إعداد: عبدالباقي الناجي، و محمد الكامل
عادة ما يقُسّم تاريخ الدولة الوطنية (أو دولة ما بعد الاستعمار) في السودان إلى حقب متعاقبة من فترات الحكم العسكري الاستبدادي، والثورات الشعبية، وفترات الحكم المدني الديمقراطي. يحكي هذا التقسيم قصة الحقب العريضة لتاريخ سودان ما بعد الاستقلال، قصة الديمقراطيات الثلاث، وثورات أكتوبر وأبريل وديسمبر، وأنظمة عبود والنميري والبشير، قصة “الحلقة الشريرة” التي تضيع فيها مكتسبات الثورات الشعبية بسبب عجز الأنظمة الديمقراطية عن الوصول إلى صيغ مستقرة وفعالة للحكم والتنمية، حيث يتربص الجيش المسيس بالنظام الديمقراطي باستمرار، ويتربص أعضاء النظام الديمقراطي ببعضهم كذلك، وعند بلوغ فشل النظام الديمقراطي وعبث ساسته أقصاه ينقلب الجيش عليه، وتبدأ حقبة طويلة من العنف والاستبداد، ومجدداً، تستمر الحلقة الشريرة ببلوغ تناقضات النظام العسكري أقصاها وسقوطه في النهاية بثورة شعبية.
تمكننا رواية الحلقة الشريرة هذه من أن نرى العديد من الحقائق الماثلة في تاريخ سودان ما بعد الاستقلال بوضوح. يمكننا أن نرى تدخل الجيش المستمر في السياسة، وأن نرى دموية فترات الحكم العسكري، وعبث فترات الحكم الديمقراطي. وقد أصبح النظر إلى تاريخ تدخل الجيش في السياسية مهماً جداً في الفترة التي نعيشها، والتي تحول فيها الجيش تدريجياً إلى فاعل اقتصادي كبير، له العديد من الاستثمارات والشركات، كما تدخل الجيش في هذه الفترة في عملية التحول السياسي بصورة فجة ونفذ مجازر في حق الحركة الديمقراطية.
وعلى الرغم من هذا الدور المفيد، لا تحكي هذه الرواية تاريخاً أشد بياناً وأكثر تفصيلاً، فعند الاكتفاء بتقسيم التاريخ إلى حقب من فترات الحكم الديمقراطي، وأخرى من فترات الحكم العسكري تغيب عن نظرنا مجموعة من الظواهر، أولها التشابه في عدد كبير من المخرجات النهائية الفعلية بين الأنظمة الديمقراطية والعسكرية، ونعني بالمخرجات النهائية أمرين: الهياكل القائمة التي حافظت عليها هذه الأنظمة كبقاء السلطة في النهاية بيد فئات اجتماعية ثابتة في أغلبها وطبيعة الاقتصاد الاستخراجية المعتمدة على تصدير المواد الخام إلى السوق العالمي، والسياسات التي طبقتها هذه الأنظمة في الاقتصاد والعلاقات الخارجية وقضايا المواطنة والحرب والسلام.
أما الظاهرة الثانية فهي التغييرات العنيفة (أو بالأحرى المراحل التاريخية المختلفة أو الأنظمة المتعددة) التي تحدث ضمن النظام الواحد، وهذه الظاهرة أكثر جلاءً في الأنظمة العسكرية لطول فترات حكمها. تحول نظام نميري على سبيل المثال، من نظام يرفع لواءات القومية العربية والاشتراكية في مهده، إلى نظام ذي علاقات وثيقة بالمعسكر الدولي الغربي وبرامج تشرف عليها مؤسسات التمويل الدولية وعلاقات مستترة مع الكيان الصهيوني، ومن نظام ارتكب مجازر بدعوى “محاربة الرجعية والطائفية” إلى نظام يطبق الشريعة الإسلامية بعنف. تصف هذه التحولات عدة أنظمة سياسية مختلفة لا نظاماً واحداً. ولا يمكن تفسير هذه الأحداث دون النظر إلى التغيير في العناصر الداخلية المكونة للسلطة (رغم بقاء رأس النظام) والتحولات الإقليمية والدولية.
