Hiwaratjeel

مفوضيات الفترة الانتقالية

مفوضيات الفترة الانتقالية

عزة مصطفى : أستاذة جامعية و باحثة في القضايا السياسية

شكراً أ. عزة مصطفى على تلبية دعوة النقاش حول مفوضيات الفترة الانتقالية، دعيني أولاً أعرفك على طبيعة عمل المنصة (حوارات جيل الثورة) هذه المنصة تسعى إلى فتح أفق جديد اتجاه القضايا الوطنية وتشكيل رأي يقوم على أسس منهجية مقبولة وسط فئات المجتمع ونبش ما يمكن الوصول إليه من التاريخ السياسي وما يتم مواجهته خلال الفترة الانتقالية.

بخصوص المفوضيات نصَّت الوثيقة الدستورية في المادة 20، على تكوين مفوضيات فترة انتقالية وجعلت هذا الأمر بيد رئيس الوزراء، الجهاز التنفيذي ولكن حتى هذه اللحظة لم نشهد تكوين أي مفوضية من هذه المفوضيات، مما يطعن في مصداقية عمل الحكومة والتأسيس إلى فترة انتقالية متزنة وتأسس لانتقال ديمقراطي حقيقي عبره نذهب باتجاه تحول مهم ولكن ما الذي حدث؟ هذا ما سنحاول اكتشافه من خلال هذا النقاش.

هنالك سؤال يدور في أذهان العديد من أبناء الشعب السوداني ، ماهي المفوضيات وما هي أهميتها حتى تكون هدف كافة قوى الثورة الحية في الوقت الراهن؟

بحسب ماجاء في الفصل الثاني عشر من الوثيقة عن إنشاء مفوضيات مستقلة تنص على “تكوين 11 مفوضية مستقلة، ، وهي مفوضيات: السلام، الحدود، الانتخابات والدستور، المرأة، العدالة الاجتماعية، مكافحة الفساد، الأراضي، حقوق الإنسان،الاصلاح القانوني، وإصلاح الخدمة المدنية.”

المفوضيات عبارة عن أجسام إدارية يتم إنشائها من أجل تقديم العون التقني للمؤسسات الحكومية أو مجلس الوزراء في بعض القضايا التى أنشأت من أجلها كمثال قضايا المرأة، السلام والانتخابات….الخ. تعمل المفوضية كقناة مابين الجماهير والحكومة/ القوى الحاكمة في توصيلها لمطالب الجماهير حول القضية المُعينة، وتسعي لإيجاد الطرق والوسائل لحلها أو تحديد مُسبباتها كتشريح للقضية كيفية إيجاد السبل لجمع الأطراف المشتركة في القضية عينها. كما للمفوضيات مهام أساسية في البناء الدستوري للدولة، وذلك لأن أمرها بألتاكيد سوف يُسند للمختصين والخبراء/ت كل في مجاله شرطًا أن تكون قومية بعيداً عن الانتماءات ومُستقلة. وهو أمر سوف يساعد في اتساع عميلة البناء والتعمير، عملًا بالمثل” أعطي الخبز لخبَّازيه”

تتمسك قوى الثورة بإنشاء المفوضيات في الوقت الحالي لضمان العمل الديمقراطي ، في كونها تمثل المساحة المتاحة للجميع بمناقشة قضاياهم والتشارك في ماهية الحلول ووضعها خاصة قضايا السلام والعدالة الأنتقالية.

من واقع الحال كيف يمكن فهم طبيعة عمل المفوضيات في الفترة الانتقالية، أو ماهي المحددات التي من خلالها نفهم طبيعة عمل المفوضيات خلال الفترة الانتقالية بجانب هياكل أخرى موجودة؟

تستمد المفوضيات قوتها من الإعلان الدستوري والوثيقة الدستورية، على الرغم من تحديد بُعد تبعيتها لجهاز الدولة لكنها كما أسلفت تعمل كجهة فنية مساعدة لمؤسسات الدولة في المجالات التى أنشئت بغرضها. هي بالتأكيد جزء من تركيبة السلطة الانتقالية، وتوازي قوتها قوة الحكومة والمجلس التشريعي وذلك في مجال مناقشة القوانين، الدستور، الخدمة المدنية وإصلاحها………الخ. فطبيعة عمل المفوضيات يكون في أنها أدوات تنفيذ لقضايا مهمة وحيوية في الفترة الانتقالية تسعى لوضع أطر عامة وخطط واضحة لتنفذها أجهزة الدولة المُختصة.

يقول البعض أن المفوضيات مدخل لإعادة بناء الدولة ، هل هناك نماذج عالمية يمكن عن طريقها فحص مدى صحة هذه المقولة أم أن المفوضيات لها محدودية إتجاه هذا الإرث من الفشل؟

تمثل تجربة جنوب أفريقيا نموذجاً واضحاً لمدى مساهمة المفوضيات المُختلفة في تأسيس دولة مابعد نظام الفصل العنصري، سميت باللجان وكل لجنة أوكل لها مهمة محددة لإنجازها وقد عملت تلك اللجان بتوافق ومهنية عالية إستطاعت أن تؤسس لعمل ديمقراطي واضح وفترة انتقالية مستقرة مهدت الطريق للقادم وفي كيفية إدارة الدولة وفقاً لأطر قومية شاملة سمتها الأساسية القومية الجامعة.

