Original source: Guerville, A. B. “New Egypt.” E.P. Dutton & Company, New York, 1906. p. 328
منذ اللحظة التي أصبحت فيها الخرطوم مركزًا لصراع الإمبراطوريات في أواخر القرن التاسع عشر، ظلّ السودان ساحةً مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، ومختبرًا صغيرًا لتجارب القوة والنفوذ في القارة الإفريقية. في تلك الحقبة، حين التقت القوات البريطانية والفرنسية في فشودة عام 1898، كان التنافس بين الإمبراطوريتين على السودان تعبيرًا مكثفًا عن سباق السيطرة على قلب إفريقيا، وعن بحث الغرب المبكر عن موطئ قدمٍ دائم في أراضيه الخصبة وطرق مياهه الاستراتيجية. ومنذ ذلك الوقت، لم يتغير جوهر المعادلة كثيرًا: فالقوى الكبرى ما زالت تتنافس على السودان، وإن تغيّرت الشعارات وتبدّلت الأدوات.
لقد رسمت أزمة فشودة الخريطة الأولى لعلاقة السودان بالعالم الخارجي. كانت بريطانيا ترى في وادي النيل وحدة سياسية واقتصادية لا يمكن السماح لفرنسا باختراقها، في حين نظرت فرنسا إلى السودان كبوابةٍ محتملة لتوحيد مستعمراتها في غرب إفريقيا مع الشرق عبر محورٍ استراتيجي يمتد من داكار إلى جيبوتي. تلك المواجهة التي انتهت بانسحاب الفرنسيين وترسيخ السيطرة البريطانية، أسست لصورة السودان في المخيلة الغربية: أرضٌ واسعة يسهل اختراقها، ومجتمع متنوع يمكن ترويضه عبر إدارة مركزية حازمة. هذه الصورة الذهنية القديمة، التي وُلدت من رحم الاستعمار، ظلّت ترافق السياسات الغربية تجاه السودان حتى بعد استقلاله، حين جرى التعامل معه بوصفه بلدًا هشًّا يحتاج دائمًا إلى وصاية أو دعم خارجي ليبقى متماسكًا.
منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، شهد السودان تحولات خارجية متسارعة تعكس تذبذب بنيته الداخلية أكثر مما تعكس رؤيةً استراتيجيةً مستقرة. في سنوات النميري، كان السودان يقترب من الغرب تارةً وينفتح على المعسكر الاشتراكي تارةً أخرى، في محاولةٍ للبحث عن توازنٍ في عالمٍ منقسم. وبعد سقوط نميري عام 1985، دخلت البلاد مرحلةً من الارتباك السياسي، سرعان ما حسمها انقلاب 1989 الذي قاده الإسلاميون بزعامة عمر البشير، فاتجهت السياسة الخارجية نحو محورٍ جديد يتخذ من الأيديولوجيا غطاءً، ومن المناورة السياسية وسيلةً للبقاء. أصبح السودان في التسعينيات نموذجًا للدولة التي تعاند النظام الدولي، فاتُّهِم بدعم الإرهاب واستضافة شخصياتٍ مثل أسامة بن لادن، ودخل في عزلة خانقة انتهت بوضعه على قائمة الدول الراعية للإرهاب وفرض عقوبات اقتصادية قاسية.
غير أنّ العزلة الغربية لم تترك السودان في فراغٍ كامل. فخلال سنوات الحصار، فتحت الصين ذراعيها، وقدّمت نفسها شريكًا اقتصاديًا وتنمويًا لا يتدخل في الشؤون السياسية. عبرت الاستثمارات الصينية نهر النيل كما عبرت بريطانيا من قبل، لكن بأدوات مختلفة: الحفر بدل البنادق، والأنابيب بدل الأساطيل. ومع اكتشاف النفط في الجنوب في نهاية التسعينيات، أصبحت بكين الشريك الأهم للخرطوم، تموّل الحقول وتبني المصافي والطرق، وتستورد الخام مقابل تصدير المعدات والسلاح. هذا التحالف القائم على المصلحة المتبادلة منح السودان متنفسًا اقتصاديًا، لكنه عمّق تبعيته لمحورٍ جديد لا يقلّ نفوذًا عن القديم. وهكذا استبدل السودان وصايةً بأخرى، من الإمبراطورية البريطانية إلى الرأسمالية الصينية، من دون أن ينجح في بناء استراتيجية وطنية متماسكة توجه هذه الشراكات لخدمة مشروعٍ قومي متكامل.
مع مطلع الألفية الثالثة، دخلت العلاقات السودانية–الغربية طورًا من الانفراج النسبي، خصوصًا بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 التي أنهت أطول حربٍ أهلية في إفريقيا. إلا أنّ هذا الانفراج لم يدم طويلًا، فاندلاع أزمة دارفور أعاد السودان إلى دائرة العزلة والاتهام، وصولًا إلى صدور مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس البشير من المحكمة الجنائية الدولية. بذلك تكرّست في المخيال الغربي صورة السودان بوصفه دولة مأزومة أخلاقيًا، تُدار عبر القمع وتنتهك فيها الحقوق الإنسانية، وهي صورة استخدمت لتبرير سياسات العقوبات والتدخلات تحت لافتة “المسؤولية عن الحماية”.
حين سقط نظام البشير في 2019، بدت الفرصة مواتية لإعادة تعريف السودان في أعين العالم. لكن التحول السياسي لم يصمد أمام صراعات القوى المدنية والعسكرية، لتعود البلاد إلى مربع الاضطراب، وتجد نفسها منذ 2023 غارقة في حربٍ داخلية بين الجيش وقوات الدعم السريع. الحرب الحالية لم تُعد فقط السودان إلى دائرة العنف، بل جعلته أيضًا ساحةً مكشوفة لتدخلات إقليمية ودولية متقاطعة. فكل طرفٍ خارجي يرى في الصراع فرصة لترجيح كفة نفوذه في بلدٍ يحتل موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، بين العالم العربي وإفريقيا الغنية بالمواد الخام، وبين الشرق والغرب.
اليوم، كما في زمن فشودة، تتقاطع على أرض السودان خرائط القوى الكبرى. الصين تبحث عن تثبيت موطئ قدمٍ دائم في الموانئ السودانية ضمن استراتيجيتها البحرية في البحر الأحمر. روسيا تسعى لإقامة قاعدة بحرية في بورتسودان تمنحها منفذًا إلى المياه الدافئة وتوازن نفوذ الناتو في المتوسط. الولايات المتحدة تحاول، بدورها، إعادة السودان إلى مدارها السياسي والاقتصادي عبر دعم العملية الانتقالية واستمالة النخب المدنية. وبين هذه القوى الثلاث، يقف السودان كرقعةٍ متنازعٍ عليها في لعبة الأمم، لكنه أيضًا يحمل مفتاحًا نادرًا: قدرته، إن أحسن استغلالها، على تحويل التنافس الدولي إلى رافعةٍ لتنميته.
في العمق، هذا التنافس ليس جديدًا في جوهره؛ إنه تكرارٌ بصيغةٍ مختلفة لصراع القرن التاسع عشر بين بريطانيا وفرنسا، غير أن أدواته تغيرت. فبدل الجنود والبعثات التبشيرية، هناك اليوم القروض والاستثمارات وشركات الأمن الخاصة. وبدل الخطاب “التمديني”، ثمة خطاب “التنمية والاستقرار”. غير أن الغاية واحدة: السيطرة على الممرات البحرية، وضمان الوصول إلى الموارد، والتحكم في موازين القوى الإقليمية. ومن هنا فإنّ السودان، بما يملكه من موقعٍ فريد وثرواتٍ طبيعية ومجتمعٍ متنوع، يظل قطعةً أساسية في لوحة النفوذ الدولي.
الفرق الجوهري بين الماضي والحاضر يكمن في أن السودان يستطيع اليوم، نظريًا على الأقل، أن يختار. فالعالم لم يعد أحادي القطبية كما كان زمن الإمبراطورية البريطانية أو الحرب الباردة، بل صار متعدد المحاور، تتنافس فيه واشنطن وبكين وموسكو وأنقرة والرياض وأبوظبي على مساحات النفوذ. في مثل هذا العالم، يمكن للدول الذكية أن تحوّل هشاشتها إلى قوة، وأن تلعب على التناقضات بدل أن تكون ضحيةً لها. السودان يمتلك هذه الإمكانية، لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية والرؤية المؤسسية التي تتيح له إدارة هذا التوازن بحكمة.
الاستراتيجية المطلوبة للسودان في ظل هذا المشهد المعقد ليست الانحياز إلى محورٍ بعينه، بل تطوير سياسة خارجية مرنة تعتمد على مبدأ “الاستقلال المنفتح” الانفتاح على الجميع من موقع السيادة لا الارتهان. فالتجارب الإفريقية الحديثة، من رواندا إلى إثيوبيا، أظهرت أن النجاح في هذا السياق لا يقوم على الشعارات الأيديولوجية بل على الكفاءة في إدارة الموارد والعلاقات. يمكن للسودان أن يستفيد من الصين في مجالات البنية التحتية والطاقة، ومن الغرب في التكنولوجيا، ومن الخليج في التمويل والاستثمار، شرط أن يبقى القرار النهائي نابعًا من رؤية وطنية تُعرّف المصلحة السودانية بوضوح لا لبس فيه.
إنّ جذور الضعف في السياسة الخارجية السودانية تعود في الأساس إلى أزماتها الداخلية. فلا يمكن لدولةٍ أن تحظى باحترام الخارج وهي عاجزة عن إدارة التوافق في الداخل. ومن ثم فإنّ أي إصلاح حقيقي لعلاقات السودان بالعالم يبدأ من نهاية الحرب وفق شروط وطنية وبناء مؤسساتٍ قادرة على التعبير عن إرادة وطنية جامعة. عندها فقط يمكن للسودان أن يعيد صياغة صورته أمام العالم لا كدولة مأزومة، بل كدولةٍ تحاول أن تنهض رغم إرثها الثقيل.
ولعلّ أكثر ما يحتاجه السودان اليوم هو تفكيك الصورة النمطية التي ما زال الغرب يحملها عنه. فالتحليل الغربي للسودان غالبًا ما يتعامل معه كفضاءٍ للفوضى يمكن احتواؤه لا تطويره، كدولة ينبغي ضبطها عبر المساعدات والعقوبات لا عبر الشراكة. هذا التصور، الذي يختزل السودان في معادلة “إما التحول أو الانهيار”، يكرّس تبعيةً جديدة باسم الحداثة. لكن السودان يستطيع قلب هذه المعادلة إذا ما نجح في إنتاج مشروع وطني يستثمر موقعه لا ليخدم استراتيجيات الآخرين، بل ليكون هو ذاته استراتيجيةً في قلب إفريقيا والعالم العربي.
في قلب مشروع إعادة تعريف موقع السودان في العالم، يبرز الجيش بوصفه المؤسسة التي تمتلك بقايا الدولة التي يمكن فتح أفق منضبط معها وأدوات السيادة المادية، لكنه أيضًا يواجه امتحان التحول من جهاز صراع إلى حاملٍ لمشروع وطني جامع. فالقوة العسكرية لم تعد وحدها كافية لبناء النفوذ أو صيانة الاستقرار، بل تحتاج إلى عقل سياسي يُعيد تعريف الوظيفة الدفاعية كحماية للمجتمع لا كسيطرة عليه. في عالمٍ باتت فيه الجيوش أدواتٍ في شبكات إقليمية ودولية متداخلة، يصبح دور الجيش السوداني في المشروع الوطني رهينًا بقدرته على الانفتاح على التكنوقراط، والاعتراف بأن صيانة الأمن تمر عبر تمكين المجتمع لا احتكاره، يواجه الجيش أيضا تحدي الإصلاح المرتبط مع بنية الاقتصاد، حيث أدت سنوات العزلة إلى نشوء شبكات مرتهنة لفساد واسع مستغلة غياب الشفافية المالية و المحاسبة، ما يعرق أي عملية تنمية حقيقية يمكن أن يتم التوافق عليها.
إن بناء هذا الأمر في عالم “مسعور”، كما يصفه كثير من المفكرين، يتطلب توازنًا بين الواقعية والخيال السياسي. فالدول الصغيرة لم تعد قادرة على حماية نفسها عبر العزلة أو الخطابات السيادية الفارغة، بل عبر بناء قدرات داخلية تتكئ على الكفاءة والإنتاج والتحكم في الموارد. في الحالة السودانية، يمكن تصور “القدرة الداخلية” كمجموع العناصر التي تمكّن الدولة من الفعل المستقل: الزراعة، الطاقة، التعليم التقني، شبكات القرار المحلية، ومؤسسات الخدمة المدنية. هذه العناصر حين تُعاد هندستها بعقل تنسيقيّ تشاركيّ، يمكن أن تخلق كتلة وطنية قادرة على المناورة بين مراكز القوة في العالم دون أن تتحول إلى تابعٍ أو ساحةٍ لصراع الغير.
أما الإرث التنفيذي والبراغماتي الذي تركه الإسلاميون في الدولة السودانية — رغم ما يحيط به من جدل أخلاقي وسياسي — فهو يمثل مادة يمكن إعادة توظيفها بوعي نقدي. لقد أظهر الإسلاميون قدرة على بناء دولة إدارية فعالة في ظروف حصارٍ وضغطٍ دولي غير مسبوق، واستطاعوا تحويل التنظيم إلى جهاز إداري يستمدّ قوته من الفعالية والضبط والانضباط المؤسسي. غير أن التحدي الآن ليس في استنساخ تجربتهم، بل في فصل البراغماتية عن الإيديولوجيا، واستعادة تلك القدرة التنظيمية ضمن مشروع وطني مفتوح على الجميع. فكما استفادت الصين من أدوات الحزب دون الخضوع لجموده العقائدي، يمكن للسودان أن يستثمر التجربة التنظيمية الإسلامية ضمن مشروع تحديثٍ وطنيٍّ عقلاني يضع مصلحة الدولة فوق الولاء الفئوي، ويمزج بين قوة المؤسسات وصلابة الرؤية السياسية.
من فشودة إلى بكين، ومن كتشنر إلى مبادرة الحزام والطريق، يظل السودان مرآةً تعكس طبيعة التحولات في النظام الدولي. هو ميدان تتصارع فيه الأفكار بقدر ما تتنازع فيه المصالح. وإذا كان القرن التاسع عشر قد شهد صراعًا على “من يملك السودان”، فإنّ القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يكون صراعًا على “كيف يملك السودان قراره”. هذه هي لحظة الوعي الجديدة التي تفرضها الجغرافيا والتاريخ معًا: أن يكون السودان أكثر من مجرد ممرٍ بين الشمال والجنوب، وأكثر من مجرد ساحة تنافس بين القوى الكبرى، بل أن يكون دولةً تعيد تعريف دورها الإقليمي على أسسٍ من السيادة، والمصلحة، والاستقرار الذاتي.
إنّ التاريخ لا يرحم من لا يتعلّم من تكراره. فكما حُسمت أزمة فشودة لصالح من امتلك رؤية واستراتيجية، سيُحسم مصير السودان الحديث لصالح من يملك رؤية وطنية واضحة في عالمٍ يتغيّر بسرعة مذهلة. والاختيار اليوم ليس بين الشرق والغرب، بل بين أن يكون السودان تابعًا في خرائط الآخرين أو فاعلًا في رسم خرائط نفسه.
قائمة المراجع
Ali, Taisier M., and Robert O. Matthews, eds. Civil Wars in Africa: Roots and Resolution. Montreal: McGill-Queen’s University Press, 1999.
Beshir, Mohamed Omer. The Southern Sudan: Background to Conflict. London: Hurst & Company, 1968.
Collins, Robert O. A History of Modern Sudan. Cambridge: Cambridge University Press, 2008.
Deng, Francis M. War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan. Washington, DC: Brookings Institution, 1995.
El-Battahani, Atta. “The Changing Political Economy of Sudan: From the Colonial to the Contemporary State.” Review of African Political Economy 45, no. 157 (2018): 487–504.
Johnson, Douglas H. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars: Peace or Truce. 3rd ed. Oxford: James Currey, 2016.
Kaldor, Mary. New and Old Wars: Organized Violence in a Global Era. Stanford, CA: Stanford University Press, 2012.
Mamdani, Mahmood. Define and Rule: Native as Political Identity. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2012.
Pakenham, Thomas. The Scramble for Africa: White Man’s Conquest of the Dark Continent from 1876 to 1912. New York: Random House, 1991.
Rolandsen, Øystein H. “Sudan: The Limits of External Engagement.” The International Spectator 55, no. 1 (2020): 108–122.
Sharkey, Heather J. Living with Colonialism: Nationalism and Culture in the Anglo-Egyptian Sudan. Berkeley: University of California Press, 2003.
Sullivan, Jake. “The Sources of American Power.” Foreign Affairs 103, no. 4 (2024): 22–39.
Tignor, Robert L. Capitalism and Nationalism at the End of Empire: State and Business in Decolonizing Egypt, Nigeria, and Kenya, 1945–1963. Princeton: Princeton University Press, 1998.
Young, John. The Fate of Sudan: The Origins and Consequences of a Flawed Peace Process. London: Zed Books, 2012.
Zhang, Chi. “China’s Evolving Role in Africa: Strategic Engagement or Neo-Colonialism?” Journal of Contemporary African Studies 39, no. 4 (2021): 511–530.