والظاهرة الأخيرة هي غياب أي معنى أو مضمون للديمقراطية يتجاوز تكوين السلطة عبر الانتخاب وحفظ بعض الحريات السياسية الأساسية في فترات الحكم الديمقراطي. حيث تشير العديد من الأحداث البارزة والتفاصيل المحكية عن الفترات الديمقراطية في السودان إلى افتقار هذه الأنظمة للعديد من الممارسات الجوهرية في الديمقراطية، ابتداءً من وجود صيغ دستورية متوافق عليها لإدارة الحكم، وشمول الترتيبات الانتخابية لكل المواطنين ونزاهتها، وفصل السلطات ووجود توازنات بينها، وحتى حفظ الحريات السياسية والمدنية الأساسية في بعض الأحيان.
ليس الغرض من هذه السلسلة بالطبع منح مسوغات أو مبررات للانقلابات العسكرية، أو رفض العمل السياسي الحزبي؛ بل محاولة فهم الظروف والعوامل السياسية الكامنة خلف تاريخ الحكم الوطني في السودان، بعيدا عن الروايات الوردية الراسخة في أذهان الناس. ولعلنا نسأل.. هل كانت الانقلابات النقطة السوداء الوحيدة في “الدائرة الشريرة”، أم أنها امتداد طبيعي لما سبقها؟
لذلك سنحاول في هذه السلسلة أن نستعرض عدداً من الأحداث التاريخية بصورة تحاول أن تفهم الأنظمة السياسية التي قامت في فترات الحكم الوطني بصورة لا تقتصر على تصنيفها إلى عسكري/ديمقراطي وتحاول بدلاً من ذلك أن تفهم التركيب الفعلي لهذه الأنظمة، أي طبيعة قواعدها الاجتماعية والفئات المستفيدة منها والمصالح التي تحاول أن تخدمها، إضافة إلى المخرجات النهائية لهذه الأنظمة ممثلة في السياسات التي نفذتها فعلاً في الاقتصاد والسياسة الخارجية وقضايا المواطنة والحرب والسلام.
ولحسن الحظ لم تخلو المكتبة السودانية والدراسات التاريخية التي تناولت فترة الحكم الوطني من أعمال تدرس التاريخ وترويه من هكذا منظور. نجد ذلك في مؤلفات محمد أبو القاسم حاج حمد، وتيسير محمد علي، وفاطمة بابكر محمود، وتيم نيبلوك وغيرهم. وسترتكز هذه المقالات على كثير مما كتبوه. كما يصعب علينا بطبيعة الحال أن نقوم برواية كل تاريخ فترة الحكم الوطني من جديد، ولكننا سننتقي ونختار فتراتٍ وأحداثاً نرى أنها مهمة ومحورية في فهم تاريخ فترة الحكم الوطني فهماً مختلفاً.
لم ينظر هؤلاء الكتاب المذكورون هنا إلى الأنظمة الحاكمة في السودان من مجرد طبيعة تكوينها أعسكرياً كان أم مدنياً، وإنما حاولوا النظر إلى جوهر أعمق من ذلك.. لقد حاولوا النظر إلى طبيعة القوى الاجتماعية المكونة لهذه الأنظمة، وإلى طبيعة المصالح المادية التي تخدمها. لقد رأى هؤلاء الكتاب جميعاً، رغم الاختلافات العدة بينهم، الدور المحوري الذي لعبته المصالح الملتفة حول الاقتصاد الاستخراجي الذي كونه كونته سلطة الحكم الثنائي الاستعمارية في السودان[1].
ما هي القوى الاجتماعية التي ألتفت مصالحها حول هذا الاقتصاد؟ وكيف نشأت هذه العلاقة بينها وبينه؟ تضم هذه القوى القيادات الطائفية التي منحها الاستعمار الإنجليزي وصولاً مبكراً واستفادة خاصة من مشاريع الزراعة المروية وفرصاً للتوسع التجاري، خصوصاً قادة طائفتي الأنصار والختمية، والمثقفين الذين ألتفوا حول هاتين الطائفتين مشكلين بهذا التحالف الأحزاب الطائفية المعروفة، وكبار موظفي الدولة في قطاعاتها المختلفة، وزعماء القبائل والإدارات الأهلية، وكبار التجار.