كذلك من التجارب الناجحة التجربة الرواندية، كما هو معلوم للجميع كيف عانت رواندا من طحن الحروب الأهلية التى دمرت الانسان الرواندي وأفقرت البلاد لزمن ليس بالقصير.

على اختلاف النماذج للجان،هيئات أو مفوضيات تختلف التسميات وتتشابه المهام، بالطبع لكل دولة خاصيتها فيما يتعلق بعملها وهياكلها إلا أنه من الواضح أن الدول تستفيد من تجارب بعضها البعض في أثناء الفترات الانتقالية، مثلت جنوب أفريقيا تجربة مُلهمة للعديد من الدول في أفريقيا كسيراليون، رواندا والمغرب وغيرها، وهي دول تحاول جاهدة/ جادة في بناء دولة ديمقراطية، ومتعايشة سلمية.

هنالك العديد من القضايا التي نرى تأخيراً فيها مثل السلام و النازحين و هيكلة الخدمة المدنية هل من الممكن القول أن غياب المفوضيات ساهم في التأخير وهل يمكن تعويض هذه المفوضيات بنوع آخر من أنواع المؤسسات ، أم أن هذا سيخلق تشوه إضافي للدولة و الفترة الانتقالية؟

قد يكون لتأخر قيام المفوضيات مساهمة بصورة أو بأخرى في تأخر تنفيذها والوصول إلى حل فيها، لكن من غير الأكيد أن ننسب تأخر حل قضايا السلام والنازحين بتأخر قيام المفوضيات وحسب، كما نعلم للسلام عمليات تتم في جوبا بين حركات الكفاح المسلح والجانب الحكومي وهي تتعثر تارة وتتقدم تارة لأسباب خاصة بالأطراف محل التفاوض، وهي ذات الأسباب التى تؤخر عملية إنشاء المفوضيات لحين توقيع إتفاقيات السلام ومشاركة/ تمثيل جميع الأطراف في المفوضيات. فيما يخص تعويض عمل المفوضيات بنوع آخر من المؤسسسات يعتمد على الأداء الحكومي بصفة عامة وسيطرة البطئ في الاجراءات التنفيذية للحكومة وهو أمرمفهوم في إطار الورثة الثقيلة التي ورثتها الحكومة الانتقالية، غير أن كثير من القضايا تحتاج للحل الثوري والسريع خاصة وأن “المتربصين” يسعون بكل ما أوتوا من قوة لإفشال الحكومة الانتقالية. مؤكد أن أي نوع من أنواع الترهل وزيادة المؤسسات الحكومية في هذه الفترة يُشكل عبء إضافي عليها ويزيد بالطبع من التقاطعات بين المؤسسات والإدارات، ويزيد من التأخير وضعف الانجازات.

هل هناك مصلحة لجهة ما من تأخر هذه المفوضيات؟

قد تكون بعض الجهات مستفيدة أو ذات مصلحة في تعطيل قيام بعض المفوضيات خاصة مفوضية محاربة الفساد، الأراضي وحقوق الأنسان، تلك المفوضيات سوف تقوم بكشف كثير من التلاعب في الأراضي كمثال وخاصة بعد ما كشفت لجنة إزالة التمكين عن أعداد كبيرة من الأراضي كانت ملك عام انتفع منها عدد قليل من منسوبي/ت النظام البائد. مفوضية محاربة الفساد أيضاً يمكن لجهات كثيرة أن يكون من مصلحتها تعطيل قيامها خوفاً من المسائلة والمحاكمة وكذلك المصادرة لجميع ممتلكاتهم التى تحصلوا عليها بسبب الامتيازات أو العلاقات القريبة من النظام البائد، أما فيما يخص بقية المفوضيات ففي تقديري أن الجميع خاسر في حالة تعطيل أو تأجيل قيامها خاصة مفوضيات السلام، الانتخابات، المرأة والدستور، فهي مفوضيات يمكن أن تساعد وتنجز العديد من المهام الخاصة بعملها في فترة محدودة وقصيرة هي عمر الفترة الانتقالية، فأي تأخير في عملها أو السعي لعرقلة أدائها سوف يعرقل إنجاز الغرض الذي أُنشئت من أجله وبالتالي الوقوف في المربعات الأولي.

ما الذي يمكن أن ينجم عنه تأخر المفوضيات في نهاية الفترة الانتقالية؟

تأخر قيام المفوضيات يمكن أن يرُسل رسالة سالبة للجماهير في أن الأطراف غير قادرة على إنفاذ ما جاء في الوثيقة الدستورية وأن الحكومة غير قادرة على لملمة القضايا، وبالطبع هي نوع من أنواع التقييم للأداء وكذلك يعكس للشارع مدى انسجام أو أختلاف أطراف الحكم فيما بينهم ويوضح أمراً يتعلق بالاستراتيجيات، الخُطط والرؤى التى تعمل بها الحكومة في مدة الفترة الانتقالية.

يمكننا القول بأن أي تأخير في قيامها سوف يكون مؤشراً واضحاً على تلكؤ الجميع في الإيفاء فيما التُزم به سابقًا وأن الأمر مازال حبراً على ورق.

عن المحرر

Scroll to Top