخسر طياراً واحداً. أحرز الناتو هذه الحصانة الإعجازية من مضادات الطيران اليوغوسلافية عبر عدة مستويات من الإجراءات الاحترازية. أولاً، رغم كل الضجيج والمشاهد التي تشير إلى حدوث عملية عسكرية واسعة، انطلق القليل فقط من الطلعات الجوية في الأسابيع الأولى بالفعل. قلل ذلك من الخطر الواقع على الطيارين والطائرات ولكنه قلص نطاق القصف الجوي إلى كسرٍ من قدرات الناتو الفعلية. ثانياً، استهدفت الطلعات الجوية أنظمة الدفاع الجوي في المقام الأول، مما قلل من الخسائر في الحاضر والمستقبل مقابل إحراز قدر ضئيل من الدمار في صفوف العدو وفقدان أي قدرة على إحداث صدمة في صفوفه. ثالثاً، تجنب الناتو جُلّ مضادات الطيران عبر إطلاق الذخائر من مسافة شديدة الحذر قدرها 15 ألف قدماً أو أكثر. رابعاً، قيد التحالف عملياته بصورة كبير في الظروف الجوية غير المثالية. واشتكى المسؤولون في الناتو من أن الغيوم الكثيفة تعيق عمليات القصف، وأنها عادة ما تحد العمليات الليلية إلى عدة ضربات باستخدام صواريخ كروز اتجاه أهداف ثابتة ذات مواقع معلومة. وفي الحقيقة، لم تمنع الغيوم القصف –إذ كان من الممكن إجراء هجمات منخفضة الارتفاع بسهولة– ولكن ما منعته الغيوم كان القصف تام الأمان.
على الأرض، بعيداً عن الطائرات المحلقة في أعالي السماء، كانت مجموعات صغيرة من الجنود والشرطيين الصربيين المتواجدين في عربات مدرعة ترهب مئات الآلاف من ألبانيي كوسوفو. امتلك حلف الناتو مقاتلات مصمممة لإيجاد وتدمير هذه العربات. إذ امتلكت كل قوى حلف الناتو طائرات مروحية مضادة للمدرعات، بعضها مجهز ليعمل دون دعم من القاعدة. ولكن لم تعرض أي دولة إرسال هذه الطائرات إلى كوسوفو حين بدأ التطهير العرقي –ففي النهاية، يمكن أن تُسقَط هذه الطائرات. وعندما أرسلت طائرات الأباتشي الأمريكية المتواجدة في ألمانيا أخيراً إلى ألبانيا، ورغم الانفاق المهول الممتد لسنوات لضمان “جاهزيتها” الفورية، احتاجت هذه الطائرات أكثر من ثلاثة أسابيع من “تجهزيات ما قبل الانتشار” لتبدأ رحلتها. عند انقضاء ستة أسابيع على بدء الحرب، لم تنطلق أيٌ من طائرات الأباتشي في رحلتها الأولى، رغم تحطم اثنتين منهم خلال التدريبات. تعدت أسباب هذا التأخير المبالغ فيه مجرد التلكؤ البيروقراطي، إذ أصر الجيش الأمريكي على أن طائرات الأباتشي لا يمكنها أن تعمل بمفردها، وأنها ستحتاج دعم نيران الصواريخ الثقيلة لكبح مضادات الطيران الصربية. خلق ذلك ضغطاً لوجيستياً أكبر مما احتاجته طائرات الأباتشي بمفردها، وتأخراً إضافياً، بدا أنه كان مرحباً به.
وحتى قبل بدء حقبة طائرات الأباتشي، كان لدى الناتو أصلاً مقاتلات منتشرة على القواعد الإيطالية، يمكن استخدامها لأداء نفس المهمة، وهي طائرات A-10 الأمريكية، بسلاحها المضاد للطيران القوي من عيار 30 ملي متراً، وطائرات الملكية البريطانية المثالية في القصف من ارتفاع منخفض وعلى مدى قصير. لم تستعمل أي من هذه الطائرات، وكان السبب مجدداً أن ذلك لا يمكن أن يحدث في درجة تامة من الأمان. في حسابات ديمقراطيات الناتو، لم تبلغ الإمكانية الفورية لحماية آلاف الألبانيين من المجازر، ومئات الآلاف منهم من التهجير قيمة حياة عدة طياريين. وقد يعكس ذلك واقعاً سياسياً لا مناص منه، ولكنه يوضح كيف يمكن لتدخل غير مكترث واسع النطاق أن يفشل في تحقيق أهداف إنسانية بينة. ويجدر بنا أن نتساءل عمّا إن كان حال الكوسوفيين ليكون أفضل إن لم يقم حلف الناتو بأي شيء على الإطلاق.