اشتركت هذه المجموعات في التفاف مصالحها المادية حول الاقتصاد الاستخراجي الذي كان القطن محوره في تلك الفترة، وكان ذلك أساساً لاشتراكها في الحفاظ على نمط واحد في إدارة الاقتصاد والحكم. واختلفت في جذورها الطائفية والمناطقية، وتحالفاتها الخارجية، ومواطن تمكنها من الاقتصاد الاستخراجي، واستشرت بينها الخلافات الذاتية، وكان ذلك أساساً لاختلافها ونزاعها فيما بينها على السلطة. في ما يلي مقدمة بسيطة عن المجموعات السياسية-الاجتماعية التي هيمنت على السلطة في السنوات الأولى التي تلت الاستقلال.
الأحزاب الفاعلة في التجربة الحزبية الأولى (1954-1958):
انطلق الحكم الوطني في السودان، والساحة السياسية مقسمة في ظاهرها بين تيارين عريضين، أحدهما تيار استقلالي يدعو لاستقلال السودان عن دولتي الحكم الثنائي البريطاني-المصري معاً، وآخر وحدوي يتطلع للوحدة مع القطر المصري. وفي الحقيقة، يمثل كل تيار تحالفاً كبيراً ومركباً من المصالح والخلفيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بما يتعدى مجرد الخلاف حول مصير السودان بعد استقلاله، بل ويمكن المجادلة بأن هذا الخلاف كان نتيجة لهذه الفوارق.
بشكل عام جداً، لا يخلو من الاختزال، تكون كل تيار من تحالف بين واحدة من الطائفتين الدينيتين الكبريين في السودان، ومجموعة من الطبقة المتعلمة والمثقفة التي تكونت خلال سنوات الحكم الثنائي للسودان، ومجموعة من التجار. ارتبط التيار الاستقلالي بطائفة الأنصار كقاعدة اجتماعية ودينية وجماهرية وبالبرجوازية الزراعية كقاعدة اقتصادية، وكان على تحالف مع بريطانيا وقوى المعسكر الغربي، بينما ارتبط التيار الوحدوي بطائفة الختمية كقاعدة اجتماعية ودينية وجماهرية، وبالبرجوازية التجارية كقاعدة اقتصادية، وكان على تحالف خارجي مع مصر. كما ذكرنا أعلاه، اختلف هذان التياران العريضان وتنازعا على السلطة بسبب الاختلاف في تركيبهما، ولكنهما في النهاية اشتركها في استفادتهما من النظام السياسي والاقتصاد الذي أنشأه الاستعمار، وحافظا عليه في نهاية الأمر، كان ذلك وجه تشابه بينهما، ووجه تشابه بين كليهما ونظام عبود العسكري، وسيتضح ذلك في المقالات التالية.
في السنوات الأولى التي تلت الاستقلال، مُثّل هذان التياران من قبل ثلاثة أحزاب سياسية، هي حزب الأمة، والحزب الوطني الاتحادي، وحزب الشعب الديمقراطي. كان حزب الأمة في قيادة التيار الاستقلالي، والذي رفع شعار “السودان للسودانيين”. في الجانب المقابل، حيث نودي ب “وحدة وادي النيل”، حمل الحزب الوطني الاتحادي راية الاتحاديين. وبرز حزب ثالث بعيد الاستقلال، ميال للجار الشمالي، تحت مسمى حزب الشعب الديموقراطي. هيمنت هذه الأحزاب الثلاثة، على السلطة في التجربة الحزبية الأولى.
