Hiwaratjeel

حول السلام

حوار حول السلام

موسى أديبايور : ناشط بالمجتمع المدني ومهتم بقضايا السلام سانديوس كودي : أستاذ جامعي

أولا دعوني أحييكم أعزائي المتحاورين وأرحب بكم على منصة حوارات جيل الثورة، التي عبرها نريد وضع إطار عام للمناقشة حول قضايا السودان بصورة وطنية وأفق يحمل تطلعات هذه الثورة، ولأن الحديث سيكون عن تطلعات الثورة، بالتأكيد أول ما نطمح إليه هو سلام مستدام في السودان، لذلك دعوني أنتقل إلى أسئلتي الحوارية التي أريد طرحها إليكم وعسانا نجد الطريق الهادي من خلالها.

كيف تنظر إلى السلام كمصطلح وكحالة إجتماعية على المستوى الاجتماعي و السياسي؟ قبل الثورة وما بعدها ، وهل يمكن أن نلتمس اي تغيير بين الثورة و ما قبلها؟

سانديوس :

السلام عامة يعني حالة الطمأنينة التي تلف الفرد نتاج تحقيقه رغباته المادية والمعنوية، وبتعريف عملي يعني السلام غياب نقيضه العنف. والعنف قد يكون مباشراً direct violence بالإعتداء الجسدي أو الأسلحة النارية أثناء الحروب وقد يكون معنوياً أو غير مباشراً مثل العنف الهيكلي structural violence الذي تتم ممارسته من قبل جهاز الدولة، مثل حالات الإقصاء الممنهج والإبعاد الثقافي وغياب التنمية أو الإنحياز في توزيعها وهي أشياء قد يسبب تراكمها نشوء بؤر نزاعات. أي أن العنف غير المباشر قد يتحول لعنف مباشر مع الزمن. إجتماعياً يعني السلام مقدرة الدولة على إدارة التناقضات الإجتماعية بالدرجة التي لا تحولها إلى نزاعات عنيفة، فالفوارق الإقتصادية البائنة بين المجتمعات هي إحدى مسببات نشوء ما عرف بالغبن الإجتماعي وهي عامل أساسي في نشوء نزاعات مسلحة ضد الدولة. كما أن التناقضات في مستوى سبل كسب العيش قد تكون عاملاً محفزاً للتنافس المحتدم ثم الصراعات مثل النزاعات المتكررة بين الرعاة والمزارعين أو بين ملاك الأراضي الزراعية والعمال الزراعيين. وجود آليات إجتماعية لإدارة التناقضات والصراعات هي ما يحقق السلام على المستوى الإجتماعي.

التغيير الذي حدث بين ما قبل الثورة وبعدها يمكن ملاحظته في شكل الخطاب المتبادل بين شارع المدينة التي كانت تعتبر القوى المسلحة متمردين وتحتفظ بخطاب عدائي نحوهم إلى خطاب تصالحي أكتر مع رغبة أكبر في السلام، ولكن أيضاً العزلة الطويلة التي تم فرضها على قوى الكفاح المسلح جعلت الفجوة بين الخطابين كبيرة وما زال هناك بعض التفارق بين خطاب المدينة وخطاب مناطق النزاع.

موسى:

في تجربتي البسيطة من الحياة السلام يعني لي القدرة على التعايش في ظل وجود إختلافات موضوعية بين البشر يتم إدارتها في أفق المناقشة المفتوحة بغرض التفاهم والتعايش المشترك.

والسلام على المستوى الاجتماعي والسياسي يعني المساواة في فرص الحياة لكل الناس بدون أي مبررات أخلاقية أو قانونية تستخدم لثبيت التفاوض والظلم بين البشر.

وبسبب التاريخ الطويل للحروب والنزاعات في السودان لم نلحظ اي تغيير حقيقي للأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والثقافية قبل الثورة وما بعدها، ولكن الثورة السودانية فتحت لنا فرصة وباب الأمل لخلق حالة سلام عادل ومستدام في السودان والجوار الإقليمي، لذلك لا يجب علينا أن نضيع هذه الفرصة.

بدأت محادثات السلام في جوبا، ولكن ما قبلها أثَّر على مجريات العملية التفاوضية بصورة سالبة وهذا ما نشاهده من إنعدام للثقة بين أطراف التفاوض، هل ترى أي خطوات سياسية أو اجتماعية تساعد لم شمل الأطراف؟

سانديوس:

لا زال بالأمكان إزالة الهوة التى نتجت عن بعض الخلافات بين القوى المدنية وقوى الكفاح المسلح، فعملية السلام هي إحدى شروط الإنتقال السياسي في السودان وهي هدف إستراتيجي لن يتحقق إلا بوجود إتفاق حد أعلى بين كل القوى السياسية المشاركة في عملية الانتقال.

