Hiwaratjeel

التعليم

حول التعليم

أحمد عبد السلام: خريج معهد الدوحة للدراسات العليا – برنامج السياسات العامة 

لا يختلف الناس مهما كانت مرجعياتهم على أن التعليم هو مفتاح انتقال المجتمعات من حالة التخلف الاقتصادي و الاجتماعي إلى آفاق المعاصرة و التنمية و هو الأمر الذي أثبتته التجارب في عديد من الدول التي استطاعت التخلص من مشكلة الجهل.

وحسب معلوماتٍ نُشرت في العام 2007 فإن نسبة الأمية في السودان تبلغ 50% بين النساء و30% بين الرجال. وبحسب تقرير للبنك الدولي صدر في 2016 فإن الأطفال في جميع أنحاء السودان يواجهون صعوبات جمة عندما يتعلق الأمر بالحصول على التعليم الرسمي، ونتيجة لذلك بات أكثر من 40% من الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين 5 و13 عاماً بدون تعليم.

نتمنى أن نستطيع تسليط الضوء إلى مشكلات التعليم الكبيرة في السودان و محاولة خلق مساهمة مجتمعية في طريق التخلص من مشكلة الجهل

تعاني العملية التعليمية في السودان من مشكلات عديدة أبرزها وجود عدد كبير من الأطفال في سن الدراسة خارج المدارس، و على الرغم من أن الدستور السابق لجمهورية السودان كان ينص على أن الدولة تكفل مجانية التعليم و الزاميته في مرحلة الأساس إلا أن الإحصائيات تؤكد على ارتفاع نسب الأمية في السودان، الذي من أسبابه تدهور التعليم الحكومي بسبب ضعف التمويل خاصة في الأرياف و الأطراف و ازدياد المدارس الخاصة التي يصعب على أغلبية المواطنين الحاق أبناءهم بها، مما أدى إلى ظهور ثنائيةQuality vs Quantity فهل يوجد حلول في المدى القريب لهذه الإشكالية؟

في البداية من المهم الإشارة إلى أن الثنائية تُمثل مُشكلة السودان أجمع وليست مُشكلة مناطق بعينها، فمعظم المناطق في الهامش هي مناطق ليس بها تعليم على الإطلاق (بالإضافة للبدو الرحل بكل تأكيد) وبالتالي لا وجود للثنائية فيها حتى. وقبل أن أشرع في الحلول دعني أذكر بأهمية قضية “التعليم للجميع” واعتباره حقاً مكفولاً لكل فرد ومن ثم لاحقاً تأتي الثنائية في صراع بين “الكم والنوع”.

ثانياً لقد ذكرتَ أن من أسباب تدهور التعليم الحكومي ضعف التمويل وهي حقيقة بكل تأكيد فالسودان يُعد من الدول الأقل إنفاقاً على التعليم فقد بلغ إنفاق الدولة على التعليم نسبة 10.78% (من الإنفاق الحكومي) في العام 2009 ولم يتجاوز إنفاق السودان على التعليم (من الناتج المحلي) نسبة ال 1% في العام 2010، إلا أنه -وبالضرورة- يجب الإشارة إلى أن المشكلة الحقيقية (في نظري) تكمن في عدم استغلال التمويل الحالي حتى وضياعه بسبب سوء الإدارة والفساد وانعدام الشفافية من المؤسسات التعليمية حيث أنه بتعبير الوزير الأسبق لوزارة التربية والتعليم: أكثر من 70% من ميزانية التعليم في السودان تخصص للرواتب والأجور وما يمكن صرفه على البنى التحتية والمعينات التعليمية والأنشطة غير الصفية لا يستحق الذكر.

