Hiwaratjeel

مقاربة مفهوم الأيديولوجيا بين أنطونيو غرامشي ولوي ألتوسير

مقدمة

بدأت رحلة هذه المقالة في العام 2019 إذ كانت جزءاً من تكاليفٍ بحثيةٍ بمادة نظريات الأنثروبولوجيا التي يقدمها الدكتور إسماعيل ناشف ضمن برامج ماجستير علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بمعهد الدوحة للدراسات العليا. وعلى ما أذكر حينها، لم أحصل على درجةٍ جيدة لأسباب متعلقة بالشكل، لا المضمون، في طرق تقديم المقالة.

ثمّ عدت لها مرةً أخرى على وقع نقاشاتٍ جانبيةٍ متعددة لا يكفي المقام لحصرها، ولكنّ ضرورتها جاءت في محاولة بناءٍ منهجي مختلفٍ لتشكل هذه النقاشات ومن ثم إلى أين تمضي، من باب ما جاء في سورة مريم : (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا).

تهدف هذا المقالة إلى وضع مقاربةٍ لمفهوم الأيديولوجيا، الذي يعتبر مفهوماً إشكالياً في الأدبيات الماركسية، وخصوصاً بعد فشل الثورات العمالية في غرب أوروبا الذي استدعى أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci (1891-1939) إلى إعادة النظر في المفاهيم الماركسية التي تشرح واقع الثورة واحتل مفهوم الأيديولوجيا مكانةً مهمةً في تنظير غرامشي من داخل السياقات الماركسية.

لم يكن غرامشي وحده من حاول ذلك، فمع ترجمة دفاتر السجن في العام 1970 من الإيطالية إلى الإنجليزية، بدأ الجدل مرةً أخرى حول مفاهيم عديدة من بينها (الأيدولوجيا والهيمنة). أعاد الفرنسي لوي ألتوسير  Louis Pierre Althusser (1918-1990) الجدل مرة أخرى إلى مفهوم الأيديولوجيا عبر مقالته الشهيرة: Ideologie and Idéologisa State Apparatuses (الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية)، والتي نشرت في العام 1970م وترجمت الى الإنجليزية في العام 1971م. 

أنطونيو غرامشي:

لا يمكن لأحدٍ نكران العذابات التي عاشها أنطونيو في حياته، والتي أثرت على إنتاجه المعرفي، فمنذ 1908م وحتى قبل فترة دخوله إلى الجامعة عام 1911م كان أنطونيو يسكن مع أخيه جانيرو الذي كان سكرتيراً تنفيذياً في بورصة العمال الاشتراكيين، ما جعل غرامشي يحتك بالأوساط الاشتراكية في بداية حياته، كما أنّه نشر أول مقال له في صحيفة الشبيبة الاشتراكية. ومع دخوله للجامعة، بدأ غرامشي في الانغماس داخل التيار  الاشتراكي، حتى أسس مجالس العمال بحلول 1921 ليعتقل إثرَ ذلك، وفي العام 1924، كان غرامشي سكرتيراً للحزب الشيوعي ليعتقلَ بعدها ويمكث في السجن حتى قبيل وفاته. 1

في ظلّ هذه الأحداث المعقدة التي مر بها خلال مسيرته، إضافةً إلى فشل الثورات العمالية في غرب أوروبا، بدأ غرامشي في إعادة التفكير في مفاهيم الثورة والدولة، إضافةً الى إعادة النظر في التاريخ الإيطالي منذ النهضة وحتى وقته. كتب غرامشي حينها 32 دفتراً، ترجم معظمها بعد وفاته. وتعد أطروحاته في الهيمنة الثقافية إحدى تنظيراته الرئيسية، ويعالج غرامشي فيها مسألة الوصول إلى السلطة من قبل الطبقة البرجوازية، في ظلّ الأوضاع الاقتصادية التي يمكن أن توفر حتمية الثورة ضد هذه الطبقة. لذلك يمكن أن نقول أنّ غرامشي قد عالج مسألةَ حتمية الثورة عبر إخضاعها لرؤيةٍ مختلفة وهذه الرؤية تستند على مفهومين أساسيين هما الهيمنة والأيدولوجيا.2

الإيديولوجيا عند أنطونيو غرامشي:

