في فهم الحالة السياسية ما قبل لحظة ديسمبر 2018م
مع دكتور : عبد الرحمن الغالي
لم يكن الوصول إليه صعباً، فعبد الرحمن بطبيعة الحال كأي أم درماني، تجده في فضاء الناس وحركتهم، بالرغم من انشغاله بالسياسة وشؤون الوطن، مع أن السياسي لدينا معرّف بصورة مختلفة عن ذلك من حيث قلة انهماكه مع الناس بصورة يومية، ولكن عبد الرحمن، كما لاحظنا، مختلف عن ذلك، وبكل تأكيد فقد أكسبه ذلك خبرةً كما أكسبته بعض أسفاره للعمل خارج السودان.
أم درمان كانت في أمسيات فاترة.. بعض أضوائها ساطع، وبعضها ذابل بدا عليه الإنهاك والفتور.. في أزقة ملتوية تعكس ود المدينة السودانية، وصلنا إلى صالون الإبداع، والذي بُني بطراز سوداني من حيث المساحة الواسعة، تقدَّمَنَا كعادة السودانيين في استقبال ضيوفهم، برداء الأنصار والعمامة المميزة، لم يبخل عبد الرحمن بشيء من الجود الأم درماني حتى أنه حاول أن يصب الشاي إلا أننا رفضنا ذلك؛ فمن التقليد أن يضيف الصغير الكبير.
بدأ الحوار من هذه النقطة حول التربية والمدينة والريف، مداخلات واعية بالسياقات وباللحظة التاريخية، حكى لنا عبد الرحمن عن أسرته التي امتد جذرها إلى قرى شندي بولاية نهر النيل وسيرة جده الذي حمل لواء المهدية، وكيف أن الأمر تحول إلى عقيدة وهذا ليس له علاقة بأم درمان، محدثاً إيانا بأنّ هنالك أمرين لم يدخل الشك عليه يوماً بهما، وهما الإسلام كعقيدة ودين، والدعوة المهدية. فمازحناه بأنه لم يتمرد إذن في شبابه، أجاب بكل تأكيد أنه لم يتمرد قط في هذه الأمور.
لا أريد أن أطيل عليكم، ولكن عبد الرحمن شخص لا يمل من الجلوس معه، وربما في مقبل الأيام سنجدد اللقاء معه في جادات أم درمان مرة أخرى.
بخصوص مسألة الأحزاب السياسية، فقبل سقوط الإنقاذ كانت المؤسسة الحزبية تحتوي على نزاعات، حتى المؤتمر الوطني احتوى على نزاعات كبيرة، وساعدت هذه النزاعات في تفكيك وحدته الداخلية مما سرّع بسقوطه وهنالك شواهد كثيرة على هذا، ألا تتفق معي دكتور عبد الرحمن في هذه المقدمة لقراءة ديسمبر؟
سقوط الأنظمة وصعودها يحتاج إلى العودة قليلاً إلى الوراء، بمعنى أن لحظة السقوط هذه لا تقرأ بصورة مباشرة إنما هنالك سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية، مؤثرة تساهم في الأحداث. فمثلاً إذا نظرنا إلى نظام الإنقاذ الذي جاء عبر انقلاب عسكري، قام به حزب واحد، حزب أيديولوجي له كوادر مسلحة وأموال راكمها منذ فترة المصالحة مع نظام نميري، عندما قام هذا الحزب بالانقلاب كان لديه زهو كبير جداً بأنه قادر على التغيير الكامل وإعادة صياغة السودان والمنطقة، على هذا الأساس احتكر الفضاء السياسي / المجال السياسي، و يظهر هذا في مسألة الصالح العام التي أعاد إنتاج الخدمة المدنية من خلالها لتتوافق مع توجهاته الرسالية، وعلى مستوى الإقليم حاول النظام أن يصدر نموذجه إلى دول الجوار وظهر ذلك مع محاولة اغتيال حسني مبارك في العام 1995م، وتسبب ذلك في خلق إدانة للنظام وحصار دولي. هذا الضغط مع ضغط الأحزاب السياسية (التجمع الوطني الديمقراطي) داخلياً خلق حالة من عدم الاستقرار في وجه النظام، مما خلق بدوره حالة من اختلاف وجهات النظر (داخله)، وكانت هناك رغبة عملية في معالجة هذا الوضع فانقسم النظام إلى (عمليين) و(متطرفين) وظهر تحدي إدارة الدولة أمام النظام، قاد هذا إلى خلق تنازلات، وظهرت في العام 1996م خلافات قادت إلى تبني سياسة (التوالي) كامتصاص للمعارضة، فهي تعددية حزبية وُجِهت من داخل النظام بمراكز قوى داخلية، وهي الأجهزة الأمنية داخل التنظيم التي أصبحت مسيطرة على تسيير دولاب الدولة، وأصبح هنالك نوع من الفرز حينها، وعلى هذا انقسم النظام إلى (مؤتمر وطني) و(مؤتمر شعبي).
