Hiwaratjeel

الحرب و السلام

الحرب والسلام في دارفور: المستوى الاجتماعي للصراع في دارفور

محمد الكامل : مهتم بقضايا السلام و التنمية 

نقصد بالمستوى الاجتماعي للصراع النزاعات بين المكونات الاجتماعية -القبلية والإثنية في العادة- التي تكتسب معيشتها بطرق تقليدية هي الرعي والزراعة، وعادة ما تكون هذه النزاعات على موارد طبيعية مرتبطة بالمعيشة التقليدية لهذه المكونات الاجتماعية كالمياه والمراعي، أو بالحق القانوني في الوصول إلى هذه الموارد في حالة النزاعات على حيازة وملكية الأراضي، كما يمكن أن تنشأ نزاعات بين قبائل مختلفة نتيجةً لجرائم جنائية كالقتل أو النهب. ولكن سيكون تركيزنا في هذا المقال على النزاعات التي يكون محورها الموارد الطبيعية أو الحق في الوصول إليها.

يكمن السبب في التركيز على هذا الجانب في كونه الأكثر تأثيراً على النزاع الاجتماعي في دارفور وخصوصاً بعد عام 1980، كما سنلاحظ أنه الأكثر تأثيراً على المستويات الأخرى عندما ننظر إلى تاريخه في نهاية هذا المقال وعند دراستنا لمستويات الصراع الأخرى في المقالات المقبلة.

وبشكل عام، سنلاحظ خلال هذا المقال أن الصراع الاجتماعي في دارفور متأثر بثلاثة عوامل، وهي:

  • النمط التقليدي السائد للمعيشة والإنتاج الاقتصادي في دارفور.
  • نظم وقوانين حيازة وتملك الأراضي في دارفور.
  • التغييرات البيئة والديموغرافية والسياسية التي ألمت بدارفور والمناطق المجاورة لها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

تكمن العلاقة بين هذه العوامل وبين الصراع الاجتماعي في دارفور في تحديدها لما يقوم حوله الصراع، وللأسس التي يتم عبرها الاصطفاف فيه. فنجد أن الصراع في جله يدور حول الوصول إلى الموارد الطبيعية الضرورية للرعي والزراعة كالمياه والمواشي، وهنا تكمن أهمية العامل الأول بتحديده لما يقوم حوله الصراع، كما أن جزءًا كبير من النزاعات وبالأخص في السبيعينات والثمانينيات يدور بين المكونات الاجتماعية التي لا تمتك “دياراً” (أو أرضاً) وبين تلك التي تمتلكها، وهنا تكمن أهمية العامل الثاني بتحديده للأسس التي يتم عبرها الاصطفاف في النزاعات الاجتماعية، وأخيراً، تأتي أهمية العامل الثالث من كونه السبب في تفجر الأوضاع في دارفور في الثمانينات، حيث كانت التغييرات البيئة والديمغرافية والسياسية التي حدثت في الإقليم سبباً أساسياً في تفجر النزاع الاجتماعي فيه.

تم تقسيم هذا المقال بناءً على ما سبق، بحيث يقدم قسمه الأول خلفية عامة عن أساليب كسب العيش في دارفور، ويقدم قسمه الثاني توضيحاً لنظام حيازة وتملك الأراضي وتطورها تاريخياً، بينما يقدم قسمه الأخير توضيحاً للتغييرات التي حدثت في السبعينيات والثمانينيات، وكانت سبباً رئيسياً في تفجر الأوضاع بعد ذلك، إضافة إلى تقديمه لسرد تاريخي للنزاع الاجتماعي في هذه الفترة، والذي مهد لاشتعال الحرب عام 2003.

خلفية عامة عن أساليب كسب العيش في دارفور

اقتصاد دارفور اقتصاد معيشي وتقليدي في مجمله، أي أنه قائم على أساليب تقليدية للإنتاج بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي للسكان من الموارد المنتجة، عوضاً عن بيعها في السوق. وبالتحديد يعمل 80% من سكان دارفور في الرعي أو الزراعة [1]، مع وجود مجموعات تعمل في التجارة أو الوظائف في المدن، وتحظى القطاعات التقليدية بأهمية أكبر في سياق حديثنا لارتباطها بالنزاع الاجتماعي في دارفور.