موسى:

الخلاف الذي حصل بين الجبهة الثورية وبعض الأحزاب السياسية في قوى إعلان الحرية والتغيير قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية أثَّر على كل مسارات التفاوض لاحقاً في جوبا بين وفد الحكومة الإنتقالية وكل حركات الكفاح المسلح بسبب سوء تفاهم بسيط بخصوص مهام الفترة الإنتقالية حسب أولوياتها، وإختلاف في تقديرات سياسية وأمنية وإقتصادية. هذا الإختلاف في وجهات النظر عمل تأثير سلبي جداً في ملف السلام العادل، وهو بدوره أثَّر على الوضع الإقتصادي والتفلتات الأمنية والسياسية مؤخراً في الولايات المتأثرة بالحرب.

وأفتكر إذا تحكمنا على روح الثورة السودانية مرة أخرى نستطيع أن نبدأ خطوات سياسية أو إجتماعية تساعدنا في لم شمل كل الأطراف بإعادة الثقة بين مكونات الثورة المختلفة، وعبر مبادرات إجتماعية تعمل في مجالات بناء شبكات السلم الاجتماعي تتحرك نحو مناطق الحرب والنزاعات لترسيخ مصالح القواسم المشتركة بعد الإنتقال من وضعية الحرب والنزوح إلي وضعية السلام العادل والشامل والتعايش السلمي

إن نظرنا إلى مسارات التفاوض وتقسيمها لكلية القضايا ومعالجة الإشكاليات بصورة منفردة، هل ترى أنها طريقة جيدة، أم سيئة ولماذا؟

سانديوس :

الحقيقة لا يمكن بالإطلاق تحديد أن طريقة ما جيدة أو سيئة إلا بالإحتكام إلى نتائجها الكلية وهي شيء مستقبلي لا يمكن تحديده. فعمليات التفاوض تتم بين طرفين على الأقل ويكون لكل طرف رؤيته ونظرته للحل وبالتالي فإن النتائج النهائية للتفاوض هي محصلة عملية توفيق بين رؤي المتفاوضين من الجانبين وهي عملية تؤثر عليها عوامل كثيرة مثل خبرة المتفاوضين من الجانبين ومدي مرونتهم وقابليتهم للتنازل عن بعض المواقف. ولكن الغاية الرئيسية من عمليات التفاوض الأولية هي الإتفاق على إيقاف الحرب من الجانبين وبالتالي ما قد نراه سوء قد يكون ثمن تم دفعه مقابل الوصول لإتفاق يوقف الحرب.

موسى :

أفتكر أن منهج المسارات في منبر جوبا، ناجح من نواحي كتيرة، أولها يتيح الفرصة لمعالجة الأزمة من جذورها التاريخية بمعالجة قضايا كلية تهم كل السودانيين مثل الإتفاق على شكل نظام الحكم والقضايا الدستورية العليا، والإتفاق على معالجة قضايا تخص مناطق النزاعات المسلحة مثل معالجة قضايا النازحين واللاجئين، أو قضايا جبر الضرر والتعويضات للمتضررين من الحرب، وعمل تمييز إيجابي لهم في مؤسسات الدولة المختلفة بغرض تقليل الفارق الذي أحدثته وضعية التمركز والتهميش والحرمان بدوائرهم المختلفة والمترابطة.

أثيرت قضية مهمة جداً في وثيقة سلام دارفور وهي ال30٪ من عائدات النفط و التعدين لمدة عشرة سنوات، هل تظن بأن الحكومة الإنتقالية تفاوض بشرعية الاستمرار مما يعقد الوضع في حالة إقامة دستور دائم؟

سانديوس:

من الصعب جداً ان تخاطر حكومة ديموقراطية بعملية سلام تحقق بعد صعوبات كثيرة، خاصة وأن عملية تخصيص موارد الولايات لتنميتها هي شئ واقعي جداً . فالأولى أن تستفيد الولايات من مواردها خاصة بعد سنين من إستنزاف الولايات لصالح مركز الحكم.

