Hiwaratjeel

قضايا الرحل

قضايا الرحل و الرعاة

محمد الأمين خراشي : خريج معهد الدوحة للدراسات العليا – برنامج الفلسفة – مهتم بقضايا مجتمعات الرحل و الرعاة 

أهلاً وسهلاً بك أ. محمد الامين خراشي و سعداء أن نلتقي بك في هذا الحوار الذي أراه حواراً تأسيسياً بخصوص قضية حيوية و عادلة في الآن نفسه وهي قضية الرحل ، تلك القضية التي ظلت محل تساؤل كبير و واسع في الآونة الأخيرة ، وإنه من الصعب تحديد حدود هذه القضية لغياب الدراسات الاجتماعية عن الرحل و مجتمعات الرحل ، لذلك أردنا لهذا الحوار ان يكون حواراً تأسيسياً ومفصلياً لخطاب تنموي ضمن الأجندة الوطنية التي نستهدفها من خلال منصة حوارات جيل الثورة فمرحباً بك في هذا الحوار الذي أتمنى أن ينال استحسان المتابعين و أن يجدوا فيه ردوداً تشفي تساؤلاتهم المشروعة عن الرحل .
مرحباً بك وسعيد بفتح نافذة كهذه للنقاش حول قضية أساسية ومهمة لكنها ظلت مهملة ومنسية من قبل كل الحكومات التي مرت على تاريخ دولتنا ، ليس الحكومات فحسب بل حتى الأحزاب السياسية نجدها لا تنتبه لحقوق هذه الفئة إما عمداً أو جهلاً بمكانة الرحل كجزء من خارطة اجتماعية واقتصادية في السودان.

أولاً لنأخذ الرحل في السياق السوداني، كيف يمكن فهم الطبيعة الاجتماعية للرحل والتمييز بين الرحل في السودان، وهل الرحل يقتصر وجودهم في غرب السودان؟

بطبيعة الحال الرحل ينتمون لفئات متشعبة ومتعددة، إذ نجد أنهم ليسوا فصيلاً واحداً فحسب يمكن أن تطلق عليه عربي أو إفريقي أو غيره من هذه التقسيمات التي تستخدم جزافاً وبلا حذر أو مسؤولية، هم مجموعات سودانية ارتبط وجودهم وحياتهم بالرعي ويتواجدون بكثرة في الشرق والجنوب الجديد بالإضافة لدارفور وكردفان بعضهم يرعى الابقار وبعضهم الإبل بالإضافة للأغنام.

هل تنفصل قضايا الرحل عن القضايا التي يتم طرحها في الوسط السياسي / الاجتماعي السوداني؟

بالتأكيد هناك اختلاف كبير بين ما يطرح في الساحة السياسية السودانية وواقع الرحل فقضايا هؤلاء الأساسية غائبة وجذور هذا الغياب تكمن في انتشار الجهل وسط هذه المجموعات، الجهل الذي يمكن اعتباره مشكلة أساسية -تاريخية ولا زالت مستمرة- تعاني منها هذه الفئات وذلك بسبب انسحاب الدولة من مشهدهم وتنازلها عن مسؤولية توفير مدارس لهم. أدى هذا الأمر لبُعد أبناء الرحل عن السياسة ومراكز التأثير بشكل عام وبالتالي قلل من حضور قضاياهم في الساحة السياسية و من مشكلاتهم ايضاً والتي لا تلقى صدى إلا قليلاً هي مشكلة الأمن فبعض مجموعات الرحل ترعى في مناطق حدودية و في الغالب تحدث الكثير من الحروب بينهم وبين الدولة التي يرعون في حدودها على سبيل المثال هناك قبائل رعوية يربطها هذا النشاط بدولة جنوب السودان وحدثت في فترات متفاوتة الكثير من الحروب التي فقد هؤلاء فيها أبنائهم وأموالهم ولكن الدولة كانت صامتة ولعبت دور المتفرج ، ليس الحروب الخارجية فقط بل هناك مشكلات داخلية بين هذه المجموعات ومجموعات أخرى تمتهن الزراعة خصوصاً في إقليم دارفور. استمر الصراع من هذا النوع كثيراً ولنتائجه تأثيرات اقتصادية وسياسية وأمنية كبيرة لا يخفى أثرها السلبي على وضع الإقليم والمناطق المجاورة له خصوصاً وعلى وضع السودان عموماً، وفي حال لم تعالج جذوره سيستمر مستقبلاً، وفي الواقع هو يهدد التعايش والاستقرار. هنالك أيضاً مشكلات تتعلق بالصحة حيث لا توجد مستشفيات لعلاج الأطفال أو تهتم بالنساء أو كبار السن والمرضى بشكل عام ، إذن هنالك مشكلات تتعلق بوضع التعليم والأمن والصحة يعاني منها الرحل وهي غير مطروحة في الساحة السياسية السودانية. في الفترة الأخيرة ربما نستطيع أن نتحدث عن اهتمام قليل نسبياً بهذه القضايا في الساحة السياسية ولكنه ما زال أقل بكثير من حجم قضاياهم وأهميتها، وسبب ذلك أن هذا الاهتمام القليل كان في شكل احتجاج ظرفي وغير مبني على معلومات حقيقية يمكنها أن تدفعنا لمعالجة هذه المشكلات جذرياً.