المصدر: (السودان: حروب الموارد والهوية، د. محمد سليمان محمد)
المصدر السابق

بشكل عام توجد ثلاث أنماط تقليدية عامة لكسب العيش في دارفور، تتوزع جغرافياً من شمال دارفور إلى جنوبها، وفي العادة، تمارس كل مجموعة قبلية وأو إثنية نشاطاً محدداً من هذه الأنشطة المعيشية. ففي شمال دارفور تكثر مجموعات العرب الرحل الذين يعيشون على رعاية الإبل “الأبالة”، كالرزيقات والمهيريا والعريقات، إضافة إلى القبائل الرعوية غير العربية كالزغاوة. أما أغلب المجموعات الموجودة في وسط دارفور فهي من مجموعات غير عربية ومستقرة تعيش من الزراعة، كالفور والمساليت والبرتي والبرقو، وأخيراً تعيش مجموعات من العرب في جنوب دارفور وتعيش على رعاية البقر “البقارة”، كالرزيقات والهبانية وبني هلبة والتعايشة والمسيرية [2]. وإضافة إلى التباين في أنماط المعيشة بين هذه المجموعات فإنها تتباين كذلك في امتلاكها للأراضي أو “الديار”، فنجد أن العرب الأبالة الموجودين في الشمال لا يمتلكون “دياراً”، بينما تمتلك القبائل المستقرة في وسط دارفور “دياراً”، وتشاركها في ذلك القبائل الكبيرة من العرب البقارة في الجنوب، مع عدم امتلاك عدد من القبائل الأصغر في جنوب دارفور ل”ديار”[3] .

تحظى الطبيعية التقليدية للاقتصاد في دارفور بأهمية شديدة في فهم النزاع في دارفور لأنها تعني ارتباط حياة السكان ومعيشهم مباشرةً بقدرتهم على الحصول على الموارد الطبيعية، كالمياه والأعشاب للمواشي، وترتبط إمكانية الحصول على هذه الموارد بالحق القانوني في امتلاك الأرض أو استخدامها، كما تتأثر بشدة بالظروف الطبيعية التي تؤثر على إنتاج الأرض وتوفر الموارد كموجات الجفاف. وسنجد في بقية هذا المقال أن للتغيرات التي جرت على هذين العاملين أثر كبير على النزاع في دارفور، فقد أدت موجات الجفاف التي ضربت دارفور في السبعينات والثمانيينات إلى نقص عام في الموارد الطبيعية المتاحة للسكان، ومن ثم أدى التفاوت القانوني في الحق في امتلاك الأرض واستخدامها إلى نشوب النزاع حول خط محدد بين المجموعات التي تمتلك دياراً والمجموعات التي لا تمتلكها.

تطور نظم ملكية وحيازة الأرض عبر تاريخ دارفور

يرتبط النزاع الاجتماعي والسياسي في دارفور ارتباطاً وثيقاً بنظم وقوانين حيازة وتملك الأراضي، حيث نجد أن النزاع في جوهره هو نزاع على موارد مادية قليلة وتمثيل سياسي محدود، ويمثل تملك الأرض وحيازتها الوسيلة الوحيدة لضمان الحصول عليهما. وبالتحديد، نلاحظ أن ملكية الأرض في أجزاء واسعة من دارفور، ومن قبل تكوين سلطنة الفور وحتى يومنا هذا، كانت مرتبطة بالقبيلة بشكل أو بآخر، على عكس الملكية الفردية للأرض التي تمثل نظام شائعاً ومألوفاً في العديد من المجتمعات الحديثة. ينشأ النزاع من حقيقة امتلاك مجموعات محددة (المجموعات الزراعية المستقرة في وسط دارفور، والمجموعات العربية الموجودة في جنوبها) للأراضي، وعدم امتلاك مجموعات أخرى لها (العرب الأبالة في شمال دارفور والمجموعات العربية التي هاجرت إلى دارفور من تشاد).