يصعب الشرح الوافي لتركيب وتاريخ هذه التيارات والأحزاب دون التطرق إلى التاريخ الطويل للطرق الصوفية في السودان وللثورة المهدية، ولنشوء الطبقة المتعملة في السودان والمنعطفات الكبرى التي مرت بها، ولأنماط تكون الدولة والسلطة في فترة الحكم الثنائي، ونشوء الاقتصاد الحديث للسودان وأنماط تراكم رأس المال فيه، وسنتطرق إلى بعض من ذلك في المقالات المقبلة في السلسلة، في ما يلي عرض أولي وبسيط لهذه الأحزاب:
حزب الأمة:
تكون حزب الأمة في العام 1945، بعيد انسحاب الجماعة التي يسندها السيد عبدالرحمن من مؤتمر الخريجين.[2] يتكون الحزب من ثلاث فئات رئيسية: طائفة الأنصار، وزعماء القبائل ووكلاء الإمام، و العناصر المتعلمة (المثقفون) التي انتقاها السيد عبدالرحمن لتكون بجواره. [3] يمثل الأنصار الثقل الجماهيري للحزب، حيث استطاع السيد عبدالرحمن، ابن مؤسس الدولة السودانية الأولى، محمد أحمد المهدي، تجميع مريدي وأتباع والده تحت رايته مرة أخرى. وقد كان زعماء العشائر والوكلاء حلقة الوصل بين السيد عبدالرحمن وطائفة الأنصار.[4]
كان لدى السيد عبدالرحمن قاعدة عريضة من الأنصار، إلا أنها لم تكن لتبي طموحاته و تطلعاته السياسية؛ مما استدعاه لاستمالة جزء من الطبقة من المتعلمة التي بدأت بالنشوء في فترة الحكم الثنائي، خصوصاً بعيد فشل ثورة اللواء الأبيض عام 1924، وتواصل نشاطه لحد وصف المخابرات البريطانية له برجل الطبقة المثقفة.[5] قرب السيد عبدالرحمن المثقفين إليه ليكونوا بمثابة التكنوقراط، مستفيداً من تعليمهم وتمكنهم من اللغة الإنجليزية وقدراتهم الفنية[6]، واستفاد المتعلمون بدورهم من الوزن السياسي والاقتصادي الكبير للسيد عبدالرحمن بصور متنوعة. وكان حزب الأمة بمثابة التتويج لهذا التحالف.
و بالرغم من اشتراك الثورة المهدية وحزب الأمة في القواعد المتمثلة في الأنصار، إلا أن هذا هو عامل الربط الوحيد بينهما. فقد قامت الثورة المهدية ضد الاستعمار (التركي- المصري) وناصبته العداء، لكن السيد عبدالرحمن، كان صاحب تحالف استراتيجي قوي مع السلطة الاستعمارية، وساندها في ملفات داخلية وخارجية مختلفة. نشأ التحالف بين السلطة الاستعمارية والسيد عبدالرحمن في إطار سعي السلطة الاستعمارية إلى استمالة زعماء الطوائف والطرق الدينية درءًا للخطر الذي يمكن أن تشكله هذه الطوائف على الحكم الاستعماري. وبالطبع، كانت طائفة الأنصار أشد الطوائف خطراً على السلطة الاستعمارية نظراً لإرث الثورة المهدية. تطور هذا التحالف مع توالي أحداث فترة الحكم الثنائي للسودان، وخصوصاً خلال ثورة 1924.
استند السيد عبدالرحمن، وحزب الأمة من بعده على قاعدة اقتصادية كبيرة تستند على المشاريع الزراعية المروية بشكل كبير. منحت تلك القاعدة الحزب وسيد طائفة الأنصار ثروة كبيرة كانت مرتكزاً أساسياً لوزنهما السياسي، ومحدداً لسلوكهما ومواقفهما وقراراتهما. بدأت القاعدة الاقتصادية التي أستند عليها حزب الأمة بالتكون عندما حاولت سلطة الحكم الثنائي منح مجموعة من القيادات القبلية والدينية أراضياً ومشاريعَ زراعية بغرض استمالتهم لها، وكانت استمالة قيادات طائفة الأنصار على الخصوص محورية درءًا للخطر السياسي الكبير الذي يمكن أن يشكله الأنصار ونظراً لوزنهم الكبير. من هذا المنطلق، بدأ التوسع الاقتصادي للسيد عبدالرحمن المهدي، زعيم الأنصار، عام 1908 عندما منحته السلطة الاستعمارية إذناً لزراعة أرض في الجزيرة أبا، واستمرت السلطة الاستعمارية بدفع التوسع الاقتصادي للسيد عبدالرحمن بمنحه الأراضي والقروض والهدايا والعطاءات الحكومية مثل عقود توريد حطب وقود البواخر النيلية وتوفير مواد بناء خزان سنار [7]، إضافة إلى استفادته من الخبرات الفنية والتقنية للمهندسيين التابعين للحكومة في تجهيز المشاريع وبنائها[8]
