Hiwaratjeel

قضايا الخدمة المدنية

قضايا الخدمة المدنية - مفصولي الصالح العام

أحمد يوسف : باحث في سياسات الطاقة 

تهاني معلا: مرشح ماجستير في الإدارة العامة بجامعة هارفارد كينيدي

 

ما أثر السياسة على مهنية مؤسسات الخدمة العامة؟ وكيف يمكن بناء خدمة مدنية مهنية وفاعلة؟

فلنبدأ بتحديد ماذا نُريد كسودانيين من الخدمة المدنية، ببساطة نتمنى مؤسسات خدمة مدنية فاعلة في تقديم الخدمات وتحقيق التنمية، بمعنى أن أي مواطن يود أن يؤدي معاملاته بسهولة، سرعة وجودة، وبدون الحاجة إلى رشوة أو وساطة وكذلك يحتاج المواطن السوداني في كل مناطق السودان إلى أن تساهم الخدمة المدنية في أن يعيش الحياة التي يُريد (التنمية)، فمثلاً مواطن من الرّحل في دارفور أو البحر الأحمر يحتاج إلى مؤسسات عامة توفر لأبنائه تعليم جيد، وكذا المواطن في النيل الأبيض أو كردفان قد يحتاج أن توفر له الدولة الماء دون أن تسير ابنته عدد من الكيلومترات للحصول على الماء، مواطن آخر في الشمالية قد يتمنى أن توفر له الدولة امداد كهرباء يمكنه من زراعة أراضيه دون اللجوء لشراء وقود من السوق الموازي.

كل إنسان سوداني لديه مطالب تنموية أو حياة يتمنى أن يعيشها فيجب أن تساهم الخدمة العامة في أن يعيش هذا المواطن الحياة التي يريد. طبعاً قد تُحقق المؤسسات العامة بعض هذه المطالب عبر شراكات مع القطاع الخاص أو عبر القطاع الخاص لكن المهم أن يعيش الإنسان السوداني الحياة التي يريد.

الخدمة المدنية بشكلها الحالي غير فاعلة في تقديم الخدمات وفي تحقيق التنمية ولا تلبي تطلعات المواطن.

يمكن القول بأن الخدمة المدنية في السودان كانت ذات فعالية أعلى في بدايات الدولة السودانية بُعيد الاستقلال، بحيث أنها كانت ذات كفاءة وفعالية في تقديم الخدمات، وفي إدارة المشاريع. في الفترات المختلفة من الحكم الوطني، تراكمت ممارسات ارتبطت بالتعيين بناءً على معايير غير الجدارة والكفاءة وبآليات اتخاذ القرار ساهمت في تدهور الخدمة المدنية. فالتعيين تأثر بالقبيلة، الجهوية، القرابة والانتماء السياسي، والقرار المهني في المؤسسات تأثر بالتفضيلات السياسية أو بالفساد.

هذه الحالة أنتجت مؤسسات غير مهنية؛ بمعنى أن اتخاذ القرار في مؤسسات الخدمة العامة لا يتم وفق معايير مهنية، مثلاً: في قطاع الكهرباء تحديد كيفية إنتاج الكهرباء، تأثر بصورة كبيرة بتفضيلات وزير الكهرباء – في سنوات الإنقاذ الأخيرة على الأقل – ولم يتأثر بدراسات أو قرارات مهنية، كذا تعيين الموظفين ظل يخضع لمعايير سياسية وأمنية حزبية، وليس على معايير الجدارة. اختيار وتعيين الموظفين بمعزل عن معايير الجدارة، واتخاذ القرار بناءً على معايير غير مهنية أدى إلى خلق ثقافة مؤسسية في القطاع العام تدعم وتعيد انتاج حالة اللامنهجية بحيث أن السلوك غير المهني أصبح هو السلوك الطبيعي لموظف الخدمة العامة والموظف المهني أو الموظف صاحب السلوك المهني هو حالة فردية، وكذلك تحولت هذه المؤسسات إلى مؤسسات لا تستقطب الأشخاص الأكفاء، وليست فاعلة في تقديم الخدمات أو في إحداث التنمية.

لابد أن أشير هنا إلى أن هذه المؤسسة غير مهنية قد تكون نتاج ممارسات فردية (أو جماعية) وليست نتاج قوانين ولوائح بمعنى أن المؤسسة غير رسمية أدت إلى تكون ثقافة غير مهنية على الرغم من أن القوانين واللوائح قد تنص على ضرورة التزام بالمعايير المهنية.

لدينا الآن مؤسسات خدمة مدنية غير مهنية لذلك هي غير قادرة على تقديم الخدمات وعلى الاسهام في التنمية بصورة فاعلة. استعادة مهنية هذه المؤسسات يبدأ بتعيين موظفين بمعايير مهنية وتفعيل آليات اتخاذ القرار المهنية، ولكن هذا لا يكفي لأن ثقافة المؤسسة في مؤسسات الخدمة العامة المتكونة عبر الزمن لا تدعم فعالية هذه المؤسسات. لذلك بالإضافة لضمان تعيين موظفي الخدمة العامة بناء على معايير الجدارة، وتفعيل آليات اتخاذ القرار بصورة مهنية مؤسسية، وتفعيل الرقابة والشفافية نحتاج إلى استراتيجيات تضمن خلق ثقافة مؤسسية مهنية.