لقد تطورت نظم حيازة وامتلاك الأراضي عبر حقب متتابعة من تاريخ دارفور، فالأرجح –رغم قلة المصادر عن هذه الفترة- أن الأراضي امتلكت بشكل عام ومشاعي من قبل القبائل التي قطتنها قبل قيام سلطنة دارفور، وبعد قيام السلطنة أصبحت كل أراضيها ملكاً لسلطان دارفور الذي كان يقوم بتوزيع حقوق استخدام الأرض والاستفادة منها عبر نظام يسمى نظام الحواكير، وقام الاستعمار بتثبيت ارتباط القبيلة بالأرض في دارفور وإدراجه تحت هياكل الدولة الحديثة التي أنشأها مع إحداث تغييرات محددة عليه، وظل الحال كما هو عليه بعد الاستقلال رغم المحاولات الفاشلة لعدد من الأنظمة السياسية لتغييره. إنّ النظر إلى هذا التطور التاريخي لنظم حيازة الأراضي في دارفور مهم لمعرفة الطريقة التي تفاعلت بها هذه النظم مع الأنظمة السياسية والاجتماعية القائمة في كل مرحلة تاريخية، وكيف تأثرت بها وأثرت عليها، ففهم هذا التطور التاريخي مفتاح لفهم التناقض الذي أنتج الصراع الاجتماعي (والسياسي) العنيف في دارفور. في ما يلي سرد لأهم حقب هذا التطور التاريخي:

  • فترة سلطنة الفور وما قبلها (-1916)

كما ذكرنا فإن ملكية الأرض في دارفور مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقبيلة، حيث نجد أن جزءًا كبيراً من دارفور مقسم إلى “ديار” يرتبط كل منها بقبيلة محددة مثل “دار زغاوة” و”دار مساليت”. والأرجح أن هذا الارتباط إلى استحواذ هذه القبائل على أراضيها في عصور ما قبل السلطنة[4]، ولكن نظم امتلاك وحيازة الأرض بدأت بالتغير بعد نشوء سلطنة الفور (1650-1916)، فقد أدى نظام الحواكير الذي أسسته السلطنة إلى نشوء أشكال مختلفة لتملك الأرض وحيازتها. ففي عهد السلطان موسى بن سليمان  (1715-1726)، أصبحت كل أراضي السلطنة ملكاً لسلطان دارفور بدلاً من أن تكون ملكاً للقبائل ككل[5]، وعلى هذه الأساس نشأ نظام الحواكير، فبموجب ملكيته للأرض، قام السلطان بتوزيع الأراضي على فئات مختلفة من سكان السلطنة، وعادة ما منحت الحواكير للفقرا والعلماء، ولذوي النفوذ وموظفي البلاط، وقادة الجيش. كان نظام الحواكير بمثابة أداة تستخدمها للدولة لمركزة سلطتها، وأتى كذلك كنتيجة لغياب العملة والمرتبات مما دفع سلاطين الفور إلى إيجاد طرق بديلة لمكافئة موظفي الدولة والشخصيات الهامة فيها [6].

 لم يعني منح حاكورة لشخص ما تملكه للأرض مطلقاً وإنما عنى ذلك حصوله على الحق  في التصرف فيها والاستفادة منها[7]؛ فسلطان دارفور كان مالك كل أراضي السلطنة. ولقد تفاوتت الحواكير التي أصدرها السلطان بحسب ما تعطيه لصاحبها من حقوق (كالحق في جمع الضرائب) وما تفرضه عليه من واجبات (كحق السلطان من محاصيل الأرض)[8]، فكان العديد من الحواكير بمثابة اعتراف من السلطنة بحق قبيلة ما في أرضها واستمالة له بمنح الحاكورة لأحد زعمائها [9]، بينما كان بعضها بمثابة هبة للعلماء والفقرا الذين هاجروا إلى دارفور، أو للتجار أو موظفي البلاط الملكي، رغم صعوبة إيجاد تصنيفات محددة لأنواع الحواكير بسبب تنوع أشكال الحقوق والواجبات في الوثائق المختلفة.

  • فترة الحكم الثنائي (1889-1956)

منذ عام 1928، قام الحكم الثنائي بتفويض صلاحيات كبيرة لهياكل “الإدارة الأهلية” المكونة من الزعامات القبلية في السودان عبر سياسة سمت بالحكم غير المباشر. ساهمت هذه السياسة التي اتبعها الاستعمار في السودان في ترسيخ ارتباط القبيلة بملكية الأرض، وربط كل ذلك بالتمثيل السياسي. وأدت إلى التفريق بين القبائل المختلفة في هذه النواحي، حيث رسخت التفريق بين القبائل التي ملكت دياراً تاريخياً وبين تلك التي لم تمتلكها،كم أحدثت تغييرات لم تكن موجودة في البنية التقليدية، بتتبيع مجموعة من القبائل الصغيرة إلى قبائل أكبر منها. ولفهم أثر سياسة الحكم غير المباشر على توزيع السلطة والأرض في الإقليم لا بد من العودة إلى الأسباب التي دفعت الاستعمار إلى تبنيها.