لا أريد أن أتجه إلى التفاصيل السردية ولكن بالتركيز على جوهر السؤال يمكننا أن نقول أن الضغوط الكثيرة جعلت النظام يتنازل عن المجموعات الإسلامية التي كان يستضيفها، فخلق انفتاحاً بسيطاً. جعل كل من هذا الانفتاح وهذه الضغوط النظام عرضة للابتزاز ففي العام 1999م دخل البترول وخلق حالة من الاستقرار الاقتصادي، لكن الولايات المتحدة الامريكية تخوفت من أن يتسبب هذا الأمر في حسم النظام حرب الجنوب لصالحه، فنجد أن مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية الأمريكي قدَّم دراسة بذلك، فظهر أن من الأفضل أن تكون هنالك تسوية تخرج بشكل جديد للدولة، وهي (خميرة انفصال) تسببت أيضاً في خلق انقسام داخل النظام.
الشاهد في الأمر أنه بحلول عام 2011م دخل النظام حالة أزمة اقتصادية بذهاب موارد الجنوب، مما جعله يرتب نفسه على هذا الأساس فقطع علاقته بإيران واتجه إلى الإمارات والسعودية، وحسَّن علاقاته بمصر وإثيوبيا، وهو توجه اقتصادي مختلف من توجهه مع إيران الذي يمكن تصنيفه كتوجه عسكري، وكل هذا من أجل إنقاذ النظام لنفسه. تشقق النظام بسبب هذه التنازلات وخرجت مجموعات كثيرة منه. حتى الأجهزة الأمنية أصابها التشقق أيضاً.
هذه عوامل داخل النظام، وكذلك أرادت مجموعات دولية الاستثمار فيه من خلال أزماته، عبر استتباع أشخاص من داخله، فحدثت انقلابات داخل الطبقة الحاكمة، والأطراف الملتفة حولها مثل العدل والمساواة (توقف الغالي عند نقطة العدل والمساواة وشرح مسألة اتفاق (ياسر عرمان / المحبوب عبد السلام) ومسألة فتح الجبهة الجديدة في دارفور، وكيف أن العدل والمساواة لسنوات طويلة كانت تصنف كذراع عسكري للمؤتمر الشعبي).
تشظى النظام بسبب بعض المطامع الشخصية أيضاً لذلك يأتي الحديث عن حدوث تراخي أمني في ديسمبر وغير ذلك من هذه الأحاديث. وهنا تفهم مسألة السعي لتغيير محدود يطال رأس النظام من داخل النظام، وهذه خلفية يمكن أن نقرأ من خلالها سقوط النظام من الداخل وهذا أمر بطبيعة الحال متوقع في مثل هذه الظروف، وهذه صورة عامة للمشهد الذي يمكن اختصاره في التردي الاقتصادي، وخوف بعض الدول من وجود نظام الإخوان المسلمين في السلطة بالسودان، لذلك حاولوا استبدال الإخوان عبر الذراع العسكري وهو ما تحدثوا به مع البشير حتى يتسنى لهم دعمه. وبكل تأكيد لا يستطيع البشير القيام بذلك لأنه جزء منهم ويعتمد عليهم في بقائه وإذا حاول التخلص منهم فإنهم سيتخلصون منه أيضاً.