أمم اللاجئين
أقل التدخلات في الحروب اكتراثاً –وأكثرها تخريباً– هي تدخلات أنشطة الإغاثة الإنسانية. أكبر هذه المؤسسات وأطولها عمراً هي وكالة الأمم المتحدة للإغاثة (UNRWA). بنيت هذه المؤسسة على نموذج سابقتها، وكالة الأمم المتحدة للإغاثة وإعادة التأهيل (UNRRA)، التي أدارت معسكرات النازحين في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة. أنشأت (UNRWA) مباشرة عقب الحرب العربية-الإسرائيلية لعامي 1948-1949 لإطعام، وإسكان، وتعليم، وعلاج اللائجين العرب الذين هربو من المناطق الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية السابقة.
عبر وضعها للاجئيين في ظروف اسبارطية شجعتهم على الهجرة أو إعادة الاستقرار داخلياً، هدأت مخيمات (UNRRA) ضغائن ما بعد الحرب وساعدت على تشتيت التجمعات الانتقامية للجماعات القومية. ولكن مخيمات (UNRWA) في لبنان، وسوريا، والأردن، والضفة الغربية، وقطاع غزة قدمت مستوى معيشة أعلى مما تمتع به أغلب سكان القرى العرب من قبل، إذ وفرت لهم حمية غذائية أكثر تنوعاً، وتعليماً منظماً، ورعاية صحية أفضل، وأعفتهم من العمل الشاق في الحقول الصخرية. وبذلك كان لهذه المعسكرات أثر عكسي، إذ أصبحت منازل مرغوبة بدلاً من أن تكون مخيمات انتقالية تغادر بحماسة. بتشجيع من عدة دول عربية، حولت (UNRWA) المدنيين الهاربين من الحرب إلى لاجئيين مدى الحياة، يلدون أطفالاً لاجئين، يلدون بدورهم أطفالاً لاجئين.
إذن، خلال نصف قرن من عملها، خلقت (UNRWA) أمة دائمة من اللاجئين الفلسطينيين، تحفظ ضغائنها ضمن شروط طازجة كما لو كانت تعيش في عام 1948، وتحفظ ريعان مشاعرها الانتقامية الأول كما هو. بمحض وجودها، تثني (UNRWA) اللاجئين عن الاندماج في مجتمعهم المحلي، كما تثنيهم عن الهجرة. بالإضافة إلى ذلك، سهل حشد الفلسطينيين في مخيمات من انضمام اللاجئيين الشباب الطوعي أو القسري إلى الجماعات المسلحة التي تقاتل كلاً من إسرائيل وبعضها البعض. ساهمت (UNRWA) في نصف قرن من العنف العربي-الإسرائيلي ولا زالت تعيق حلول السلام.
لو اعتنت منظمة شبيهة ب(UNRWA) بكل حرب أوروبية، لامتلأت أوروبا اليوم بمعكسرات عملاقة يقطنها الملايين من نسل القالو-رومانيين، والفاندال، والبرغونيين، والفيسغوث، عوضاً عن أمم اللاجئيين الحديثة مثل ألمان السوديت (الذين نفي ثلاثة ملايين منهم من تشيكوسلوفاكيا عام 1945). أوروبا كهذه كانت ستظل فسيفساء من القبائل المتحاربة، غير المتصالحة والمنعزلة في معسكرات إطعامها الخاصة. لربما أرضت هذه الحالة ضمائر الناس في مساعدة كل مجموعة حين تهجيرها، ولكنها كانت ستؤدي إلى حالة دائمة من العنف وعدم الاستقرار.
ل(UNRWA) أقران آخرون، مثل المعكسرات الكومبودية في حدود تايلاند، التي وفرت ملاذاً آمناً لسفاحي الخمير الحمر. ولكن ولأن الأمم المتحدة مقيدة بالمساهمات الدولية البخيلة، فإن ضرر هذه المخيمات على السلام لا يحظى بنطاق أقل من محلي.