واجه الحكم العسكري السلطوي الذي فرضه المستعمر عند الاحتلال محاولات متعددة لمقاومته، كان أغلبها ذو طابع ديني وبنموذج مشابه للمهدية، وبالتالي صيغت سياسات الإدارة الاستعمارية لتحقيق هدف رئيسي في السودان، وهو محو أي أثر لنفوذ الثورة المهدية عبر مهاجمة أسس قدرتها على الحشد العابر للإثنية/القبيلة، واستمالة مواطن النفوذ الطائفي والقبلي تدريجياً ومحاولة التحالف معها[10]. وعند نشوء ثورة 1924 حدث تغيير آخر في سياسة المستعمر فقد دفعته الثورة لتقليل أدوار الفئات المتعلمة والحديثة في إدارة الدولة وزيادة تحالفه مع المكونات القبلية والتقليدية لإدارة أرجاء السودان المختلفة[11].

ومن هنا كان نظام الحكم غير المباشر القاضي بتفويض جزء كبير من السلطة التنفيذية والقضائية في الأرياف إلى الزعامات القبلية “التقليدية” وإنشاء مجموعة من “المواطن القبلية” أنجع الاستراتيجيات التي استخدمها الاستعمار لتحقيق هدفه المتمثل في إخماد ما تبقى من نفوذ للثورة المهدية وتفكيك دعائمها، وإدارة بلاد واسعة كالسودان دون الحاجة إلى الاستعانة بفئة المتعلمين أو زيادتها بعد أن أصبحت هذه الفئة غير موثوقة للاستعمار عقب ثورة 1924. فقد حققت سياسة الحكم غير المباشر غرضين، أولهما إضعاف القوة السياسية للطوائف والطرق الصوفية، كونها الرابطة الأكثر قدرة على توحيد القبائل والإثنيات المختلفة وإقامة حشد ثوري ممتد عبر ربوع البلاد وقادر على مقاومة الاستعمار. بإعادة تفعيل القبيلة كوحدة رئيسية للتمثيل السياسي، وثانيهما تسهيل حكم السودان الكبير ومترامي الأطراف بتفويض جزء كبير من المهام التنفيذية والقضائية في الريف إلى الزعماء ال”تقليديين” مع ضمان خضوعهم للإدارة البريطانية.

وبالتالي قامت سياسة الحكم غير المباشر بإعادة تفعيل القبيلة وترسيخها كأداة للتمثيل السياسي، وقامت بترسيخ العلاقة بين القبيلة والأرض في دارفور داخل هياكل الدولة الحديثة، فاستمرت الأرض كملك للقبيلة بشكل أو بآخر، واستمر التمييز بين القبائل التي تمتلك دياراً والقبائل التي لا تمتلكها داخل إطار الدولة الحديثة التي كونها الاستعمار.

إضافة إلى ذلك، فقد تسبب نظام الحكم غير المباشر في إحداث تغييرات لم تكن موجودة في النظام التقليدي من قبل كتتبيع عدد من القبائل الصغيرة لقبائل أكبر منها، كما حدث عند تتبيع المعاليا للرزيقات البقارة [12]، مما أنتج صراعات ظلت مستمرة لعقود بعد الاستقلال. ويعود السبب في ذلك إلى كون المقصد من إنشاء نظام الحكم غير المباشر سياسياً وإدارياً في المقام الأول، ولذلك لم يعنى النظام بحفظ النظام التقليدي كما هو فعلاً، وإنما عمل على تعديله بما يناسب مصالحه، فمثلاً تظهر الطبيعة السياسية والإدارية للتقسيم جلياً في زيادة عدد “القبائل” مع زيادة وحدات الإدارة السياسية عبر الزمن[13]. وقد استخدم الاستعمار في ذلك عدة أدوات منها التعداد السكاني[14].

عبر هذه العملية التاريخية الطويلة، ورثت الدولة الحديثة التي نشأت عند الاستقلال نظاماً يربط بين القبائل وملكية الأرض في دارفور، ويميز بين قبائل “أصيلة” تمتلك على دياراً، وقبائل “مستوطنة” لا تمتلك، فحصلت القبائل الأصيلة على حقين أساسيين: تملك الأرض، والتعيين في مناصب أساسية في نظام الإدارة الأهلية. وقد كان هذا النظام الذي يربط بين الأرض والقبيلة، ويميز بين القبائل المختلفة في ملكيتها للأرض سبباً جوهرياً في انفجار النزاعات الاجتماعية في دارفور بعد عام 1980.