ما أراهُ أن الدولة تواجُهُ في الوقت الحالي مشاكل أكبر من هذه الثنائية والتي تكمن في استغلال الموارد الحالية وإدارتها إدارة فعالة تُمكنها من توفير التعليم لكل فرد داخلها مع الحرص على الشفافية في كل ما تتخذه الدولة من قرارات، يأتي بعد ذلك زيادة الإنفاق على التعليم تدريجيا حِرصاً على زيادة الجودة”النوع” أو المدارس “الكم”. وقبل هذا وذاك يجب أن تتملك الدولة رؤية واضحة عن الوضع الحالي للتعليم في جميع المناطق مع تصور شامل لما يجب عمله وتوفيره في كل منطقة ومن ثم أن تضع في الإعتبار رؤية إستراتجية شاملة بناء على ما جمعته من بيانات.

فيما يخُص القطاع الخاص فقد تحول لمؤسسة تجني الأرباح دون فروقات واضحة في المناهج أو جودتها أو أي مُحاولة من المؤسسات الخاصة لإخراج طلابها في شكل مميز، وبالتالي صار كالقطاع العام تماماً وما يميزه عنه فقط المبالغ الطائلة وجودة تدريب الأساتذة وبيئة أفضل، وذاك يرجع إلى عدم وجود سياسات واضحة من قبل الدولة تخُص القطاع الخاص، حتى أن الدولة لا تملكُ رؤية من وراء وجود القطاع الخاص في التعليم ولا تسعى إلى تكوينها حتى وما يهمها الضرائب التي ستجمعها من المدارس والمؤسسات الخاصة دون أهمية لما ستنتجه هذه المؤسسات لذا نحنُ نشهدُ سنوياً العديد من المدارس الخاصة التي يتم إنشائها كنسخة من غيرها، وبكل تأكيد نحنُ لا ننسى أن التعليم الخاص يتركز فقط في الخرطوم (ومدني وبورتسودان بنسب قليلة).

أسهمت عوامل الفقر المستشري، و الحروب المشتعلة في أنحاء واسعة من البلاد، و غياب الوعي بأهمية التعليم في ضعف تعليم الأطفال في السودان، حيث يرى بعض الخبراء ضرورة خلق وعي الاستثمار في الأبناء و النظرة المستقبلية بين الأسر الفقيرة كربط بين حل مشكلة الفقر و التعليم، و لكن يقابل هذا الرأي أنه لابد من حل مشكلة الفقر أولاً ، فما هو الرأي الأجدى في هذا الجانب؟

يُذكرني هذا السؤال بسؤال البيضة والدجاجة. أيهما يأتي أولاً؟ فبالتأكيد لو أن الدولة استثمرت في التعليم فإنها تُساعد على القضاء على الفقر وعدم العدالة المجتمعية، وفي المُقابل لو سعت الدولة على القضاء على مُشكلة الفقر لعنى ذلك التحاقُ الناس بالتعليم،فالنظرتين صحيحتين اعتماداً على ما هي غايتُنا في الوقت الحالي وفي المُستقبل، حيثُ أنه لا تجب مُحاباة الوقت الحالي على المُستقبل ومُحاولة التوازن بينهما.

في رأيي ما سيفيدُ السودان في الوقت الحالي كما ذكرتُ إنتشار التعليم في جميع المناطق وحرص الدولة أن يكون مجانياً لجميع أفرادها والأهم أن تتأكد من مقدرتهم على الالتحاق بالتعليم وذلك بتوفير أقل متطلبات يحتاجها الطلاب لمواصلة تعليمه. حيثُ أنه لا يجب الفصل بين القضيتين فنحنُ نرغب في تلقي الطلاب لتعليمهم للقضاء -مستقبلاً- على الفقر في مناطقهم ولكن ذلك يعني بالضرورة أن يتمكن الطالب من مواجهة العوز الحالي وأن تتوفر له ولأسرته أقل الاحتياجات التي تمكنه من حضور الحصص بإنتظام علماً بأن العديد من الأسر تعتمُد اعتماداً أساسياً على أطفالها في مساعدتهم على العيش، وذاك ما يجعلُ الأمر أكثر تعقيداً فالأجدى إذن نسب من هذا وذاك مع تكامل القضيتين.