هذا من جانب النظام، ولكن المعارضة أيضاً كانت تعمل على إسقاط النظام منذ العام 1989م وجاءت لحظة توازن القوى بسبب الضائقة الاقتصادية والفساد والجرائم في مختلف السودان وفقد النظام شرعيته، وأتى الجميع بجميع أسبابهم وحدثت الثورة. وفعلا،ً كان للنظام نقاط قوة مكَّنَتهُ من خلق توازن قوى مع المعارضة، أولاً المليشيات المسلحة (القوة العسكرية) وكذلك السند الإقليمي والدولي لذلك لو لاحظنا أن الثورة لم تجد دعم إلا بعد إصرار الناس على إسقاط النظام، وهذا التوازن قاد إلى تسوية فلم تكن هناك ضربة قاضية تستبدل النظام بنظام جديد، وهذا كله في تقديري الشخصي بكل تأكيد.
لم تكن هناك قوة عسكرية واحدة، فمثلاً في أبريل 1985م كان هنالك جيش انحاز لخيار الشعب، وكان الجيش حينها قوة قومية (واحدة ومحتكرة للسلاح)، وهذه الشروط لم تكن متوافرة في هذه اللحظة (السقوط) فهناك دعم سريع وهيئة عمليات، والجيش لم يكن قومياً بل وكان متورطاً في ذات الجرائم التي تورط فيها هؤلاء، لذلك انحازت القيادة العسكرية عندما رأت حجم التكلفة، وهذا ما أنتج الشراكة الهجينة.
إذا قلنا أن ازمة النظام هي جزء من موجة تحولات عديدة في المنطقة، حدثت مع الربيع العربي وتغير الأنظمة المحيطة بالنظام وحدث ترتيب للإقليم، وكانت هناك حركة دؤوبة لتعديل الأوضاع في دول المنطقة وبكل تأكيد تأثر السودان بهذه التغيرات ودخل هذه المعادلة أيضاً (الخارجية )، وبالداخل بدأت المعارضة في تشكيل تحالفاتها السياسية، فنجد ظهور نداء السودان وانتقال المعارضة لحوارات برلين وأديس أبابا وباريس وكمبالا أيضاً، ساهمت هذه العملية في خلق شرط سياسي معين، في ذات الأثناء على مستوى الشباب ظهرت مجموعات تنشط في مجال العمل الطوعي مهدت لدخول الشباب المجال السياسي لكن من باب آخر غير الذي تعرفه التقاليد السياسية، هنا يظهر سؤال على مستويين: أولاً كيف يُفهم أثر الدعم الخارجي للمعارضة ؟ وكيف دعم الاتجاه الخارجي الذي أشرنا له الأشكال الحديثة للفاعل السياسي والتأثير على الأحزاب السياسية؟
هناك اختلاف بكل تأكيد بين سياق وآخر وبين لحظة وأخرى فانتفاضة 2013م، مختلفة عن ثورة 2018م. وكذلك، اختلفت توجهات الدول أيضاً، كاختلاف توجهات دول الإقليم مثلاً وبالذات دول المحور الإمارات والسعودية والبحرين، وعلى الصعيد الآخر مصر، فكلها تختلف في ما بينها حول ما تريده من السودان، ولكن تتفق على عدم رغبتها في أن يكون السودان ديمقراطياً، وفي عدم رغبتها في وجود الإخوان المسلمين (الحركة الإسلامية) على مستوى السلطة. من ناحية أن هذه الدول لا تريد ديمقراطية فهذا ما ذهب إليه الربيع العربي، ففي اليمن استمرت الثورة 18 شهراً بصورة سلمية ولكن تم تخريب هذه العملية وكذلك في ليبيا، وسوريا أيضاً، وتونس بعد مضي عشر سنوات ها هي الآن أيضاً تدخل في نفق مظلم، أذكر أنني عندما بدأ قيس سعيد حل البرلمان و توالت الأحداث، كتبت مقالاً منشوراً على صفحتي الشخصية بعنوان (أيقاظ أمية أم نيام) وكانت دعوتي للسودانيين أن لا يفرحوا فالإنقلاب قاب قوسين أو أدنى و قريباً سنشاهد هذا في السودان، ولأن كل دولة لها سياستها الخارجية الخاصة بها فسيظهر بشكل مختلف .