التغييرات البيئة والديمغرافية والسياسية في دارفور بعد 1980

المصدر: (السودان حروب الموارد والهوية، د.محمد سليمان محمد)

ظلت النزاعات الاجتماعية في دارفور قائمةً لفترات طويلة، ولكنها زادت بشكل كبير وبدأت بأخذ طابع سياسي وعرقي في الثمانينيات تزامناً مع موجة الجفاف التي ضربت الساحل الأفريقي في تلك الفترة. فقد قللت موجة الجفاف من الموارد الزراعية والمائية التي تعتمد عليها معيشة كل من الرعاة والمزارعين بشكل كبير، وقد كان أثر موجة الجفاف كبيراً على شمال دارفور بالتحديد مما سبب موجات هجرة كبيرة للرعاة الأبالة من شمال دارفور إلى أماكن استقرار المزارعين والرعاة البقارة في وسط دارفور وجنوبها. أدت هذه الأحداث مجتمعة إلى حدوث حالة ندرة في الموارد المائية والزراعية بسبب الجفاف، وطلب عالٍ عليها بسبب ازدياد أعداد السكان والمواشي، مما أدى إلى زيادة التوتر بين المجموعات المختلفة وزيادة النزاعات بينها. لعبت المشاكل المتعلقة بحيازة الأرض دوراً أساسياً في هذه النزاعات حيث وجد الرعاة المهاجرون أنفسهم بلا أرض مما دعاهم إلى المطالبة بحق في امتلاك أراضي، ووجد أصحاب الأرض من المزارعين والبقارة أن أراضيهم مهددة. يمكن ملاحظة العلاقة بين النزاعات والجفاف في الرسم أعلاه حيث نلاحظ ازدياد النزاعات عند هبوط معدل سقوط الأمطار. 

عند مقارنة أثر الجفاف الذي حدث في الثمانينات مع نظيره في السبعينات نجد أن معدليهما كانا متقاربين بشكل كبير، ولكن جفاف الثمانينيات أثار عدداً أكبر بكثير من النزاعات، وسبب ذلك هو وجود عوامل إضافية ساهمت في كثرة النزاعات في الثمانينيات، منها: الحرب الليبية التشادية، وضعف مؤسسة الإدارة الأهلية بسبب إلغائها لفترة. 

تسببت الحرب الليبية التشادية في حدوث تغييرين مهمين كان لهما دور كبير في زيادة حدة النزاعات، وهما زيادة أعداد المهاجرين وبالأخص الرعاة من العرب والزغاوة، وانتشار السلاح. فقد قام الرئيس التشادي حسن هبري بتهجير مجموعات واسعة من العرب التشاديين قسراً إلى غرب السودان في وقت تصادف مع موجة الجفاف الحادة في الثمانينيات[15]. توغل المهاجرون مع العرب السودانيين في مناطق الفور الغنية بالمرعى والمياه، مما أدى إلى زيادة النزاعات بينهم، ووصل الأمر إلى مقاطعة العرب للفور في الأسواق ومنعهم من البيع والشراء [16]. كان التغيير الثاني الذي طرأ بسبب الحرب، وعوامل أخرى، هو انتشار الأسلحة بشكل كبير في دارفور؛ نتيجةً لتهريبها من ليبيا وتشاد باستمرار ودعم العديد من أطراف الحرب الليبية التشادية لأطراف محددة في النزاع، فانتشر السلاح بسبب ذلك حتى أصبح يباع بأقل من سعره العالمي، ففي عام 1990 قُدر أن 50 ألف قطعة سلاح أصبحت متوفرة في دارفور بمعدل قطعة سلاح واحدة لكن شخص أكبر من 16 سنة[17]. وكان العديد من هذه الأسلحة حديثاً وعنيفاً وذا ضرر فائق مقارنة بالأسلحة التي كانت تستخدم سابقاً في النزاعات، فقد استخدمت أسلحة حديثة في نزاعات الثمانينات كالكلاشنكوف والAK47 والG-3 بالإضافة إلى ال RPG  والقرنوف[18]. 