لا يمكن فصل الأيديولوجيا عن مفهوم الهيمنة عند غرامشي. ولكن، إن نظرنا إلى مفهوم الأيديولوجيا في سياق المقدمات الماركسية، سنجد كتاب الأيديولوجية الألمانية (1846م)  الذي شارك في تأليفه كلٌ من كارل ماركس ( MarxKarl) وفريدريك إنجلز (Frederick Engels)، وهو من أهم المخطوطات التي فسرت الأيدولوجيا كمفهومٍ طبقي. ويرى ماركس وإنجلز أنّ الأيديولوجيا بنيةٌ فوقيةٌ تمثل جزءاً من الطبقة؛ فلكل طبقةٍ أيديولوجيا تميزها وتكون جزءاً من الشروط التاريخية والواقع الاجتماعي، وأنّ الأيديلوجيا ليست علماً لدراسة الأفكار، بالنظر إلى الأخيرة كمحددٍ لحركة الواقع واتجاهاته، وهو ما ذهب إليه دستوت دي تراسي de Tracy (1745 – 1836). 

اتبع العديد من المنظرين الماركسيين هذا الاتجاه الماركسي الكلاسيكي، إلا أنّ غرامشي حاول النظر بصورةٍ مختلفةٍ، محاولاً تجنب الاختزال الطبقي لمفهوم الأيديولوجيا، فوصف الإيديولوجيا بأنها “تضاريس” للممارسات والمبادئ والعقائد التي تمتلك طبيعة ماديةً ومؤسسيةً تشكّل مواضيعَ فرديةً بمجرد “إدراجها” في مثل هذه التضاريس. وبما أنّ الأيديولوجيا شكّلت الأفراد مواضيع وعناصر اجتماعية في المجتمع –نفس العوامل الاجتماعية التي تلعب أيضاً أدواراً اقتصاديةً على مستوى الإنتاج– فقد كان للأيديولوجيا وظيفة مهمة في مجال الإنتاج وكذلك في الهيكل العام للمجتمع. كانت هذه الوظيفة حقيقية في الديناميكيات المتكررة لنمط الإنتاج أو النظام الإنتاجي في “التوازن”، كما كانت في نظام في “أزمة عضوية”. في الحالة الأخيرة، بالطبع، كانت الأيديولوجيا ذات صلة بالصراع على السلطة في لحظة حاسمة إلى حد ما في  الواقع. 

يقوم مفهوم الإيديولوجيا عند غرامشي على أنّ الأيديولوجيا منظومةٌ كاملةٌ تخضع لهيمنة الطبقة المسيطرة. ولا تقتصر الهيمنة على سعي هذه الطبقة إلى السلطة المباشرة وحسب، وإنما تشمل أيضاً سعيها إلى السيطرة على الأدوات والشروط التي تضمن استمرار هيمنتها. أي أنّ الطبقة المهيمنة تسعى إلى السيطرة وإنتاج أيديولوجيا تمكنها من الاستمرار في هذه السيطرة. ومن هنا يمكن أن نجد أنّ الأيديولوجيا هي الأدوات التي نعيد عبرها السيطرة على المجتمع المدني والسياسي المشكّل للدولة، لذلك يمكن النظر إلى أنّ الإيديولوجيا عند غرامشي لا تنفك عن مفهوم الهيمنة، باعتبار أنّ الأيديولوجيا ناتجةٌ عن هيمنة طبقة على المجتمع السياسي الذي يمثل الدولة.3 

أعاد ألتوسير مفهوم الأيديلوجيا إلى دائرة النقاش مرةً أخرى بعد ترجمة دفاتر السجن عام 1970م. ورأى ألتوسير أنّ مفهوم الأيدولوجيا يرتبط بمسألة إعادة الإنتاج، ليكون مدخل ألتوسير إلى الأيديولوجيا عبرَ الدولة، وهذا ما نجده في مقاله (الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية). 