في عام 2013م تعامل النظام مع الاحتجاجات عبر أجهزته الأمنية المتفرقة، وحدث قمع مفرط مما أجهض الاحتجاجات وكان هناك صمت عالمي، لكن في 2018م كان هنالك أمران مختلفان الأول هو اللجنة الأمنية، التي أعطى تركيبها المكون من كل القوات العسكرية فرصة لهذه القوات لتنسق فيما بينها، ولكن هنالك حديث لا أستطيع تأكيده لك وهو أن بعض الدول كانت تريد الإطاحة بالبشير ولكن لا تريد نظام ديمقراطي، فهي تريد ذهاب البشير لصالح خطوطهم، المتمثلة في أنظمة عسكرية لكن ليست إسلامية وبالاطلاع على الراهن نجد أن هذا قد تحقق. أما بخصوص المجتمع الدولي، أنا على رأيي أنه لم يدعم الثورة بأي شكل من الأشكال، وهناك حوار للمبعوث الأمريكي مع صحيفة الشرق الأوسط الإنجليزية يمكنكم العودة إليه،وقدم له إجابة لا زلت أذكرها حيث ذكر له أننا لا نريد تغيير النظام في السودان وإنما إصلاح النظام، وهناك تقرير أيضاً للحكومة الأمريكية في الكونغرس في فترة أوباما، ذكروا فيه أنهم قاموا بمصالحات بين إدريس دبي والبشير، وعندما حدث الانفصال طلب هذا المبعوث من سلفاكير أن لا يقوم بدعم الجبهة الثورية؛ لذلك يمكن أن أقول بأن الأمريكان لا يريدون تغييراً في السودان بل إصلاح النظام جزئياً لظنهم أنه يحقق الاستقرار وأنه يسهل التعامل معه على عكس النظام الديمقراطي.
الكلمة المفتاحية لرغبة الولايات المتحدة هذه هي الاستقرار، لأن الأجهزة الأمنية كان لها تعاون كبير مع الولايات المتحدة في ملف الإرهاب، وهذا ما تريده الولايات المتحدة حالياً. لكن دعني أقف موقفاً مختلفاً مما ذهبت إليه وهو موقف مستقى من بعض المحاضر المنشورة في وسائل التواصل لاجتماعات للرئيس السابق تشير إلى تورط أيادي خليجية في ثورة سبتمبر 2013، لكن لم يخرج هذا الحديث لأن النظام لا يريد قطع العلاقة مع الخليج، هذا الأمر أيضاً يمكن أن يكون حدث في العام 2018م، ولولا حديث الإمام الصادق المهدي عن لقاء (صلاح قوش) لصمت الناس عن هذا، وهذا يدعم نظرية أن هناك أيدي خارجية قد لعبت دوراً من داخل النظام، فبكل تأكيد لبعض الدول مصالح في السودان. لكن مثلاً أنا كمعارض لنظام الإنقاذ لدي توجهاتي في إسقاط هذا النظام، والبعض لديه توجه مختلف، فمثلاً هنالك من يرى أن يكون هناك هبوط ناعم لمخاطر ومحاذير معينة يمكن أن تقود لمآلات شبيهة بسوريا وليبيا وهكذا. وهناك من تبنى غير ذلك في إسقاط النظام لكن عوامل كثيرة ساهمت في سقوط النظام وأجندات كثيرة تطابقت وتقاطعت، البشير أصبح (كرت محروق) من داخل منظومته، وهذا حديث لا يمكن أن أقول لك بأنه مؤكد ولكن هناك دلائل، ….