هذه الاستراتيجيات قد تتضمن رفع وعي الموظفين بأهمية دور مؤسسات الخدمة العامة وتكوين ولاء لها، تحفيز الموظفين على العمل بمهنية وعلى التواصل مع المواطنين والاستفادة من آرائهم، وقد تتضمن جذب الكفاءات وغيرها بناء على دراسات تشرك الموظفين بمختلف درجاتهم الوظيفية والمستفيدين وغيرهم من أصحاب المصلحة لكل مؤسسة؛ فمشكلات مؤسسات التعليم قد تختلف في تفصيلها عن مشكلات وزارة الداخلية.

من جانب آخر، نجد أن المؤسسات غير المهنية أدت إلى حدوث حالة عدم تساوي في فرص توظيف المواطنين لأن معايير التوظيف والاختيار غير مهنية وقائمة على معايير مثل الواسطة، الانتماء السياسي أو القبيلة. وعدم التساوي في الفرص جزء من العوامل المؤدية للإحساس بتهميش الدولة من قبل بعض السودانيين وهو بدوره سبب من أسباب الحرب. لذلك، استعادة حالة المهنية لمؤسسات الخدمة العامة السودانية يمكن أن يساهم في تقليل حالة عدم المساواة في الفرص، وشعور التهميش على المدى البعيد مع سياسات أخرى.

يجب أن أوضح هنا أن التعيين في بعض وظائف القطاع العام قد يخضع لمعايير سياسية، والتعيين لوظائف أخرى قد يكون وفق معايير مهنية ولكن دون أن تخضع للمنافسة العامة، باعتبار أن هناك بعض الوظائف قد تتطلب جوانب أخرى غير الخبرة، المؤهلات أو مستوى التعليم. ما يجب أن يتم هو تحديد الوظائف (أو الدرجات الوظيفية) التي ستخضع لمعايير سياسية، والوظائف غير الخاضعة للمنافسة العامة والوظائف التي ستخضع للمنافسة العامة بناءً على منهجية مضبوطة ويعلن كل ذلك بشفافية مع تحديد آليات التعيين لكل الوظائف بحيث لا يحدث خلط بين ما هو سياسي وما هو مهني، وبين التعيين الذي يتم بصورة صحيحة والذي يتم بصورة غير مؤسسية.

إصلاح مؤسسات الخدمة العامة بحيث تكون مهنية وفاعلة في تقديم الخدمات، يمكن أن يبدأ بأن يتولى جسم منفصل وذا درجة عالية من المهنية والاستقلالية عملية الإصلاح، يمكن أن تكون مفوضية إصلاح الخدمة العامة تتبع لرئيس الوزراء مباشرة أو وزارة لإصلاح الخدمة العامة أو مجلس أعلى لإصلاح الخدمة العامة، المهم أن يكون جسم ذا استقلالية، صلاحيات عالية ودرجة عالية من المهنية، يشرف هذا الجسم على إصلاحات في الخدمة العامة مثل الإشراف على تحديد معايير وآليات التوظيف، التأكد من أن تعيين موظفي الخدمة العامة يتم بناء على معايير مهنية عالية ووفق الآليات المحددة، تحفيز الموظفين، يشرف مع مؤسسات الخدمة العامة على إصلاح المؤسسات وثقافتها بحيث تدعم مهنية اتخاذ القرار، الكفاءة، الشفافية، مكافحة الفساد وأن تكون ذات قدرة على التواصل مع المواطن والاستفادة من آرائه.

من جانب آخر يجب أن تتم هيكلة مؤسسات الخدمة العامة بما يتوافق مع أولويات الحكومة، سياساتها التنموية ومع عملية بناء السلام، بحيث أنه إذا كانت أولويات الحكومة هي تنمية مناطق الإنتاج لا يُعقل أن تتركز مؤسسات الخدمة العامة، وموظفي تقديم الخدمات والموظفين ذوي الكفاءة الأعلى في مناطق الاستهلاك، وإذا كانت أولوية الحكومة تحسين التعليم العام لا يمكن أن تكون ظروف العمل والتعلّم في مجال التعليم غير جاذبة وغير محفزة لذوي الجدارة.

من جانب آخر، أظن أنه يجب أن ترتبط عملية إصلاح مؤسسات الخدمة العامة والقطاع العام السوداني بمؤسسة أكاديمية وطنية تبحث بصورة مستمرة في تحسين القطاع العام بما يتوافق مع السياق السوداني وأولويات السودانيين.

أضيف ختاماً، أن المواطن والمجتمع المدني والإعلام لهم دور في الضغط والرقابة على عملية إصلاح الخدمة المدنية، والمواطن هو صاحب المصلحة المباشرة في إصلاح الخدمة المدنية، حيث أن إصلاح الخدمة المدنية يسهم في التنمية وفي الحصول على خدمات أفضل.

 

عن المحرر

Scroll to Top