Hiwaratjeel

السياسة الخارجية للسودان

السياسة الخارجية خلال الفترة الانتقالية (2019-2021)

محمد المصطفى : قانوني مقيم في الهند ، مختص في الشؤون الخارجية للسودان 

في يوم 25 ابريل / نيسان 2020 عقد مجلس الامن إجتماعا ناقش فيه طلب السيد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بإرسال بعثة دولية من أجل دعم جهود السلام و الاستقرار السياسي، وتمت الموافقة على ذلك، خرج بعض الناس يتهمون الحكومة الانتقالية في السودان، وأطلق الكثيرون تهمة العمالة على حكومة الفترة الإنتقالية. بينما البعض الآخر يشيد بالتحركات الواسعة للحكومة من جراء تعاملها مع ملف العلاقات الخارجية

كيف ترى موقف السودان الدولي، وماهو تقييمك لشكل العلاقات الخارجية للسودان خلال الفترة الإنتقالية ؟

السودان، بعد أن أنتجت سياساته الأيدلوجية التي أنتهجها في صدر عهد الإنقاذ، في بداية التسعينيات، عزلته الدولية؛ بات ينتهج سياسة التودد لمراكز القوى الإقليمية و الدولية للخروج منها. بل و السعي لكسر العزلة كان هو الإستراتيجية المحركة. والأساس الذي تنطلق منه كل التحالفات. حتى أن في سنين النظام الاخيرة، أطلق جمال خاشقجي على عمر البشير إسم “ملك التوازنات”.

بعد الثورة، مازالت السياسة نفسها. السودان مازال يتودد لواشنطن، و مازالت تحركاته الدولية وتحالفاته، وحتى توجهه للتطبيع مع إسرائيل الغاية منه التودد لواشنطن.

– ماهو تعليقك على الخطوة التي قام بها برهان بخصوص مقابلته لرئيس الوزراء الإسرائيلي ؟

الخطوة تفهم ضمن محاولات السودان في كسر عزلته الدولية. و تفهم كذلك كخطوة يحاول فيها السودان التودد لواشنطن.

هناك فرضية إقتنعت بها الطبقة السياسية السودانية أجمع، وهي : “الطريق إلى واشنطن قد يمر بتل أبيب”، و يمكن استنباط ذلك من ردود فعل مختلف القوى السياسية الأبرز ضمن تحالف قوى الحرية والتغيير على مقابلة نتنياهو للبرهان. فهي احتجت على التوقيت وحساسيته؛ لكون الشارع السوداني معبأً. وأيضاً لم ترد أن تدفع ضريبة التطبيع السياسية، والتي قد تؤثِّر على علاقتها بالقواعد. لكنها إكتفت “بالنقد الناعم” للقاء البرهان.

أما بالنسبة لنتنياهو، فهناك ملفات في الداخل يجب أخذها بعين الإعتبار؛ فمنذ أن أعلن نتنياهو عن زيارته لعنتيبي-يوغندا، علقت الصحفية الإسرائيلية المستقلة، مئيراف تزونتزاين، قائلةً ” إذاً قبل أن يخسر جولة إنتخابات أخرى، عليه أن يضمن ضم أراضي الضفة الغربية، و ترحيل المهاجرين الأفارقة ليوغندا”. ترحيل المهاجرين أفارقة كان قضية ملحة في إسرائيل، و بالنسبة للمطالب الفئوية Sectorial، التي تتبناها أحزاب اليمين و تتملق بها قواعدها؛ هي القضايا التي أثارت الجدل مؤخراً. فقبل عامين، تمكنت منظمات المجتمع المدني الإسرائيلية من إيقاف برنامج نتنياهو ووزير داخليته السابق، غيدعون سار، لترحيل المهاجرين الأفارقة ليوغندا و رواندا. و قد يبحث نتنياهو عن دولة تتعاون معه في هذا الملف، و السودان تأوي آلاف اللاجئين السودانيين.

وهناك قضية أخرى، وهي الثقل الإستخباراتي الإسرائيلي في شرق افريقيا. وهنا تتقاطع مصالح الموساد. فالمؤسسة الأمنية ساعية لأن تكون قريبة من مجريات/يوميات الحرب الليبية، و قد تنقل مركز ثقلها من جنوب السودان غير المستقر سياسياً للشمال، الأكثر إستقراراً نسبياً، وفقاً لما قاله دكتور صالح النعامي.