المحاور مقاطعاً (تعني وجود مؤشرات؟)
نعم مؤشرات بالضبط.
حسناً، دكتور عبد الرحمن إن كان هنالك مؤشرات ألا تظن بأن القوى السياسية قد تغافلت عنها تماماً وأظهرت ضعفاً في التعامل مع الوضعية السياسية، وهنا نجد مثلاً الوثيقة الدستورية التي ظهرت بصورة ضعيفة جداً، ألا تظن أن هذه القوى أهملت هذا الجانب؟
دعني أقول لك شيئاً، المشهد من الداخل معقد، ولقد كانت رؤيتنا أن هذا البلد يجب أن يكون فيه نظام ديمقراطي تعددي ونقاش حول البرنامج الاقتصادي، ومسألة الحكم، وكنا نعلم أن هذا النظام سيسقط؛ لذلك البديل يجب أن يكون برنامج حد أدني تتفق فيه جميع الأطراف، بمعنى أن تكون هناك جبهة عريضة وكان هذا البديل متوفراً لدينا (يعني هنا حزب الأمة) ولقد كُتِبت العديد من الأدبيات في هذا.
القوى السياسية بينها اختلاف. فإذا أخذنا حزب الأمة مثلاً والذي كنت فيه أميناً عاماً مكلفاً لفترة، نجد أن فيه أجهزة وهياكل ما زالت تعمل، ستجد أننا في كل ولاية أو محلية نملك هياكل حزبية وبرامج ودستور ولدينا رؤية متكاملة، وحزب مثل حزب الأمة لم يتأثر بالإنقاذ ولكن هذا ليس المجال المناسب للحديث عن أسباب ذلك. لكن كانت هناك أحزاب عبارة عن (لافتات) وهذا من خلال تجربتي التي كنت فيها مسؤولاً عن الاتصال بالقوى السياسية، وهناك حزب عبارة عن ثلاثة أشخاص فقط. الإنقاذ اخترقت بعض الأحزاب السودانية، ووقفت هذه الأحزاب المخترقة حائلاً أمام توحد أي قوى؛ هذه القوة السياسية المخترقة لن تتوحد بل سيمتد الانقسام حتى للجان المقاومة لأن هؤلاء مهمتهم هذه العملية. ستجد أثناء أيام الحرية والتغيير تصرفات غير مسؤولة، مثل إقصاء حزب الأمة وتمثيله الضعيف، حتى الحملات التي شنت على الأمام الصادق المهدي (عليه رحمة الله) فهذا الأمر لم يكن طبيعياً، ويمكن أن أذكر أحزاب بعينها إذا أردت ذلك .
في التفاوض وتعيين الوزراء أيضاً ظهر هذا الاختراق، حتى في ملف الولاة مثلاً، اتفق حزب الأمة مع رئيس الوزراء (السابق) دكتور عبد الله حمدوك، وقدمنا معايير وقانون حكم محلي يجب أن لا يتم تجاوزها كما حدث في حالة والي كسلا، والتي حذر منها الإمام، أنا أقول بأن هذا المشهد محرك من خارجه لذلك أقول بأن هناك ضعف في الأحزاب ولكن ليس جميعها، وهناك اختراق لأحزاب وليس جميعها، وهناك تدخل دولي أيضاً لبعض القرارات وليس جميعها، وبكل تأكيد هناك مشاكل ضعف الخبرة السياسية وهو أمر معروف.