لوي ألتوسير

من الجزائر وحتى ضواحي مارسيليا بدأت معاناة لوي حتى سجنه في ألمانيا لمدة خمس سنوات ومن ثمّ إكماله للجامعة في عام 1945م وسكنه في مدرسة الأساتذة العليا. وكان لقاءُ ألتوسير بجاك مارتن تحولاً مهماً من نقله الكاثوليكية إلى الفكر الماركسي أثناء الحرب. وفي العام 1948م، انضم لوي إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، ووجد فيه مفكرين فقدوا ثقتهم بالحزب، وعلى رأسهم موريس ميرلو بونتي (1908–1961م) Maurice Merleau-Ponty. خاض لوي جدلاً واسعاً مع الحزب في مسألة قراءة الماركسية وخصوصاً بعد نشر العديد من كتاباته حول إعادة قراءة رأس المال. 

يعد مفهوم ألتوسير حول الأيديولوجيا من المفاهيم المركزية في أطروحاته. ومن خلال هذه المداخلة، سأعمل على عرض هذا المفهوم من ناحية تقاطعاته مع غرامشي واختلافه معه. 

مفهوم الإيديولوجيا عند ألتوسير:

لقد بدأ ألتوسير في معرفة إشكاليات ماركس، وكانت “إعادة الإنتاج” إحدى هذه الإشكاليات التي قادته إلى فتح مقولة الأيديولوجيا. ويشير ألتوسير إلى أنّ “إعادة الإنتاج” تشمل بالضرورة الإنتاج وإعادة الإنتاج، بمعنى أنّ الطبقة البرجوازية تعمل على الإنتاج ولكنّها تعمل على إعادة الإنتاج في ذات اللحظة. وإعادة الإنتاج عند لوي ليست للسلعة فقط، وإنما للمجتمع أيضاً.

تحتاج الطبقة البرجوازية إلى مؤسساتٍ لإعادة الإنتاج، وتتمثل هذه المؤسسات في الدولة وأجهزتها. من هنا يتجه لوي إلى تفسيرٍ مختلفٍ للدولة عن ذاك الذي يراها أداةً بيد سلطةٍ برجوازية، ويرى أنّ الدولةَ دكتاتوريةٌ بطبيعة الحال، إذ يذهب ألتوسير إلى أنّ أدوات الإنتاج وإعادة الإنتاج تكمن في الدولة.

تقوم الأيديولوجيا عند لوي على الأدوات التي تحفظ البرجوازية عبرها هيمنتها على الدولة. وعند لوي، ليست هذه الأدوات بالضرورة من نتاج البنى التحتية، إذ يرى ألتوسير أنّها متجاوزةٌ لهذا التصنيف الذي أوجده ماركس في الأيديولوجيا الألمانية، لذلك يمكن أن نقول أنّ ألتوسير قد حرّك مفهوم الأيديولوجيا عند غرامشي إلى مستوى يربطه بالدولة وشروط إعادة الإنتاج من حيث شرح مفاهيم شروط إعادة الإنتاج وقوة العمل.

مفهوم الأيديولوجيا:

يذهب غرامشي إلى اتجاهٍ مختلفٍ عن كارل ماركس4، إذ يقول أنّ الإيديولوجيا ليست مرتبطةً بطبقة واحدة برجوازية أو بلوريتاريا، وإنما هي أداةٌ للطبقة المهيمنة على المجتمع، وتبدأ هذه الأيديولوجيا بالانهيار عندما تبدأ طبقات المجتمع الأخرى بالوعي بهذه الهيمنة، فتبدأ الثورة. 

ويتجاوز ألتوسير تصورَ كلٍ من ماركس وغرامشي للإيديولوجيا، معتبرًا أنها – إذا ما افترضنا صحة أطروحته – تعيدنا إلى النظرية الماركسية الكلاسيكية للدولة، مع إضافة دقةٍ تحليلية مهمة، فألتوسير يرى ضرورة التمييز بين سلطة الدولة (والسيطرة عليها) من جهة، وبين جهاز الدولة من جهة أخرى. ويضيف أنّ جهاز الدولة يتكون من هيئتين: الأولى تُمثِّل جهاز الدولة القمعي (مثل الحكومة والجيش والشرطة)، والثانية تُمثِّل أجهزة الدولة الإيديولوجية (كالمدرسة و مؤسسات التربية والإعلام). وهنا يبرز سؤال محوري: ما الدور الذي تلعبه أجهزة الدولة الإيديولوجية وفقاً لألتوسير؟ وما أساس أهميتها؟ بكلماتٍ أخرى: ما “وظيفة” هذه الأجهزة، التي لا تعمل من خلال القمع المباشر، بل عبر نشر الأيديولوجيا وتكريسها؟