و على مستوى أوسع، الزيارة تأتي ضمن الStatecraft الجديد للمنطقة، و إعادة تشكيل النظام الاقليمي الجديد؛ الساعي لتصفية القضية الفلسطينية، أو فرض شكل جديد من أشكال التسوية مع إسرائيل من (سلام مقابل الارض ل سلام مقابل السلام). وبالنسبة للسودان، ووضعه، هناك ورقة ضغط قوية تلعب لإستيعابه ضمن هذا النسق، وهي وجوده في قائمة الدول الراعية للأرهاب.

السودان وضع كل البيض في سلة واحدة و ذهب لنتنياهو، والذي حصل على مكسب بمجرد مقابلته للبرهان عندما فتح المجال الجوي السوداني للملاحة الإسرائيلية. بينما السودان ملفه مازال في الدرج الأميريكي.

كذلك، يخطئ المحللون الذين دافعوا عن هذه الخطوة، من قبل البرهان، من نفس المنطلق —أنها خطوة للتودد لواشنطن. ومما يثير العجب، أن هناك خبراء سودانيون، كالنور حمد، يعتقدون أن إسرائيل تضع السياسة الأمريكية في المنطقة، وهذا ينم عن عدم إستيعاب شديد لكيفية صناعة القرار الامريكي، من قبل النخب السودانية. وهذه إشكالية أشار اليها باحث مركز أتلانتيك كاونسيل، كاميرون هدسون، سابقاً.

ومن يدري، ربما كانت مناورة سياسية من نتنياهو؛ للكسب السياسي، قبيل الإنتخابات!

وبالنسبة للسودان، بهذه الخطوة، خسرت الثورة جزءاً من القوة الناعمة التي كسبتها إقليمياً. ومن ناحية، قدم تنازلاً عن موقفه تجاه القضية الفلسطينية، دون تحقيق مكاسب كبيرة من نتنياهو.

مازال الشارع السوداني رافضاً للتطبيع، و مستقبلاً، ومع كل تقارب مع إسرائيل، سيجد صانع القرار السوداني هذا كأول عقبة امامه. وهذا محمود جداً، فهي قضية عالمثالثية مركزية، كذلك هي قضية مازالت ذات ثقل ومركزية عربياً و إسلامياً.

– ملف العلاقات الأمريكية السودانية ، هل تراه سيبصر النور قريبا ؟

سؤال “متى؟” جوابه عند طرف واحد، وهو واشنطن. وبالنسبة لواشنطن، مطالبها تجاه السودان هي التسوية مع ضحايا أحداث المدمرة كول، و تفجيري دار السلام و نيروبي.

فالموقف الأميريكي كان متلكئاً تجاه دعم التحول السياسي، أو دعم قوى سياسية تدفع بإتجاه الدمقرطة. ففي تقرير للصحفي الأميريكي، جستن لينش، في صحفية ذا ديلي بيست الاميريكية، كان قد كشف ميول الدبلماسية الأمريكية، في الخرطوم؛ للموقف الداعم للوضع القائم، أي الأمننة. وكان هذا موقف كبير الدبلماسيين الأميريكيين في الخرطوم، ستيفن كوتسيس. والذي عبر عن “تعاطفه” مع الموقفين الإماراتي-السعودي، الداعم للمجلس العسكري وقتها. وفرض الإستقرار للنظام الإقليمي، أي إبقاء الوضع على ماهو عليه، وإن عنا ذلك القبول بمزيد من أمننة السياسة في السودان.

هناك تقدم يحرزه السودان في هذا الملف، و كان قد بدأ حتى قبل سقوط النظام، والذي أبدت واشنطن إستعداداً لإدماجه مرة أخرى في فلكها. ولم تتعطل جولات مفاوضات تطبيع العلاقات إلا بعد إنقلاب المجلس العسكري، و توجسه من تسليم السلطة. و بالنسبة لقضية المدمرة كول، توصل السودان مع واشنطن لتسوية. كذلك أعلنت واشنطن أنها سترسل سفيراً للسودان.