هل كان هنالك داعي لوثيقة دستورية من الأساس، لأنها تحولت إلى مكان لصراع سياسي، بدلاً عنها كان من الممكن أن يكون هناك عودة لدستور وتعديله مثلاً؟
ن رأيي الشخصي أن فكرة الوثيقة الدستورية ليست سيئة في جوهرها لأنها تخاطب وضع مختلف عن سابقه، وحزب الأمة يمتلك رأي في بعض الدساتير، بالإضافة إلى أن هناك توازن قوى معين أنتج شكلاً هجيناً وهناك جيش نظامي وجيش غير نظامي، وبكل تأكيد الوثيقة الدستورية هي لمعالجة وضعية سياسية وليس وضعية قانونية، لذلك الوضع لم يكن طبيعياً. والوثيقة من حيث الجوهر جيدة إلا أن فيها مشاكل وبعض الغموض، لذلك أكرر قولي أنها كجوهر جيدة، فمن خلالها يمكن أن تكون نقطة بداية لتحقيق أهداف الثورة كمعالجة التمكين من خلال المفوضيات وإصلاح النظام العدلي وتحجيم المؤسسة العسكرية والقيام بإصلاحات داخلها لكن للأسف الوثيقة أصبحت عبارة عن ورقة بسبب تنازل المكون المدني وارتهانه للجيش والدعم السريع في ملفات العلاقات الخارجية والاقتصاد والسلام، وأصبح السلام مدخلاً لتحالف على أساسه حدث الانقلاب على المدنيين، لذلك الوثيقة ليست المشكلة ولكن الممارسة هي المشكلة.
حسناً دكتور عبد الرحمن، ألا تعتقد أن ما حدث بخصوص الوثيقة يدل على طموح نحو السلطة، نلاحظ أن هنالك جوانب عديدة في الوثيقة تم التغافل عنها بسبب الطموح وكذلك الإعلان السياسي، وسلام جوبا، وبسبب ذلك لم تعالج بعض المشاكل ألا تعتقد أن هذا الطموح الكبير للسلطة كان سبباً لهذه المشاكل؟ وكيف يمكن أن يفهم هذا الطموح أيضاً؟
كان موقف حزب الأمة هو تكوين حكومة غير حزبية من مجموعة مؤهلة ومن دون مشاركة الأحزاب التي عليها التفرغ لبناء نفسها وهيئاتها المختلفة وظل هذا الموقف حتى انتقال الإمام. الأمر الآخر كان موقف حزب الأمة تجاه الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية فرأينا أن تعاد هيكلتها (قوى الحرية و التغيير) وأن يكوّن جسم قيادي يجمع كل الأحزاب المشاركة ليتم مداولة القرارات و اتخاذها بشكل شفاف وتوافقي لنتجنب أن يكون معظم القرار بيد مجموعة قليلة وهو ما كان بادياً منذ الأيام الأولى للفترة الانتقالية في وجود عشرات الأجسام الموجودة بالحرية والتغيير.