كذلك، كان إضعاف الإدارة الأهلية أحد العوامل التي ارتبطت بزيادة حدة النزاعات وصعوبة السيطرة عليها. حدث هذا “الإضعاف” بسبب قرار نظام جعفر نميري حل الإدارة الأهلية عام .1971 قبل ذلك، لعبت الإدارة الأهلية دوراً فعالاً في إيقاف النزاعات وتسويتها على الرغم من الدور التاريخي السلبي الذي لعبه تفعيل نظام الإدارة الأهلية في استمرار البنية التي تسبب النزاعات، وبالمقابل، لم يأتي قرار حلها الصادر عام 1971 يأتي ببديل فعال وديمقراطي للحكم المحلي، وخلق ذلك فراغاً في الدور المعتاد الذي تلعبه الإدارات الأهلية في إيقاف النزاعات الاجتماعية. وعاد نظام الإدارة الأهلية مجدداً في الديمقراطية الثالثة إلا أنه لم يتعافى تماماً من حالة الضعف التي سببها قرار حله في فترة نميري[19].

كانت هذه أهم التغييرات البيئة والديمغرافية التي أثرت على زيادة النزاع الاجتماعي في الثمانينات، ومن المهم أيضاً سرد جزء من تفاصيل النزاعات التي جرت في الثمانينيات والتسعينات لأثرها المباشر على الحرب التي بدأت بعد عام 2003 كتمرد للحركات المسلحة على الحكومة المركزية، ولتوضيحها للأسباب الحقيقية للنزاع الاجتماعي في دارفور. في ما يلي سرد لأهم النزاعات الاجتماعية في هذه الفترة:

حرب العرب والفور   (1987-1989)

جعلت موجات الجفاف أجزاءً كبيرة من شمال دارفور غير قابلة للحياة، أو الرعي أو الزراعة، مما أدى إلى هجرة أفواج كبيرة من الرعاة العرب والزغاوة إلى المناطق التي تتوفر فيها الموارد المائية والزراعية في وسط وجنوب دارفور، ورافقهم في ذلك المهاجرون من تشاد[20]، حيث  بلغ عدد المهاجرين إلى جنوب دارفور 384010 شخصاً في عام 1986 فقط [21]. أدت موجات الهجرة المتتابعة هذه إلى زيادة مضطردة في عدد النزاعات الاجتماعية بين المجموعات الموجودة في وسط وجنوب دارفور والمجموعات المهاجرة إليها، وبالأخص في الأعوام التي تلت مجاعة عام 1983، حتى بلغت هذه النزاعات أقصاها في حرب العرب والفور 1987-1989.

بدأت الحرب على مرحلتين، ضمت الأولى مجموعة من قبائل عرب الأبالة الرحل والزغاوة ضد مزارعي الفور المستقرين حوالي جبل مرة، بينما ضمت المرحلة الثانية تحالفاً من كل الفور المزارعين في جبل مرة ضد تحالف ضم مجموعة واسعة من قبائل العرب الرحل[22].

في المرحلة الثانية للحرب، أخذ الصراع طابعاً عرقياً وسياسياً لم تشهده النزاعات الاجتماعية سابقاً في المنطقة. فعلى النقيض من النزاعات السابقة التي نشأت عادةً بين مجموعتين محددتين، ضم النزاع 27 قبيلة عربية في تحالف واحد، حددت عدوها بالمجموعات غير العربية كاملة [23]. واستخدم طرفا النزاع خطاباً عرقياً صريحاً للحشد والمدافعة، كما ظهر في الخطاب الذي أرسله “التجمع العربي” إلى رئيس الوزراء الصادق المهدي حينها.

كذلك، شهدت هذه المرحلة تطوريين آخرين، أولهما استعانة كل من طرفي النزاع بأطراف خارجية، حيث تحالفت المجموعات العربية مع حزب الأمة داخلياً ومع ليبيا إقليمياً، بينما تحالفت المجموعات غير العربية مع الحزب الاتحادي داخلياً ومع تشاد بقيادة حسن هبري إقليمياً[24] . أما التطور الثاني فقد كان حدة الحرب وأساليبها، حيث شهدت هذه الحرب استخدام أسلحة متطورة، كما شهدت العديد من السلوكيات العنيفة، فقد قامت المجموعات العربية بحرق قرى الفور، ودفنهم أحياء، وفي أحيان عدة، رد الفور بشكل مماثل، كما قاموا بمنع العرب من استخدام موارد المياه في العديد من المرات ]25[.

أسفر النزاع عن خسائر جمة، وشهد أحداثاً عنيفة، ففي النهاية الحرب بلغ عدد قتلى اللفور خمسة آلاف قتيل بلغ قتلى العرب ب400 قتيل، ونزح الآلاف بسبب الحرب، وحرقت آلاف المنازل ومئات القطاطي [26].