الملف يسير بشكل جيد. لكن، وجب التنبه لأن النخب تبالغ لحد حد كبير في تصويرها للشارع السوداني نتائج ازالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

 

– ماهي أهم العقبات التي ستواجه الحكومة الإنتقالية في إتجاه تحسين وضعها في المؤسسات الدولية ؟ وهل ترى هذا مهما الآن؟

العقبة الأولى و الأخيرة هي مدى التقارب مع واشنطن من عدمه. لكن، هذه الخطوة الأولى، وهناك عقبة ثانية، الا وهي التعامل مع المؤسسات و الجهات المانحة. فالسودان غير مؤهل لبعض المساعدات والقروض التمويلية، بحكم تراكم الفوائد التأخيرية. و قد إلتزم السودان بتسديد مبلغ ١.٥ مليار دولار من المتأخرات، في إتفاق مع البنك الدولي، قبل الدخول في مفاوضات مبادرات الإعفاء من الديون.

تتم عملية إستيعاب السودان ضمن المؤسسات الدولية، وبشكل تدريجي حالياً. لكن، العامل الأهم، والذي يحكم سرعة وتيرة الإدماج من عدمها، كما ذكرت، هو مدى دعم واشنطن لذلك من عدمه.

هل تمثل العلاقات الدولية والتعقيدات التي تحتويها عائق أمام المساعدات الإقتصادية ؟

بالطبع، الجيوبوليتيك هو فوق كل شيء. وبالإمكان الإعتماد على نموذج الجارة مصر، فمنذ نجاح إنقلاب السيسي، لوحظ توسل النظام الشديد للمساعدات من القوى الإقليمية، والتي قدمتها له. لاحقاً، حصل النظام المصري على قرضٍ بقيمة ١٢ مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وهو في طريقه لتوسل قرض تمويلي آخر، عاجل، من نفس المؤسسة. كذلك، هناك رضى عام من واشنطن على النظام.

كذلك سيكون الوضع بالنسبة للسودان. فما سيحكم وصول المساعدات له هو الدور الدي سيلعبه، و مدى حفظه لمصالح لاعبين إقليميين كان لهم دور كبير في التحول السياسي الجاري.

ولا ننسى، أن ٣٦٪؜ بالمئة من الدين الخارجي السوداني هي ديون لنادي باريس. لذلك، العلاقة مع الدول الأوروبية مهمة. كذلك، الدول الأوروبية هي من الفاعلين الأكثر تحركاً في التحالف الدولي “اصدقاء السودان”.

– ماهي أهم السمات الأساسية التي يجب توافرها في شكل العلاقات الخارجية السودانية خلال الفترة الإنتقالية ؟

أهم السمات الأساسية هي “أن تكون عبر المؤسسية”، أو لا تكون أحادية الجانب؛ اي تتعامل مع مؤسسات أو مسؤولين بعينهم. فمن الأخطاء التي إرتكبها صلاح قوش سابقاً، هي اعتقاده أن مصالحه مع الإستخبارات الأميريكية هي مستدامة-أنظر مقال جستن لينش في ذا ديلي بسست-. كذلك، تخطئ النخبة السودانية بإعتقادها أن البعد الأهم هو الإنفاق على اللوبيات، أو كسب عطف بيروقراطيين.

وبالعودة لأزمة المؤسسية، فلا يبدو أن التحول السياسي الحالي سيعالجها؛ فمقابلة البرهان بنتنياهو، على سبيل المثال، كانت خارج ذلك الإطار، ولم تكن وزارة الخارجية على علم بتلك الزيارة. و هي تعيد على ذاكرتنا كيفية إدارة النظام السابق لهذا الملف. فالعقيد طه، هو رجل البشير في الخليج. و العلاقة التركية و ملف سد النهضة (اثيوبيا + مصر)، هو بيد جهاز الأمن والمخابرات، وتحديداً عوض الجاز. و صلاح قوش كان رجل واشنطن، وتحديداً الإستخبارات الاميريكية.

فقط عبر المؤسسية يمكن تحقيق ديمومة العلاقات الإستراتيجية. كذلك، فقط عبر المؤسسية، يمكن ربط ملف العلاقات الخارجية بتقاطعات المصالح الإقتصادية، الأمنية، و السياسية

عن المحرر

Scroll to Top