وأيضاً رأينا توسيع الحاضنة لتشمل كل الذين شاركوا في الثورة وأسهموا في مقاومة نظام الإنقاذ. الشاهد في الأمر أن الحزب كان لديه ملاحظات في أداء الحكومة وتشكيلها والمجموعة التي تصدرت هذا الأمر ساهمت في إضعاف التجربة الأمر الذي أدى في نهاية الأمر إلى الإنقلاب. وعند حدوث الإنقلاب لم يكن للحكومة أي حجة فهي لم تنجز أي شيء من استحقاقات الفترة الانتقالية من مفوضيات وتكوين محكمة دستورية والمحاكمات وغيره، حتى أن المحاولة الانقلابية التي قادها اللواء بكراوي لم تجد أي تفاعل من الشارع وهذه كانت إشارة مهمة عن مدى إحباط الشارع من أداء الحكومة وحاضنتها السياسية وهي الإشارة التي التقطها البرهان على أنها ضوءٌ اخضر للتخلص من الحكومة وحاضنتها السياسية من دون تحرك الشارع وهو ما لم يحدث. وهنا تجدر الإشارة إلى أن السياسي الوحيد الذي كان ينبه لمكامن الفشل ويحذر من مغبة الممارسة السياسية الرعناء هو الإمام الصادق المهدي وكان يؤكد على كلامه هذا دون الخوف من أي ردة فعل سواء كان من الشارع أو من بقية القوى السياسية. كان حديثه، على الرغم من أنه يخصم من رصيده السياسي، حول مزيد من التوافق مع المكون العسكري وإيقاف حالة المزايدات من جانب بعض الأحزاب وإيقاف “حالة النهم للسلطة”. كل هذا السلبيات الشديدة التي رافقت التجربة خلال العامين الماضيين تحتاج إلى مراجعة ونقد ذاتي شديد إذا ما تم استعادة المسار مجدداً وإلا فستؤول الأمور لنفس النتيجة مرة أخرى. ما أريد قوله هو أن بعض الأحزاب لم تتحل بالدرجة الكافية من المسؤولية وبالتأكيد ليس كلها.
وهناك أمر آخر يتعلق بعملية السلام والمفاوضات التي أفضت إلى اتفاق جوبا، فهناك خطأ منذ البداية في هذه العملية حيث أن الجبهة الثورية كانت جزءاً من نداء السودان والتحالف الذي أسقط النظام، لذا لا يمكن أن يتم تعريفهم بعد سقوط النظام كمعارضة مسلحة ومن ثم مفاوضتها، بل الأجدر كان أن يتم الأمر من خلال مؤتمر داخلي لمعالجة كل الملفات الخاصة بعملية السلام والدخول في الفترة الانتقالية ككتلة واحدة. وهناك يا للأسف خلافات غير موضوعية بين القوى السياسية أدت لانقسامات بين القوى السياسية والحركات المسلحة وبين القوى السياسية فيما بينها مما أدى في نهاية المطاف لخلق فراغات كبيرة تحرك فيها المكون العسكري. كان الإمام يتحدث عن ضرورة التوافق على برنامج معين بحد أدنى لأنه لا يمكن أن نتفق على إسقاط النظام من دون أن نتفق على ما بعد ذلك. في النهاية شابت عملية السلام الكثير من الهنات، مثلاً دخلت في العملية مناطق هي أصلاً لم تكن مناطق حرب وغير ذلك.
تجربة الحكم في العموم صاحبها فشل كبير في جوانب كثيرة وظهرت فيها أمراض الأحزاب وأمراض نظام المؤتمر الوطني الذي أعادت بعض الأحزاب نفس ممارساته، بل بشكل أسوء، وقصّرت الحكومة في العديد من الملفات وتنازلت حتى عن بعضها كملف السلام الذي لم يكن متاحاً للمشاركة وللرأي العام، وكذلك الملف الاقتصادي الذي لم نكن نتخيل أن يتخلى عنه السيد رئيس الوزراء السابق الذي جاء لهذا المنصب بسبب خلفيته الأكاديمية والمهنية في الاقتصاد فلم نتوقع أن يكون في لجنة اقتصادية عليا نائباً لرئيسها قائد قوات الدعم السريع. في الحقيقة مجمل التجربة كانت سلبية للغاية ويتحمل ذلك رئيس الوزراء بشكل كبير وتتحمل معه المسؤولية كذلك الأحزاب والحاضنة السياسية التي تعرضت للاختطاف بواسطة أقلية طوال الفترة الانتقالية، وكل ذلك يدفع نحو المراجعة والنقد لتوريث شكل أفضل وأكثر مسؤولية من الممارسة السياسية في المستقبل. بالطبع هذا شجع على الانقلاب ولكن الانقلاب كان مخططاً له ومستبطناً من قبل المكون العسكري ودول الإقليم التي تدعمه لأسباب كثيرة يمكن تفصيلها في مجال أوسع.