هنالك تداخل مريب ما بين الرحل والرعاة كيف يمكن إجراء هذه التمايزات بينهما أم أنه لا وجود لتمايزات؟

يمكن أن نتحدث عن رعاة لا يرحلون وهذا غير شائع كثيراً في غرب السودان مما يجعلنا نقول أنه ليس هنالك فرق كبير عملياً وواقعياً ،ربما لغوياً هنالك فرق بين الكلمتين وهذا شأن يجعلنا نستدعى لغويين.

بالنسبة لمسألة الرحل طوال تاريخ الدولة السودانية كيف يمكن النظر إلى هذه الوضعية التاريخية وهل ترى أنه هنالك إشكالية معينة تعلقت بقضية الرحل أم أنه تعقيد كامن بشكل بنيوي؟

بشكل عام تاريخ الدولة السودانية بمجمله معقد ومليء بمشكلات اقتصادية وسياسية تمظهرت عملياً في الفقر والحروب التي قضت على اليابس والاخضر، ولكن حظ الرحل من هذه المشكلات كان الأكبر من بين كل الفئات السودانية الأخرى، فمن ناحية يمكن القول أن المشكل هو تاريخي ارتبط بدولة ما بعد الاستعمار الضعيفة الحضور والمخجلة الأداء على جميع المستويات وهذا واضح للجميع. ومن ناحية أخرى ارتبطت مشكلة الرحل بتجهيلهم المستمر والمتعمد من قبل النخبة السياسية السودانية خصوصاً التي سيطرت على مقالد الحكم في السودان، فهي استخدمتهم في الغالب كأرقام انتخابية أو مصدر للموارد الاقتصادية لا أكثر ولا أقل، بدون أي مقابل كالخدمات الصحية والتعليمية.

على مدار 30 عام كيف نجد أن الرحل تم استغلالهم في حروب أو في تعقيدات ، أكسبتهم هالة من التضليل ، من المستفيد من كل هذا ؟