نلاحظ أخيراً وجود شكل آخر للنزاع خلال هذه الفترة، وهو النزاع بين القبائل العربية في ما بينها، أي بين قبائل البقارة الموجودة في جنوب دارفور. وبالتحديد، فقد دار هذا النزاع بين قبائل البقارة الكبيرة التي امتلكت دياراً وإداراتٍ أهلية والقبائل التي لم تمتلك دياراً فتُبعت بالتالي للقبائل الأكبر منها. بدأ عدد من القبائل الصغيرة بالمطالبة بمنحها دياراً وباعتراف السلطة بملكيتها للأرض التي تسكن فيها، وبمنحها تمثيلاً سياسياً عبر إدارتها الأهلية. يمكن رؤية هذا الشكل من الصراع في النزاع الذي نشب بين الرزيقات البقارة والمعاليا عام 1988 على سبيل المثال، فعند مطالبة المعاليا بحاكورتهم رفض الرزيقات البقارة بحجة عدم وجود حق تقليدي للمعاليا في ذلك، واستمر هذا النزاع حتى عام 2004، كما سبب هذا النزاع تحالف المعاليا مع الزغاوة –وهم ليسوا عرباً- في الحرب التي بدأت عام 2003 ]27[. 

من هذا الشكل الأخير للنزاع تمكن المحاججة بأن الصراع الذي جرى في الثمانينيات لم يكن، في لبه، صراعاً صراعاً بين مجموعات امتلكت الأرض ومجموعات لم تمتلكها في ظل ظرف بيئي قاس كانت الأرض فيه مصدراً لا غنى عنه لتحصيل الموارد الضرورية للبقاء. فهذا التفسير هو ما يشرح نشوء صراعات بين قبائل البقارة المختلفة في تلك الفترة، كما أن يقدم شرحاً جيداً لجوهر الصراع بين الرحل الشماليين والمجموعات المستقرة في وسط دارفور وجنوبها.

فبالرغم من الاصطفاف العرقي والسياسي الشديد الذي لازم الصراع بين الرحل الشماليين والمجموعات المستقرة في وسط دارفور وجنوبها إلا أن هدف القبائل العربية لم يكن مجرد الحصول على الموارد أو مجرد قتل الفور بسبب غبينة عرقية، وإنما أصبح هدفهم الأرض في حد ذاتها، ولذلك شواهد منها منح المليشيات العربية مهلة يوم واحد للفور ليخلو أراضيهم، وإطلاقهم على الأراضي التي استقرو فيها اسم “الأراضي المحررة” [28].

وعلى كل حال، فقد انتهت الحرب بعد مؤتمر صلح أهلي عقد بالفاشر في الفترة من مايو وحتى يوليو 1989. ولكن السلم في دارفور لم يدم طويلاً، فقد نشبت حرب أخرى بين العرب والمساليت بغرب دارفور عام 1995.

حرب العرب والمساليت (1995-1999)
سعى نظام الإنقاذ إلى إحداث إصلاحات في نظم الإدارة الأهلية وحيازة الأراضي عند قدومه إلى السلطة. ولكن، وكما سنرى، فقد فشلت هذه المحاولات في إيقاف النزاعات وأدت تدريجياً إلى نشوب نزاع كبير بغرب دارفور بين العرب والمساليت. وبالتحديد فقدت لازمت محاولات الإنقاذ سمتان يمكن أن يجادل بأنهما كانتا سبباً في فشل هذه المحاولات، أولاهما أن محاولات الإنقاذ عمدت إلى إحداث إصلاحات من داخل نظم الإدارة الأهلية وحيازة الأرض دون تغييرها جذرياً بجعل ملكية الأرض مرتبطةً بالمواطنة، ولذلك مبررات عدة بالطبع، وثانيهما أن الحكومة لم تعد ترى كطرف محايد في دارفور خلال فترة نظام الإنقاذ، وأصبحت ترى كطرف داعم للمكونات العربية، خصوصاً بعد تعاونها مع مليشيات عربية لدحر تمرد داوود يحيى بولاد في الفترة 1991-1992. 