موسى:

الجدل السلبي الذي تم بخصوص نسبة ال30٪ من عائدات النفط و التعدين لمدة عشرة سنوات، بالنسبة للسكان راجع بسبب القصور في الجانب الإعلامي فيما يخص ملف السلام، منذ بداية المفاوضات لم تستطع الحكومة الإنتقالية أن تخلق رأي عام جماهيري نحو السلام، بل هناك أجهزة إعلامية تابعة للدولة السودانية لم تنظم برامج تلفزيونية تهتم بعملية السلام، مما جعل الناطق بإسم الوفد التفاوضي الأستاذ محمد حسن التعايشي أن يقوم بالمجهود وحده في الصفحة الإعلامية للناطق الرسمي باسم وفد الحكومة التفاوضي.

اذا أفتكر أن القصور الإعلامي ساهم في سوء تفاهم بعض الجمهور فيما يخص القصد من الإتفاق على ال30٪ من عائدات النفط و التعدين لمدة عشرة سنوات في دارفور.

 

الى أي مدى أثَّر الخلل في الوثيقة الدستورية على وضع الإطار الكلي لعملية السلام ، سواء في ملف كاودا أو في دارفور أو في شرق السودان وهل ترى أن هناك ضرورة لإعادة صياغة للوثيقة الدستورية من جديد؟

سانديوس :

لربما كان الخلل الوحيد البائن هو وجود ثغرات تتيح للعسكر بإعتبارهم جزء من المجلس السيادي لعب دور أكبر في عملية السلام ولكن لا يعني هذا أن المفاوضات كانت ستكون أسهل في حال كانت في يد الطرف المدني، فحتى مكونات التحالف المدني بينها إختلافات كبيرة في قضايا مصيرية في ملف السلام مثل قضية العلمانية وتقرير المصير وبالتالي ربما كانت ستواجة العملية بنفس الصعوبات. لكن من المهم جداً إعتبار إتفاق السلام بذاته إحدى الآليات الموضوعية لتنقيح الوثيقة الدستورية وسد فجواتها مثل عملية إعادة هيكلة القوات التى صمتت عنها الوثيقة الدستورية. فبدلاً من أن يتم تعديل الوثيقة الدستورية لتوافق السلام يجب تحقيق السلام لإجراء التعديلات الملحة على الوثيقة الدستورية.

موسى :

حسب تشخيصي لكل فترات الإنتقال في السودان أدعم فتح الوثيقة الدستورية على نتائج إتفاقيات السلام، لأن المنابر التفاوضية هي أفضل الفرص لبناء الدساتير للمجتمعات التي خرجت من الحروب والنزاعات ذات الطابع الأهلي.

لأنه تشمل حلول لقضايا الحرب والنزوح والأرض والحواكير، والترتيبات الأمنية وإصلاح مؤسسات الدولة.

قضية الولاة و المجلس التشريعي كيف يمكن قراءتها من واقع تعقيدات ملف السلام،وهل فعلاً تأخير التعيين سيكون مفيد لعملية السلام،أم أنه سيؤثر علي السىلام؟

سانديوس :

في الحقيقة إن تأخير إكمال هياكل الحكم المدني له تأثير سلبي كبير على عملية الإنتقال بإعتبار أن الكثير من دوائر الحكم لا زالت خارج سيطرة الحكومة المدنية وهذا ما يعيق إجراء العديد من الإصلاحات المهمة لعملية الإنتقال كما انه يطيل دائرة إتخاذ بعض القرارات ذات الطبيعة العاجلة مثل حالات النزاعات ذات الطابع القبلي التي تشهدها بعض الولايات. ولكن من ناحية التأثير على السلام فإن الأمر رهن التوافق بين أطراف التفاوض. فيمكن الإتفاق على آليات مشتركة بين قوى الكفاح المسلح والقوى المدنية لملئ الفراغ ولو بطريقة مؤقتة، كما يمكن اللجوء إلى مخارج للأزمة أكثر مرونة إذا تعذر الإتفاق. مثل إقالة الولاء العسكريين وإدارة الولايات عبر أمناء الولايات وضباط إداريين مشهود لهم بالكفاءة إلى حين الوصول لإتفاق.

 

 

موسى:

بالتأكيد إن تأخير التعيين سيكون غير مفيد لعملية السلام، وهناك مصفوفة تم الإتفاق عليها بين معظم مكونات الثورة تتعلق بتكملة كل هياكل الحكومة الإنتقالية من أولها الحكام المدنيين في الولايات، ولكن بسبب التجاذبات السياسية بين بعض الأحزاب يوجد مؤشر لفرص إختلاف أعمق فيما يخص تكوين المجلس التشريعي.

عن المحرر

Scroll to Top