لرحل غرب السودان -بالأخص دارفور- مشكلات قديمة مع فئات اجتماعية زراعية، هذه المشكلات تاريخياً لا تنفصل عن الدولة ودورها الذي كان ينبغي أن تقوم به وهو تنظيم المسارات القانونية وتحديد أماكن للرعي وأخرى للزراعة تحرسها السلطة وتعاقب من يتعداها ، ولكن المؤسف أن هذا لم يحدث من قبل الدولة فخلق مشكلات كبيرة بين الرعاة والمزارعين وامتدت وتوسعت وشملت قبائل كثيرة ، هذه الوضعية تم استغلالها من قبل حكومة الإنقاذ التي حاولت من أجل أن تقضي على خصومها -الحركات المسلحة الدارفورية والحركة الشعبية- استقلال الرحل وتسليحهم ليس بالسلاح فقط بل بتعزيز مفاهيم عنصرية مبنية على فكرة التعالي العرقي كما حدث في دارفور ومفاهيم أخرى إسلاموية كما حدث في حرب الجنوب حيث سلحوا الكثير من الرعاة وحشدوهم بمفاهيم مثل الجهاد ووصم الجنوبيين بالكفر والنجاسة وغيره، وكل ذلك كان ضد مصالح الرحل المباشرة ويمكن أن نقول أن السلطة في وقتها استفادت منهم فقط كأدوات تُترك عند الفراغ من استعمالها، وحرب دارفور الطويلة لا تنفصل عن دور السلطة في هذه العملية فهي ساهمت إما بتدخل سلبي على حساب أحد الأطراف المتحاربة أو صمتت كلياً وتركت قضية استمرار الحرب أو حتى الصلح للأهالي بإداراتهم المحلية المختلفة.

 

صورة من ارتحال الرعاة في سهول دارفور . المصدر : غير معروف

ارتبطت تسميات الرحل أو دعنا نقل الثقافة البدوية للرحل بالمليشيات المسلحة، كيف نفهم هذا التداخل وهل تم خلقه عمداً أم أنها محض مصادفة متعلقة بالتشكلات الاجتماعية في مناطق النزاع؟

ليس هنالك شيء يسمى مليشيات مسلحة لديه ارتباط بالرحل، إذا كنت تقصد الدعم السريع والذي درج بعضهم على وصفه بهذا الإسم فهو ليس لديه علاقة مباشرة تربطه بفئات الرحل في السودان بشكل عام وفي الغرب بشكل خاص، بدليل أن المنتمين له ليس رحل فقط بل هناك فئات أخرى من متعلمين ومزارعين وغيره، أيضاً ليس كل سلاح يمتلكه رحل دارفور أو كردفان هو نتيجة لالتقاء هذه المجموعات بالسلطة، هنالك قبائل ونتيجة للخطر الدائم في الإقليم كانت تصرف أموال طائلة من جيبها لأجل شراء سلاح لأفرادها وكانت المصادر التي يأتي منها هذا السلاح متعددة وهذه سمة موجودة عند جميع القبائل الدارفورية الرعوية منها والزراعية ولا أعتقد أنه هنالك قبيلة لم تمر بهذه المرحلة.

المشكلة هي أن البعض ونتيجة لامتلاكه الإعلام أصبح يخرج بلا مسؤولية هذه الأوصاف ويقوم بتطبيقها على حالات غير مطابقة لها، على سبيل المثال في الفترة الأخيرة خصوصاً عندما تحدث مشكلة قبلية الرحل أحد أطرافها نجد الكثيرين من الذين لديهم مأرب أو مصالح يطلقون اسم مليشيات أو جنجويد على الرحل ويتم تصويرهم على أنهم المجرمون والقتلة والتابعين للحكومة وفي الحقيقة هذا غير صحيح، مثل هذه الأوصاف لا تحل المشكلة جذرياً ولذلك نحتاج لوعي نفهم بموجبه أن المشكلة الدارفورية -ودارفور هي أكثر المناطق التي تدور فيها المشكلات القبلية- مركبة ومرتبطة بالحواكير والمراحيل أكثر من الأوصاف المعلبة والجاهزة التي يطلقها الجميع بمناسبة وغير مناسبة.

هل هنالك مستفيد من هذا الوضع؟ وهل هو عائق أمام تنمية مناطق الرحل؟

الاستبداد عموماً يلعب على منطق تجهيل الناس وتغبيش وعيهم ليكونوا طائعين ومنقادين، هذا الدور قامت به الإنقاذ بشكل كبير واستفادت منه على نحو واسع، حالياً نحن في بدايات مرحلة جديدة ولن أكون متفائلاً وأقول أن السياسيين الجدد المسيطرين على الدولة يهمهم أمر الرحل وذلك لأن المشكلات التي تهتم بها قوى الحرية والتغيير لا زالت بعيدة عن هموم هؤلاء المنسيين وإن لم تغير (قحت)من طريقة عملها سيتم استخدام الرحل من أجل الانتخابات أو ملئ خزينة الدولة باعتبارهم يمتلكون ثروة حيوانية كبيرة ولن يهتم بمشاكلهم أحد وإذا حدث ذلك سنقول أن الذي يقف عائقاً أمام تنمية مناطق الرحل هي دولة ما بعد ثورة ديسمبر.