يمكن أن تلاحظ الجذور الأولوية لهذه الحرب في المحاولات التي قامت بها حكومة الإنقاذ لمعالجة تظلمات المكونات العربية التي لم تمتلك دياراً، حيث قامت الحكومة بإيجاد ديار لهذه القبائل عبر استقطاع جزء من الأراضي التي اعتبرتها مكونات أخرى جزءًا من ديارها التاريخية. بدأت هذه المحاولات في مارس 1995 عندما أصدر والي غرب دارفور أمراً بتقسيم الديار التاريخية للمساليت إلى 13 “إمارة”، منحت 9 إمارات منها إلى العرب الذين لم يكن لهم ديار[29].
وفي سياق متصل، سعت الحكومة إلى إصلاح نظم الإدارة الأهلية وحيازة الأراضي عبر فصل ملكية الأرض عن نظم الإدارة والحكم، ومن ثم إصلاح نظم الإدارة والحكم وتوسيع المشاركة فيها دون إحداث تغيير في نظم حيازة الأراضي. ومن هذا المنطلق، قامت حكومة غرب دارفور بتعيين زعماء عرب في هياكل الإدارة دون منح مكوناتهم أراضياً، أي أن الحكومة منحت هؤلاء الزعماء صلاحية حكم مكوناتهم وإدارتها دون أن تمنحهم أرضاً، ولكن ذلك أثار حفيظة العديد من المكونات المستقرة.
أدت كل هذه الأحداث إلى نشوب نزاع بين العرب والمساليت بغرب دارفور في الفترة 1995-1999، وقد أدى هذه النزاع إلى خسائر عديدة فقد قتل المئات، وفقدت العديد من المواشي والممتلكات، وهاجر ما لا يقل عن 100000 شخصاً إلى تشاد [30]. كما فشلت عدة مؤتمرات للصلح الأهلي في 1995، و1996.
كانت هذه السلسلة من النزاعات الأساس الذي حشدت على أساسه الأطراف المختلفة في حرب 2003-2004، مع حدوث تطورات سياسية شكلت المستوى السياسي للصراع كما سنرى في المقالات المقبلة.

ملاحظات ومصادر:

[1] اقتصاد الحرب وحروب الاقتصاد: دارفور نموذجاً، د. خالد التجاني النور، نشر ضمن مؤلف بعنوان: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان (2013)

 [2] السودان: حروب الموارد والهوية، د. محمد سليمان محمد (2010)

[3] Saviors and Survivors Darfur Politics and the War on Terror, Mahmoud Mamdani (2009)

 [4] الفور والأرض وثائق تمليك، بروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم (2006)

[5] تاريخ السودان، نعوم شقير (1981)

]6[ الفور والأرض وثائق تمليك، بروفيسور محمد إبراهيم أبوسليم (2006)

[7] المصدر السابق

[8] المصدر السابق

 [9] Saviors and Survivors Darfur Politics and the War on Terror, Mahmoud Mamdani (2009)

[10] المصدر السابق

[11] Class and Power in Sudan: The Dynamics of Sudanese Politics, 1898-1985 (1987)

[12] Saviors and Survivors Darfur Politics and the War on Terror, Mahmoud Mamdani (2009)

[13] المصدر السابق

[14] المصدر السابق

[15] المصدر السابق

[16] الحركات المسلحة في دارفور: التركيبة والأدوار، د. محمد الأمين خليفة، نشر ضمن مؤلف بعنوان: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان (2013)

[17] The Forgotten War in Darfur Flares Again, Report 6, Africa Watch (1990)

[18] السودان: حروب الموارد والهوية، د. محمد سليمان محمد (2010)

[19] دارفور: عواقب التفاعل بين جذور الازمة وتداعياتها، د. الطيب زين العابدين محمد، نشر ضمن مؤلف بعنوان: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان (2013)

[20] Saviors and Survivors Darfur Politics and the War on Terror, Mahmoud Mamdani (2009)

[21] المصدر السابق

[22] السودان: حروب الموارد والهوية، د. محمد سليمان محمد (2010)

[23] المصدر السابق

[24] Saviors and Survivors Darfur Politics and the War on Terror, Mahmoud Mamdani (2009)

[25] المصدر السابق

[26] السودان: حروب الموارد والهوية، د. محمد سليمان محمد (2010)

[27] Saviors and Survivors Darfur Politics and the War on Terror, Mahmoud Mamdani (2009)

[28] د. محمد سليمان “محمد في السودان: حروب الموارد والهوية” نقلاً عن الباحث شريف حرير.

[29] Saviors and Survivors Darfur Politics and the War on Terror, Mahmoud Mamdani (2009)

[30] المصدر السابق

عن المحرر

Scroll to Top