يعد أطفال البدو و من يعيشون في مناطق تمزقها الحروب و الفتيات هم أكثر الفئات تعرضاً لخطر الإقصاء من العملية التعليمية، فكيف يمكن معالجة الضرر الناتج من هذا الإقصاء؟ و ما هي الخطوات الواجب اتخاذها لزيادة فرص التحاقهم بالمدارس؟

الحديثُ عن البدو حديث يطولُ وقبل الخوض فيه يجب التذكر أن البدو أنفسهم فئات فمنهم البدو في المناطق الريفية المستقرة وهؤلاء هم النسبة الأكبر. ومنهم البدو الرحل الذين لم تتمكن الدولة إلى الآن من توفير أي نوع من أنواع التعليم أو الخدمات لهم وهؤلاء موجودين في الشرق والغرب، والفئة الأخيرة هم الذين عاشو ويلات الحرب سواء كانو بدواً رحلاً أم مقيمين وعادة نجدُهُم في مناطق المخيمات التي انتشرت في دارفور.
كلُ هؤلاء يتطلب نوعاً خاصاً ومُختلفاً من التعليم فالفئة الأخيرة على سبيل المثال يجب أن يكون تعليمها بالإضافة للمناهج الأساسية مُحتويا على مناهج خاصة ب”تعليم النزاعات ومناطق ما بعد الحروب” حتى تضمن الدولة أن التعليم سيساهم في عدم عودة النزاعات لهذه المناطق، وعلى الدولة (بالإضافة للمنظمات المحلية والدولية) أن تراعي كل فئة على حدة وبكل تأكيد فإن البداية تكون كما سبق الذكر بتوفير التعليم المناسب لهؤلاء الأطفال والحرص التام على توفر احتياجات الطالب وأسرته الأساسية ليتمكن الطالب من حضور تعليمه بإنتظام.

ذاك يتطلب بالتأكيد جهداً مضاعفاً من قبل الدولة فالإنفاق يجب ألا يكون بالتساوي بين كل الولايات وإنما على اعتماداً على الولاية وحاجتها لضمان التنمية المتوازنة في جميع المناطق والحرص على عدالة التنمية في المقام الأول، ليس ذلك وحسب فإن على الدولة (بالتعاون مع الإدارات الأهلية والحكومات المحلية) الشروع في إيجاد مصادر مالية بديلة تستطيع أن تدعم بها برامجها ومشاريعها التنموية (هذه السياسات لا تنفصل عن الوضع السياسي بكل تأكيد.

النظام التعليمي في السودان كما يعلم الناس أنه نظام مركزي تُوضع فيه السياسات والقرارات في العاصمة الخرطوم ويتم تطبيقها داخل الولايات أي أن التنفيذ فقط هو اللامركزي إلى حد ما فهل يجب تحويل النظام إلى اللامركزية الكامل وترك كل ولاية تضع سياساتها وقوانينها ومراعاة كل ولاية لسياقها الخاص إنطلاقاً من النظرة التي تقول أنهم هم أدرى بأحوالهم أكثر من غيرهم وخاصة في جانب الوظائف وعلى ماذا يجب ان تركز في تعليمها نظامياً او فنياً (مع مراعاة المعايير الأساسية والاستفادة من فكرة النظام التعليمي العالمي) ؟

إنني بكل تأكيد أميلُ لتطبيق اللامركزية لأنها تعني التخصصية ومراعاة كل ولاية لسياقاتها الخاصة وبالتالي المزيد من التركيز على وضع سياسات مُناسبة لها تلائم وضعها، فعلى سبيل المثال: تُواجه بعض الولايات مشكلة أن بعضاً من سكانها يتنقلون بحثا عن المرعى ولا تملك الدولة إلى الآن نظاماً تعليمياً أو خدمات تعليمية تستطيع تقديمها إلى هؤلاء، وإنني أدعي هنا أن بإستطاعة الولاية وضع سياسات تلائم هؤلاء الطبقة أكثر من سياسات السلطة المركزية خاصة أن العرب الرُحل تختلف خصائصهم وأحوالهم من منطقة إلى منطقة.
ما يجعلني أفكرُ ملياً في هذا الخيار سؤال ” هل الولايات جاهزة لهذه الخطوة؟” ولا أعتقدُ هذا بكل تأكيد، فاللامركزية تحتاجُ موارد مادية أكثر وتحتاجُ من الولايات أن تكون بها مؤسسات قوية تتفاعل مع مختلف الظروف ففي حين أن نسبة الأمية في الولايات تزيد يوماً بعد يوم ونسبة مقدرة من العاملين بالمؤسسات والوزارات التعليمية لا يملكون شهادات جامعية حتى مما يجعل الوضع حرجاً مُعقداً لا تستطيع الولايات بشكلها الحالي عمل شيء تجاهه، بالإضافة إلى أن محاولة تحويل السلطة إلى لا مركزية ستتم معارضته من قبل جماعات الضغط الذين سيفقدون الكثير من سلطاتهم.

وما أراه أن تواصل الدولة في نظامها المركزي في الوقت الحالي على أن تبدأ في التحول التدريجي للنظام المركزي، ومع مراعاة السؤال المطروح والذي يقول: “هل تعني اللامركزية في التعليم لا مركزية في جميع المجالات والتخصصات الأخرى؟” لأن الإجابة عليه تستطيع تحديد آلية العمل المُستقبلية للدولة ككل ومن ثم الإنتقال من ال Top-Down Design إلى ال Bottom-Up Design. مما سيساهم في رسم خارطة مُختلفة للسودان عن السودان الذي نعرفُهُ الآن والتحول إلى النظام الفدرالي الكامل.

ماذا عن النقاشات التي تدور في وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي والتي تخص التعليم والمناهج وتغيير السلم التعليمي؟

هُناك العديد من الأسئلة التي تُطرح من قبل المُجتمع لا أرى لها داعِ في الوقت الحالي ومن أمثلة ذلك: السلم المدرسي. كم عدد السنوات التي يحتاجها الطالب؟ وكيف يجب تقسيم السلم التعليمي؟ فهما سؤالان سابقان لأوانهما، فالسؤال الأولى يجب أن يكون ماذا سيدرس الطالب في هذه السنوات ولماذا سيدرس هذا ويتركُ هذا؟ لتحدد بعدها هل تكفي الإحدى عشرة سنة أم لا؟ ولتحدد هل يجب أن يكون الفصل بين المرحلة لأولى والثانية بعد ست سنوات فيصير السلم 6-2-3 أم لا نحتاج للفصل إلا بعد الثماني سنوات الأولى في التعليم فيصير 8-3؟ أم غيره من المقترحات لتغيير السلم التعليمي، وغالباً عندما يتم التركيز على الكم سيتبعه ضعف تركيز على الكيف.
القرار أيضاً معتمد على الموارد قبل كل شيء فحتى إن رغبنا في الرجوع إلى السلم التعليمي القديم وقمنا بتحويل بعض المداس الإبتدائية مثلاً إلى اعدادية فغالباً لن يكفي هذا وخاصة في الولايات التي تفتقر الى المدارس حتى.
من الأمثلة أيضاً لما يدورُ من كلام هو الدعوات إلى نبذ الحفظ واتباع التعليم الفنلندي الذي يقومُ على الفهم فقط، وفي تقديري فإن هذه الدعوات تنمُ عن جاهلين بفوائد الحفظ فهل يجب أن تتجاهل المناهج الحفظ والتلقين تماماً -على الرغم من أن التجربة الإسلامية قديماً أثبتت فائدة الحفظ؟ وأيضاً هذه النظرة تُثبت عدم وعي صاحبها بالسياق السوداني العربي المميز له من بقية الدول.
فسؤال المناهج بين الحفظ والفهم وسؤال التعليم بين التجربة واللاإمتحان وبين الإمتحان والتقويم كلها أسئلة مشروعة لكنها بالتأكيد رفاهيات لا يجب الإلتفاتُ إليها ونسيان المُهم كأن لدينا ما يزيد عن الثلاث مليون طفل خارج المنظومة التعليمية.

 

عن المحرر

Scroll to Top