بهذا، يقدم ألتوسير نقطة مفصلية في فهم الأيديولوجيا، معتبرًا أنّها أداةٌ فعالةٌ لإعادة إنتاج علاقات الإنتاج والهيمنة الطبقية، دون الحاجة إلى اللجوء الدائم إلى العنف المادي. 5

مقاربة مفهوم الأيديولوجيا بين غرامشي وألتوسير:

إنّ أكثر ما يميز مفهوم غرامشي عن الأيديولوجيا هو بالطبع مفهومه عن “الأيديولوجيا العضوية”، فمن الواضح أنّ الأيديولوجيا عُرِّفَت لدى غرامشي من خلال نظام حكمٍ طبقي، أي الهيمنة، حيث يوجد ترتيبٌ عضوي لجميع العناصر الأيديولوجية في نظامٍ موحد. شكل هذا الترتيب المعقد “أيديولوجيا عضوية”، وهذا تعبيرٌ عن الحياة المجتمعية للكتلة الاجتماعية المعينة، التي تسيطر فيها الطبقة المهيمنة على سلطة الدولة وتحظى بالهيمنة الاجتماعية. لذلك، في نظام هيمنة معين، تحتفظ الطبقة المهيمنة بسلطة الدولة من خلال تفوقها الاقتصادي ومن خلال قدرتها، من بين أمور أخرى، على التعبير عنه بطريقة متماسكة وموحدة بنجاح، وتلك هي العناصر الأساسية في الخطابات الأيديولوجية للحكام.   

يذهب ألتوسير إلى تعميق هذا الأمر، مبيناً أنّ الأيديولوجيا الحاكمة، أي أيديولوجيا “الطبقة السائدة”، التي تعمل بها الدولة موحدةٌ دائماً في الواقع، على الرغم من تنوعها وتناقضها الظاهري. وبالنظر إلى حقيقة أنّ “الطبقة الحاكمة” تمتلك من حيث المبدأ سلطة الدولة (علانيةً أو في كثيرٍ من الأحيان عن طريق التحالفات بين الطبقات أو الكسور الطبقية)، وبالتالي يقع جهاز الدولة (القمعي) تحت تصرفها، يمكننا أن نقبلَ حقيقةَ أنّ أجهزة الدولة الأيديولوجية، رغم ما تمثّله من انعكاسٍ للأيديولوجيا الحاكمة، ليست في نهاية المطاف إلا نشاطاً لتلك الأيديولوجيا 6.

أخيراً، يمكن أن نجد أنّ مقاربة مفهوم الأيديولوجيا بين غرامشي ولوي ألتوسير تُفضي إلى أنّ غرامشي وضع الأيدولوجيا ضمن المجتمع والدولة وقال أنّ هذه الأيديولوجيا واحدةٌ، ولا تملك كل طبقةٍ أيديولوجيا خاصةً بها، وإنّما تعمل الطبقة المهيمنة على خلق الأيديولوجيا، ليكون ألتوسير امتداداً لهذه الفكرة، بمعنى أنّه حاول أن يقرأ الأيديولوجيا ضمن عمل الدولة، ليعطي تفسيراً أوسع لآليات صياغة الهيمنة. ولكن، أظن أنّ كلاهما لم يتجاوز ماركس بعد. 

المراجع باللغة العربية:

1. أنطونيو، غرامشي، رسائل السجن، سعيد بوكرامي (دار طوى للنشر والتوزيع، 2014) 

2. كارل ماركس، فريدريك انجلز، الايدولوجيا الألمانية، فؤاد زكريا، (دمشق: دار دمشق للنشر والتوزيع ,1968م)

المراجع باللغة الإنجليزية:

3. Jones, Steven. Antonio Gramsci. Routledge, 2007 4.  John M. Cammett, Antonio

 4.  John M. Cammett, Antonio  4-Gramsci and the Origins of Italian Communism (California:   Stanford University Press, 1967)

5. Louis Althusser, Ideology and Ideological State Apparatuses (Notes towards an   Investigation), Andy Blunden, Lenin and Philosophy and Other Essays, Monthly Review Press 1971

6. Louis Althusser, On the Reproduction of Capitals Ideology and Ideological State Apparatuses , 2013

عن المحرر

Scroll to Top