* كيف يمكن الوصول إلى عملية تنموية في تلك المناطق؟

مهمة تنمية مناطق الرحل تقع على عاتق الدولة أولاً وأبناء الرحل المتعلمين ثانياً والطريق لهذه التنمية يبدأ بالتعليم، هنالك مناطق لا يوجد فيها مدراس أساساً ومناطق تجد فيها مدراس من ثلاثة فصول أو أكثر بمدرس واحد فقط، وفي بعض الأحيان تجد مدارس يقوم ببنائها الرحل أنفسهم ويدفعون راتب الأستاذ الذي يقوم بتدريس أبنائهم وفي النهاية يعجز الأستاذ عن المواصلة نسبة لكبر حجم العبء الذي عليه هذا غير أن الكثير من الرحل لا يؤمنون بأهمية التعليم نفسه وضرورته مما يجعلنا نقول بأهمية العمل المدني الشبابي في هذا المناطق لرفع وعي الأهالي بالحاجة للتعليم، مهمة الدولة هي تأسيس مدارس في مناطق الرحل ليس هذا فحسب بل هناك ضرورة أكبر تتمثل في وضع جدولة زمنية للتعليم تناسب أوقات الرحل، فهم رحل يرحلون في بعض الفصول ويشهدون استقرار نسبي في فصول أخرى فهذا ينبغي أن يوضع في الاعتبار لمعالجة مشكلة تعليم الرحل وربما هنا يأتي دور أبناء الرحل في توفير معلومات وإحصائيات تتحرك الدولة على أساسها. بالإضافة لضرورة اهتمام الدولة بالمرافق الصحية فالرحل لا زال يعاني أكثرهم من أمراض بدائية كالبلهارسيا والملاريا ولا زالت النساء يمتن بسبب الولادة البدائية خارج المستشفيات، أيضاً لا تنفصل التنمية عن السلام والذي في غيابه لن يكون هناك استقرار لمدارس أو مستشفيات.

أخيراً! هل تعتقد أن العملية التنموية في مناطق الرحل تحتاج إلى إعادة صياغة وذلك من خلال عملية السلام؟

كما ذكرت لا تنمية من غير سلام حقيقي في مناطق الرحل وفي هذا مصلحة للجميع، فالسلام هو قضية أساسية ومدخل لاستقرار الدولة السودانية وليس الرحل فقط ومع ذلك تعليقي على ما يجري الآن بخصوص مفاوضات السلام هو أنها يمكن أن تكون مدخل لحل مشكلة الحرب في دارفور أو الجنوب الجديد ولكنها لن تحل المشكلة نهائياً إلا في حال تم توسيعها وإدخال كل الذين عانوا من ويلات الحروب -رحل وغيرهم- أو أصحاب المصلحة في السلام إلى المفاوضات وفتح نقاشات تضع الألم التاريخي في الاعتبار وضرورة السلام كهدف ينبغي تحقيقه بكل السبل، هذا إن حدث يمكن أن نحلم بسلام شامل وحقيقي أما في عدمه لن نتحدث سوى عن سلام سياسي يرتبط بمجموعات لا تستطيع أن تسيطر أو تتحكم في قبائل تم إدخالها وأصبحت جزء من الصراع الذي دار وسيدور فالحرب غير مرتبطة فقط بالحركات المسلحة بل أن صراع هؤلاء مع الحكومة هو أقل ضرراً بما لا يقاس من صراع القبائل الذي كان يدور في دارفور.

عن المحرر

Scroll to Top