لا ينطبق ذلك على المنظمات غير الحكومية (NGOs) المنتشرة والمتنافسة بشراسة، التي أصبحت تقوم بمساعدة لاجئي الحروب. مثل كل مؤسسة، تهتم المنظمات غير الحكومية باستدامة وجودها، ويعني ذلك أن أولويتها الأولى هي جذب الدعومات الخيرية عبر الظهور في حالات مرئية بشدة. لا تشد الكوارث الطبيعة الأنظار ما لم تبلغ قدراً كبيراً من الحدة، وحتى بعد ذلك، ترحل الكاميرات عنها سريعاً. وذلك على عكس لاجئي الحروب، الذين يستطيعون كسب تغطية صحفية مستدامة ما داموا مجمعين في معسكرات يمكن الوصول إليها بجهد معقول. تندر الحروب بين الدول المتطورة وتوفر هذه الحروب فرصاً قليلة لمثل هذه المنظمات، وبالتالي تقوم هذه المنظمات بتركيز جهودها على مساعدة اللاجئين في أفقر أصقاع العالم. يضمن ذلك أن يكون ما يقدم من طعام، ومأوى، ورعاية صحية أفضل مما يتوفر محلياً لغير اللاجئين – ولو شح في المعايير الغربية. وعواقب ذلك متوقعة بالكلية. ومن بين أمثلته العديدة، تبرز معسكرات اللاجئين الضخمة الواقعة في حدود جمهورية الكونغو الديمقراطية مع رواندا. تحتوي هذه المعكسرات أمة من الهوتو كانت ستشتت بغير هذه المعسكرات، مما يجعل استقرار رواندا مستحيلاً ويوفر قاعدة للمتطرفين ليبدأوا مزيداً من هجمات قتل التوتسي على الحدود. أضعف التدخل الإنساني فرص نهاية التوترات في رواندا بصورة مستقرة وطويلة الأمد.
إنّ المحافظة على تماسك أمم اللاجئين وحفظ ضغائنهم إلى الأبد سيء ما يكفي، ولكن إدخال مساعدات مادية في صراعات جارية أسوأ من ذلك. تقوم العديد من المنظمات غير الحكومية التي تعمل في جو من القداسة بإمداد مقاتلين نشطين روتينياً. لا تستطيع هذه المنظمات وهي عاجزة عن الدفاع عن نفسها أن تبعد المحاربين المسلحين من مواقع إطعامها، وعياداتها، ومآويها. وبما أن اللاجئين في العادة من الجانب الخاسر في الحرب، يكون المتحاربون كذلك في حالة انسحاب في العادة. وحين تدخل المنظمات غير الحكومية بغرض المساعدة، تقوم بإعاقة تقدم الطرف العدو نحو تحقيق نصر حاسم ينهي الحرب بصورة منظمة. وأحياناً تقوم المنظمات في حيادها اتجاه هذا الأمر بمساعدة كلا الطرفين حتى، مما يمنع إنهاكهما المشترك والتسوية التي تنتج عنه. وفي بعض الحالات المتطرفة، كما هو الحال في الصومال، تمنح المنظمات غير الحكومية أجرة للحماية للمجموعات المسلحة المحلية، التي تستخدم هذا التمويل لشراء أسلحة. تساعد هذه المنظمات بالتالي على إطالة أمد الحرب التي تحاول تخفيف آثارها ظاهرياً.
اصنعوا الحرب لتصنعوا السلام
تضحي العديد من الحروب في هذه الأيام صراعات مزمنة لا تنتهي لأن الآثار المحورية لكل من الانتصارات الحاسمة والانهاك تتوقف بسبب التدخل الخارجي. ولكن، على عكس مشكلة الحرب الموجودة منذ الأزل، يبقى تراكم شرور الحرب بسبب التدخلات غير المكترثة ممارسة مختلة حديثة يمكن الحد من أثرها. يجب على النخب السياسة أن تقاوم الرغبة العاطفية للتدخل في حروب الآخرين –ليس لأنها لا تهتم بالمعاناة الإنسانية ولكن بالضبط لأنها تهتم، ولأنها تريد أن تسهل حلول السلام. يجب أن تحاول الولايات المتحدة منع التحالفات متعددة الأطراف بدلاً من قيادتها. يجب أن توضع قواعد جديدة لإغاثة الأمم المتحدة للاجئين لتضمن أن عونها الفوري سيتبع بسلاسة بالتعويضات، أو الامتصاص المحلي أو الهجرة، بما يمنع تأسيس معسكرات لاجئين أبدية. وعلى الرغم من أن تقييد المنظمات غير الحكومية المتدخلة قد يكون مستحيلاً، يجب أن لا تكون هذه المنظمات مشجعة رسمياً ولا ممولة. وراء هذه الإجراءات الفاسدة والسيئة في الظاهر تقدير حقيقي للمفارقات الكامنة في منطق الحرب، والتزام بتركها تلبي وظيفتها المفيدة الوحيدة: أن تأتي بالسلام.
(نشر المقال في صحيفة Foreign Affairs الأمريكية المجلد رقم 78، عدد 4، يوليو/أغسطس 1999
Foreign Affairs; Jul/Aug 1999; 78, 4; ABI/INFORM Global pg. 36
ويمكن الإطلاع على نصه الأصلي لمن أراد من خلال الرابط: