Hiwaratjeel

حول العلمانية .

سؤال العلمانية
14 ابريل 2020م “أول ملصق قامت به المنصة على صفحتها بموقع ” فيس بوك “

 

نشر هذا الحوار في الرابع عشر من أبريل 2020م وكان أول حوار تطلقه منصة حوارات جيل الثورة في نسختها الأولى ناقش المحاورين فيه قضية العلمانية في السياق السوداني ، انقسم النقاش الى اربع محاور رئيسية ، قدم من خلالها كل من الأستاذ/حسان الناصر ، باحث و أكاديمي سوداني حاصل على درجة الماجستير من معهد الدوحة للدراسات العليا في علم الاجتماع و الانثروبولوجيا ، و الأستاذ / محمد عادل ، طالب كلية الهندسة والأمين العام للجمعية الهندسية لكلية الهندسة جامعة الخرطوم 
حسان الناصر:
حسنا، دعوني أولا اشكر الفريق العامل في هذه الصفحة لهذا الاهتمام البالغ في فتح النقاش حول مواضيع مهمة جدا، وان تكون منصة (حوارات جيل الثورة) افقا مفتوحا للنقاش كما أنني اريد أيضا ان أوجه دعوة لكل المهتمين للانخراط في هذه النقاشات عبر كتابة مداخلاتهم وتعليقاتهم من اجل ارفاقها أيضا على المنصة. لإثارة النقاشات حول مجموعة من القضايا المهمة و التي تهم الثوار كشباب وكجيل للتأسيس.
اظن ان احد المواضيع المهمة في الساحة السياسية و الاجتماعية هو موضوع (العلمانية) لأنه مرتبط ارتباط واضح وصريح بموضوع السلام وفقا لما تبنته الحركة الشعبية لتحرير السودان / شمال في رؤيتها التفاوضية مع الحكومة.
محمد عادل:
أولا التحية للفريق العامل بالصفحة على هذه الفرصة ، انا سعيد جداً بكون الشباب السوداني استطاع أن ينفُض الغبار عن ترِكة النادي السياسة القديم ، وأن يتحرر من كهنوت التقليدية التي أصبغت تاريخ السودان بالفشل المُستمر وأدمنته حتى صارت الذات التي تنتِج التجارب الفاشلة موصومة بالسّودنة ، وهذا لا يوازي كمّ التضحيات التي قُدِمت من قِبل شعبنا ، ولكن وذات التضحيات هذِه لم يقابِلها كم معرفي من قِبل الشباب ليوازن الكفَّة ما بين العمل الثوري والنضال فوق الدستوري لهدم الأنظمة وما بين النضال الدستوري في طريق البناء.
– المحور/السؤال الأول:
1 – هل العلمانية شرط لتنظيم الفضاء السياسي أم أيدولوجيا ذات تأسيس فلسفي؟
حسان:
إن نظرنا الي السياق السوداني سنجد أن هذا الفضاء موجود ولكن يختلف شكله فهو مثلا قد يكون السوق او قد يكون المجلس او شجرة النيم التي يجلس فيها العمدة، لم يكن هذا الفضاء منفصل عن الاسرة نفسها لأن الفضاء العمومي داخل الاسرة على حسب هابرماس هو (الصالة) ومكان جلوس افراد العائلة وان نظرنا الى السودان سنجد أن طاولة (صينية) الغداء او في بعض المجتمعات العشاء او أخرى (شاي الصباح) تمثل هذا الفضاء العمومي، لأن الاسرة غالبا ما تجتمع لتقرر امر ما.
حسناً أظنه سؤالٌ جيد، و لكن دعنا نفكك هذا السؤال الى جزيئات صغيرة لكي نسهل على القارئ الإجابة، ولكي أجعل النقاش أكثر فهما أريد أن أطرح عليك سؤالاً ومن ثم أجيبك عليه، ما هو الفضاء السياسي؟ الفضاء السياسي بمعنى الفضاء العمومي، و أريد أن أقول العمومي حتى أكون أكثر شمولاً منك، سنجد هذه المفهوم متجذر في أطروحات هابرماس و أريدك ان تعود الى كتابه الفضاء العمومي الكتاب المنشور في العام 1978م،ستجد أن الفضاء العمومي هو – حلبة النقاشات التي التي تدور فيها السجالات وتتشكل فيها الآراء و المواقف التي تهم الناس-. أوجد هابرماس فكرة الفضاء العمومي من خلال قراءاته للسياق الأوروبي، و في نمط تشكله ويشير الى أن البرجوازية بمعنى السوداني البسيط مع اني ضد تبسيط هذه المصطلحات و المفاهيم بصورتها هذه لأنها تفرغها من محتواها و المقصود (هم الناس البيمتلكو قروش كتيرة وعندهم املاك كتيرة) هؤلاء إبتكروا مجالا للحوار و النقاش فيما بينهم لكي يضبطوا نقاشاتهم، تطورت هذه الفكرة داخل الطبقة البرجوازية حتى اصبح لدى الطبقة البرجوازية وعي كامل بهذه السلطة وتطور هذا الشكل حتى وجدنا أنفسنا في البرلمانات الحديثة (لقد اختصرت كثيرا اتمنى العودة لهذا الكتاب فهو مهم).
ان نظرنا الي السياق السوداني سنجد أن هذا الفضاء موجود ولكن يختلف شكله فهو مثلا قد يكون السوق او قد يكون المجلس او شجرة النيم التي يجلس فيها العمدة، لم يكن هذا الفضاء منفصل عن الاسرة نفسها لأن الفضاء العمومي داخل الاسرة على حسب هابرماس هو (الصالة) ومكان جلوس افراد العائلة وان نظرنا الى السودان سنجد أن طاولة (صينية) الغداء او في بعض المجتمعات العشاء او أخرى (شاي الصباح) تمثل هذا الفضاء العمومي، لأن الاسرة غالبا ما تجتمع لتقرر امر ما.
و هناك أيضا سلطة متشكلة، دعني اضرب لك مثال من الواقع السوداني شجرة النيم التي كان يجلس عليها العمدة لكي يفصل في القضايا كانت القرارات فيها تكون ذات سلطة معينة ومحددة لم يكن هناك نقاش يحدث بل تكون محكومة من قبل العمدة وممن يمتلكون أراضي (اطيان) أو رؤوس مواشي، كذلك على مستوى الأسرة لا يحدث نقاش كامل لان الأب كسلطة هو الذي يجلب الطعام سيكون متحكما يتحكم أيضا في جزء من هذا النقاش ويتخذ القرار الأخير كذلك الإبن الأكبر يلعب دور أولئك الذين يمتلكون اطيان لانه يمتلك قوة الجسد ويستطيع ان يزاحم الأب في دوره ودائما ما يكون هناك مقموع من قبل هذه السلطة، التي تتشكل في الفضاء العمومي.
و هو ما يحدث اليوم في الفيس بوك، تخيل ان عدد متابعيك او اصدقاءك يبلغون عشرة ألف مثل العديد من رموز المجتمع بالتأكيد ستكون متحكما في الرأي العام وفي توجيه الرأي العام، تماما مثل ما قام به (احمد الشريف) في دعمه لحمدوك استطاع اقناع العديدين بفكرا (شكرا حمدوك) بغض النظر عن موقفه الان، انها فكرة من يتحكم في الترند، لذلك تخيل معي ان هناك من يمتلك ومن لديه الأدوات و الإمكانيات بالتأكيد سيفرض عليك ما يقوله وما يعتقد من أفكار لذلك علي المستوى السياسي تكون العلمانية هنا شرط للتنظيم.
لكي يكون هذا النقاش مفتوحا و موجودا لكي يستطيع أبوبكر أداب، و يتمكن هشام شمس من التعبير عن وجهات نظرهم و حتى يتمكن انصار السنة من دخول البرلمان، لانها لن تمنعهم من هذا الفضاء العام او الفضاء السياسي، لانها لا تسأل عن منبت الافكار أو مرجعيته بل تخلق هذا التواصل الذي يتيح لان يقول كل ما لديه وتوفر له الحق الكافي في المساحة لكي يتحدث، لكي لا يأتي أحد ما ويقول لهم ممنوع الحديث في الطرقات بالمايكرفونات او يأتي أحد ليصادر عنهم هذا الفضاء و أريد اطأن اشير الى مقطع من فيديو شاهدته للمجذوب (منصة تأسيس او على ما اظن الاحياء و التجديد )
(يقول فيها فيما معناه: اذا دايرين علمانية نجي للشعب السوداني دا ويختار) هنا أقر المجذوب بالعلمانية واتفق مع مبادئ قيامها لذلك أرى العلمانية ضرورية للجميع ستقول لي ان هذه الديمقراطية واقول لك ان كان رفض العلمانية يرفض لذات الحجج بالتأكيد ستنطبق على ذات الديمقراطية لاني أرى أن أساس المفهوم مشترك ومتداخل وهو ما سنأتي إليه لاحقا.
هل هي ايدولوجيا؟ الايدلوجيا إن عدنا بها الى التأسيس الغرامشي للمفهوم سنجد أن الايدولوجيا مرتبطة بالطبقة المهيمنة و المسيطرة وتتحكم فيها السلطة، ان نظرنا الى تاريخ السودان سنجد ان الهيمنة في وقت ما كانت لليسار (لا اعني الشيوعي فقط) لذلك سنجد انه في وقت ما كانت الحياة في الفضاء العام تقوم على اساس يشبه الى حد ما الحياة في مدن اوربية او عربية اليوم، و انعكست هذه الصورة في الفترة الاولى من عمر الانقاذ، إذاً لكي نخرج من هذه الفخ، الفخ الذي تنظر فيه القوى السياسية الى الدولة كداة سلطة الى جهاز لضبط السلطة فيجب أن تكون الدولة في المستوى الحكم معلمنة، انظر الى تركيا و الى تونس ايضا هذه الدول تمت علمنتها بصورة عنيفة (وانا أرفض هذا النموذج) الا أن الحركات الاسلامية وصلت الى البرلمان و الحكم، لأنه هناك تأسيس يكفل لها هذا الحق و لا يصادره، اذاً المعنى هنا ليست هل هي ايدولوجيا ام لا، بل هل توفر علمانية الدولة هذه المساحة للتنظيمات و الجماعات السياسية ان تقدم رؤيتها وافكارها؟
على المستوى الفلسفي وتاسيساته هذا شئ اخر ربما اناقشه فيما بعد.
محمد عادل:
العلمانية علمانيات، فهي خاضِعة للصيرورة التاريخية وبالتالي هي ليست شيئاً جامِداً ، وبالنسبة لي هي إحدى القضايا التي يتم تناولها في فضائنا السياسي بتسطيح شديد ، ولا يمكن فهم العلمانية اليوم بدون معرفة كيف بدأ الصراع في أوروبا وكيف مارست الكنيسة القهر السُلطوي على تلك المجتمعات
العلمانية علمانيات، فهي خاضِعة للصيرورة التاريخية وبالتالي هي ليست شيئاً جامِداً ، وبالنسبة لي هي إحدى القضايا التي يتم تناولها في فضائنا السياسي بتسطيح شديد ، ولا يمكن فهم العلمانية اليوم بدون معرفة كيف بدأ الصراع في أوروبا وكيف مارست الكنيسة القهر السُلطوي على تلك المجتمعات ، وأيضاً معرفة المناخ الثقافي الفِكري أو دعنا نقُل معرفة العقل الذي أنتج العلمانية ، ذاك العقل الأوروبي الغربي ، إبتدائاً من العقل الأرسطو/طاليسي ( القرن ٩م – ١٤م ) ونمط التفكير المنطقي مروراً بالمدرسة الإسكولائية أو الفلسفية لسان طومس إكوينس و توما ألاكويني ( القرن ١٤م – ١٧م) ، إنتهاءً بالعقل الديكارتي الذي أنتج عصر الحداثة وإرهاصاتها التي لا زالت تعاش اليوم في واقعنا.
هناك إشكال كبير جداً في المصطلح ، فلفظ علماني بالعربيّة يُقابل مصطلح “Secular” ، من عالم أو عَلم ويُفترض أن يُقابل مصطلح “Saeculum” ، وهي من اللاتينية وتعني عصر/حقبة زمنية. وهنا ممكن ننتبة أيضاً لمصطلح “الدهرية” الذي إستخدمه الأفغاني في مقاله رد على الدهريين.
نشأ هذا المصطلح أيضاً داخل الأوساط الكنسية فأصبح وصف العلماني هو وصف لمن يتبع كنيسة وهو غير رجل دين أي الموظفين من الكنيسة الذين يعملون مع الشعب في المطرائيات والأسقفات ، وهذا هو المعنى الذي بقي في المعاجم اللغوية ، أيَّ أن العلمانية مفردة تحوّلت الى مصطلح قبل أن تتحول الى مفهوم يشكّل أداة تحليلية في العلوم الإجتماعية من جهة ، وقبل أن يتحول أيضاً الى تعبير أيدولوجي من جِهة أخرى.
لكن العلمانية كما نستخدمها اليوم والتي تُعبر عن توجه فكري معين قد قام بنحتها كمصطلح جماعة المثقفين الأحرار في بريطانيا وبالتحديد جون هيليوك “1851 م” ، وقد قال عن هذا المصطلح فيما معناه أن العقل يتعامل مع القضايا الإنسانية دون الحوجة الى تفسيرات -ما وراء- الطبيعة ، ولكن تراجع هيليوك لاحقاً عن هذا المصطلح متأثراً بالمدرسة الوضعية لأوقست كومت وإستخدم مصطلح “اللاأدرية” أي أنَّه لا توجد معايير معرفية للعلم للبت في قضايا الماورائيات .
لاحقاً هناك تأسيس فلسفي للعلمانية أوجده عالم الإجتماع الألماني ماكس فبير ، بعد التفاؤل الذي ساد الأوساط الأوروبية وقتها بعد المنجز العلمي الكبير إبان الثورة الفرنسية في حقل العلوم الطبيعية فدعى فيبر لما سماه “علمنة صور العالم” أي دنيوة في وصف صيرورة إقِصاء الدين.
إذا يبدو أن العلمانية خاضعة لما يسمى المتتاليات في الإصطلاح ، فقد شملت معنى معين ثمَّ تطورت بعد ذلك من كونها موقف يدعو لتحييد شأن الدين في الفضاء العام ، الى كونها أيدولوجيا تتخذ موقف سلبي تجاه الدين بل وتدعو تدعو الى علمنة صور العالم ، أي علمنة الثقافة والفن وغيره.
السؤال/المحور الثاني:
2 – هل العلمانية شرط أساسي لقيام الدولة السودانية الحديثة؟
حسان:
ماهي الدولة السودانية الحديثة، إنها الدولة التي تشكلت ما بعد 1821،وهنا أذهب الى القدال (تاريخ السودان الحديث) سنجد ان الوحدة السياسية هذه نتيجة لنموذج محدد اتى به محمد على باشا من مصر، إن نظرنا الى مصر سنجد ان ما قام به محمد على باشا في مصر هي عملية علمنة سمحت لانتاج نخبة سياسية تمكنت من إفراز هذه الافكار المقابلة للعلمانية وستجد ان (الافندية) كطبقة حديثة تشكلت في هذه الحاضنة، الحاضنة التي انجبت على عبد الرازق و انجبت فيما بعد حسن البنا، اذاً عملية تأسيس الدولة الحديثة تطلب هذا الفصل و عملية النهضة وانتاج المعارف و العلوم بشكلها الذي يسمح ببناء الدولة ومن ثم تعال لننتج نموذج اسلامي او ماركسي او ليبرالي سوداني اصيل، دعونا نعالج هذه التشوهات التي انتجتها الدولة الحديثة، و هنا لا أناقش البعد الاجتماعي وانما اناقش البعد السياسي، على الدولة ان تضع حدا لهذا التشوه وعلى المجتمع ان يفهم هذا. هذا الفهم هو مربط الفرس لقد ظلت المجتمعات في السودان تنظر للدولة انها اداة في يدهم وانها سلطة يجب ان تقوم باستخدامها، علينا ان نؤسس للدولة على انها مجال متمايز يحفظ حق الجميع و انها ليست خاضعة لجهة او لجماعة او لرؤية سياسية محددة وانما الدولة كمؤسسة وكمجال رسمي لها مسيرتها المنفصلة عما يحدث في المجال العمومي، هذه الفكرة قديمة ولكنها ضرورية،ضرورة تاريخية للحفاظ على وحدة هذه المجتمعات.
بمعنى انها على المستوى السياسي ضرورية وشرطية لتأسيس الدولة الحديثة الوطنية السودانية،لماذا لننتج معرفة سودانية و منتوج تاريخي سوداني،في الاسلام وفي الماركسية و في الصناعات وفي المؤسسات و حتى يستطيع هذا المجتمع التنفس و الابداع.
محمد عادل:
حسناً دعونا نُطلِق تساؤلاً هنا ونُجب عليه ، ما هي الدولة الحديثة ؟ وهل كانت ذات أرتباط بالعلمانية قِبلاً في تطورها التاريخي ؟ الدولة الحديثة هي دولة ما بعد وستفاليا ، وتشكّلت ملامحها إبان الصُلح بتوقيع المعاهدة بين البروتستانت والكاثوليك بعد عُصارة حرب إمتدَّت لثلاثين عام ، و حتى ذلك الوقت لم يتبلور مفهوم العلمانية بل كانت أشبه بحركة إجتماعية عفويّة إستفحلت كرد فعل على ممارسات الكنيسة وإحتكارها مشروعية تفسير الأنجيل ونهب المال العام وإدعاء بيع صكوك الغفران والأراضي في الجنّة.
النظام الذي ساد أوروبا لاحقاً كان نتاجاً لمشروع الحداثة ومساهمات عصر التنوير ، فعلى المستوى السياسي كان الانتقال من علاقات السلطة الملكية للسلطة الجمهورية ، وإقتصادياً كان التحول من نمط الانتاج الاقطاعي لنمط الانتاج الراسمالي الحديث القائم على مبدأ العمل الماجور ، و إجتماعياً كان الانتقال من علاقات الاجتماع القائمة على نظم وقواعد الاخلاق الكنسية الي قواعد جديدة تسمي مدنية مثلاً الانتقال من الزواج الكنسي للمدني.
إذاً يبدو أن العلمانية بالتحديد ليست جزءاً أصيلاً من الحداثة ، فالعلمانية ذاتها أتت كنظام قانوني يفرض فصل الدين عن الدولة في أوروبا وبالتحديد في فرنسا في العام 1905 بمفهوم آخر هو “laicit’e” أي الائكية ولذلك لا يوجد مقابل لمصطلح علمانية في اللغة الفرنسية.
أعتقد أن ما نحتاجه اليوم هو “الدولة الحديثة” ومبادئها ، التي تتحدث عن المواطنة و الديمقراطية والدولة القُطرية وحقوق الإنسان ، كما دعى لها الجابري ، والتي تبدو مضمنة في إعلان حقوق الإنسان وإعلان حقوق المواطن في فرنسا وهي بالتحديد نتاج للثورتين الأمريكية والفرنسية.
دعني أعرج على نقطة ذكرها حسان سابقاً وقام بالربط فيها بين الديمقراطية والعلمانية ، فبالنسبة لي أن تتبنى الموقف العلماني ليس بالضرورة أن تكون ديمقراطياً ، فلقد شاهدنا التجارب الديكتاتورية للعلمانية ، بل وردَّتها حتى على النظام الديمقراطي ، فقد كانت التجربة الديكتاتورية العلمانية ماثلة من قِبل النظام البعثي في العراق لصدام حسين ، والأسد في سوريا ، والسيسي اليوم في مصر ، وقد قام الأتاتوركيين في الجيش التركي بإسقاط نجم الدين أرباكان إبن الحركة الإسلامية ، وقام بوتفليقة بالتآمر على علي بالحاج في الجزائر.
انا الى حدٍ ما أعتقد أنَّ جدل الثنائيات هذا إسلامية/علمانية قد أوقع العالم العربي والإقليمي في صراعات أيدولوجية لا متناهية ، وقد أتبنى قول عزمي بشارة في دعوته لإعادة الإصطفاف ” دعونا نصطف كديمقراطيين وغير ديمقراطيين وليس كإسلاميين وعلمانيين “.
تنبه محمد عابد الجابري ربما مبكراً إلى ضرورة الابتعاد عن العلمانية والتركيز على العقلانية والديمقراطية، والسبب في ذلك أن الجابري اعتبر مسألة العلمانية على المستوى العربي مسألة زائفة أو مصطنعة وقال : “إن الحاجة إلى الاستقلال في إطار هوية قومية واحدة والحاجة إلى الديمقراطية التي تحترم حقوق الأقليات والحاجة إلى الممارسة العقلانية للسياسة هي حاجات موضوعية فعلا، إنها مطالب معقولة وضرورية في عالمنا العربي ، ولكنها تفقد معقوليتها وضروريتها بل ومشروعيتها عندما يعبر عنها بشعار ملتبس كشعار “العلمانية”.
قد لا يكون الجابري قد جانب الصواب في موقفه من العلمانية، لكنه جانب الصواب حين أكد على أولوية الديمقراطية في عالمنا العربي والإقليمي فإن طرح مسألة العلمانية عشية الانتقال الديمقراطي الذي تشهده الدولة السودانية اليوم بين علماني وديني، سيؤدي إلى طرح مسألة الهويات، وبالتالي الذهاب إلى الاحتراب الأهلي بدلا من الذهاب نحو التعددية في إطار الوحدة السياسية.
المحور/السؤال الثالث:
3 – ألا يجب أن يكون خيار العلمانية مطروحا لكي يحدده الشعب بدلاً من أن يفرض عليه؟
حسان:
كل شئ يجب أن يكون خيار. حتى قوانين الشريعة الاسلامية التي طُبقت جزافاً كانت تمهيداُ لعمل سياسي وليس عمل إجتماعي ناتج عن خيار واعي وصل إليه الشعب، و ما تلى هذه المسألة كارثة حقيقية للإسلاميين و لغيرهم ، لأنها فترة أتاحت لتمكين بذور السلطة الوحشية التي تذوق الجميع من كأسها، حتى دكتور حسن عبد الله الترابي تذوق من ذات الكأس التي أتت بها هذه القوانين، لذلك أنا اقول بأن العلمانية في السياق السياسي وجدت في دستور 2005 بصورة صريحة و واضحة ولكن على اساس ممارسة السلطة عكس ذلك لماذا؟ لأن هذه الحاضنة السلطوية لم تكن تؤمن بهذا الدستور بل كانت نظاما شموليا حتى و لو تبنى العلمانية، أما إذا سألتني عن ما يدور في التفاوض اظن انه من حق الحركة الشعبية ان تطالب بالعلمانية وهذا في اطار التفاوض الحكومي / الحركة ولا اقول علمنة المجتمع بالسلطة و القوة،وكذلك من حق الاسلاميين ان يدفعوا بورقة ايضا ويقدموها للحكومة لكي يوضحوا رؤيتهم ويخرجوا للناس ليقدموها اما ان يتحدث جزء من هذه الكتل ان المجتمع يريد فهذه خدعة.
محمد عادل:
للأسف أن العلمانية في عالمنا العربي والإقليمي لم تكن يوماً نتاج لمناخ ثقافي إجتماعي نشأ داخل المجتمعات وأقرّت بها ، بل فُرِضت بقوة من قبل الأنظمة ، ومارست أشدَّ الممايزات السلبية قسراً ضد الدين ومظاهره ، فشاهدنا تجربة نزع الحجاب للمرأة في سوريا والعراق للنظام البعثي بأمر البوليس ، وتجربة نظام الشاه في إيران ، و أيضاً الحبيب بورقيبه في تونس الذي وصف الحجاب بأنّه “خِرقة بغيضة” ، وفي تركيا أيضاً.
اليوم رأينا موقف حركة جيش تحرير السودان بقيادة “عبد العزيز الحلو” وفرضه العلمانية كموقف تفاوضي وغيره من حركات السودان الجديد ممن يرون فيها الحل ، ولهم الحقَّ في إتخاذ هذا الموقف والسِّجال به كمعترك فكري ، لكن الأعجب من ذلك إختباء المثقفين العلمانيين وتنكرهم ومحاولة هروبهم من دورهم التاريخي بطرح العلمانية للشعب والإختباء حول السلاح لدعم الحلو .
البت في قضية العلمانية بالنسبة لي يجب أن يكون في مؤتمر دستوري جامع ينتخب فيه الشعب السوداني ممثليه وكل نظام يُفرض يجب أن يرتضيه الشعب فهذه الروح الديمقراطية بشرط خضوع كل الفاعلين للعملية السياسية سواء الإسلاميين أو العلمانيين وإعترافهم بمبادئ الدولة الحديثة التي ذكرتها مسبقاً.
السؤال/المحور الرابع:
4 – نشأت العلمانية في سياق مختلف زمانيا و مكانيا فهل يصح إستيرادها هنا في السودان؟
حسان:
يفهمه المجتمع وما يفهمه المجتمع هو حالة مختلفة عما اظنه أنت أو أنا أو تلك النخبة المتعلمة، لذلك دعونا نعمل على أن نؤسس، لحقبة سياسية مختلفة بعيداً عن هذا التنازع المتوهم الذي لا أساس له في المجتمع
لا أظن ان تعبير إستيراد هذا مناسب، لا يوجد فكرة مستوردة واخرى غير مستوردة جميع هذه الافكار متأثرة وانساقها متداخلة، ولكن الفارق في مسألة النموذج، إن أطلقت على فكرة ما أنها مستوردة أو غير مستوردة، فماذا يقول الواقع هذا هو المحك واعتقد الواقع معقد بكثير، و إن نظرت الى سلطنة الفونج و بعض الممالك التاريخية في السياق السوداني طبقت نموذج هذا التمايز في المجالات و طبقت فصل الدين عن مؤسساتها، و هناك أيضاً مجتمعات زراعية تاريخية كانت معلمنة، ولكن ما الذي قامت به السلطة طوال تاريخ هذه المجتمعات سنجد ان هناك حديث مختلف تماما، أنا هنا لا اقول انها علمانية وفق ما تفهمها النخب ولكن وفق ما يفهمه المجتمع وما يفهمه المجتمع هو حالة مختلفة عما اظنه أنت أو أنا أو تلك النخبة المتعلمة، لذلك دعونا نعمل على أن نؤسس، لحقبة سياسية مختلفة بعيداً عن هذا التنازع المتوهم الذي لا أساس له في المجتمع بل هي قضايا متخيلة، دعونا نقدم ثمن ونتنازل من كل الاتجاهات السياسية، لان هذه الثلاث سنوات هي تحدي بناء حقيقي للدولة السودانية الوطنية الحديثة.
محمد عادل:
أعتقد أنَّ محاولة إخراج الدين من الفضاء العام قد تبدو آثارها سالبة على مجتمعنا
هنا يجب علينا الحديث عن مدى دراسة تركيبة الشعب السوداني وحضور الدين الكثيف في الفضاء العام ، فلا يمكن لشخصية أن تتخيل نفسها دون اعتبارها في سياق اجتماعي ما ، وبناء عليه فإن المعايير والقناعات الاجتماعية هي التي تحدد للأفراد اختياراتهم بالدرجة الأولى ، ولذلك فالدين ليس مجرّد علاقة بين العبد وربه ، بل لهُ حضوره الاجتماعي والثقافي ، فهناك من يصوَّت على أسس دينية ومن يشتري/يتاجر وهناك من يتزوج والخ..
انا أعتقد أنَّ محاولة إخراج الدين من الفضاء العام قد تبدو آثارها سالبة على مجتمعنا فحتى مدارس الغرب اليوم وبالتحديد ما بعد الحداثة ممثلة في عرَّابها هابرماس تتحدث عن عودة الدين للفضاء العام وعدم إمكانية حدوث قطعية شاملة ما بين الماضي (العصور الوسطى) واليوم كما تبنته مدارس الحداثة وعصر التنوير.
أعتقد أنَّ وعلينا البحث عن نموذج دولة ذات حداثة جديدة تتبنى العلم والتكنولوجيا ولا تضرب بقيم الإنسان ومُثلِه وجوانبه الروحيّة عرض الحائط هذا هو التحدي القائم.

عن المحرر

Scroll to Top