تمكن السيد عبدالرحمن عبر مزيج من الحصافة المالية، والدعم الحكومي، والاستناد على قوة عمل أعضاء طائفة الأنصار من تكوين ثروة كبيرة، منحته وضعاً سياسياً واقتصادياً خاصاً. فبحلول العام 1936، امتلك السيد عبدالرحمن حوالي 13000 فدان في أربعة أقاليم مختلفة، وكان العاملون تحته في الجزيرة أبا لوحدها 4500 عامل. وكان جل العاملين في مشاريع السيد عبدالرحمن من الأنصار الذين عملوا في المشاريع مجاناً مقابل الحصول على احتياجتهم الضرورية.[9]
يدفع مناصرو السيد عبدالرحمن “أبو الاستقلال” بما قدمه من دعم سخي للحركة الاستقلالية، وانفاقه من ماله الخاص في سبيل خروج المستعمر. ورغم مهادنة السيد عبدالرحمن للبريطانيين، كان شديد العنف، أو أقل تسامحا، مع أي مساحة لتمدد شركاء البريطانيين؛ أي مصر. فقد غاب التسامح الأنصاري في مظاهرات الطلبة عام 1946، وفي افتتاح البرلمان في مطلع مارس 1954.[10]
لم يكن تكنوقراط الحزب بمعزل عن سياسة السيد عبدالرحمن، والتي تميل غرباً. فقد استمرت العلاقة الودية بين حزب الأمة والمعسكر الغربي، ويفسره البعض بموقف حكومة عبدالله خليل المتخاذل عن دعم مصر إبان العدوان الثلاثي.[11] وقد كان عبدالله خليل، رئيس الوزراء، أحد الداعمين الرئيسيين لمشروع المعونة الأمريكي. وكشفت بعض التقارير، أن عبدالله خليل، كان على معاهدة دفاع سرية مع الإمبراطور الإثيوبي هايلي سيلاسي، حليف الولايات المتحدة.[12] وقد طلب من قبل مبعوث خليل من إثيوبيا، دعماً من حوالي خمسة آلاف عسكري إثيوبي، لصد أي هجوم محتمل من مصر.[13] ولم تكن هذه المرة الأولى، فقد طلب خليل المدد من إثيوبيا، و حصل على وعود إبان نشأة الخلاف الحدودي على مثلث حلايب.[14]
الحزب الوطني الاتحادي:
كان التيار الاتحادي، نقيض التيار الاستقلالي في حزب الأمة، مكوناً من تحالف واسع جمع الطائفة الختمية والمتعملين من مثقفي التيارات السياسية المختلفة، والبرجوازية التجارية الناشئة خلال سنوات الحكم الثنائي. تعرض هذا التيار لتغييرات عدة على مستوى التركيب والتمثيل السياسي نتيجة للانشقاقات والائتلافات المختلفة داخله، وهو ما سيظهر جلياً في الأسطر القادمة، ولكن الحزبيين السياسيين الأساسيين المعبرين عنه كانا الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي.
تعود جذور الطائفة الختمية إلى ما قبل الحكم التركي -المصري، أي قبيل تشكل الجغرافيا السياسية للسودان بشكلها الحالي.[15] ويعود الفضل في انتشارها، إلى السيد محمد عثمان الختم، جد السيد علي الميرغني. احتفظت الطريقة الختمية بعلاقة جيدة مع الاستعمار التركي- المصري، وناصبت المهدية العداء. و بعد سقوط الدولة المهدية في قبضة الاستعمار، استمرت العلاقات الجيدة بين الطريقة الختمية وسلطات الاحتلال. حيث عملت السلطة الاستعمارية على استرضاء السيد علي، كغيره من القيادات الدينية، بمنحه أراض لإقامة مشاريع زراعية عليها.[16]
بشكل عام، استندت القاعدة الاقتصادية للتحالف القائم بين الطائفة الختمية ومختلف أحزاب التيار الاتحادي، على قطاعي التجارة والزراعة. فقد اكتسب القادة الطائفيون المرتبطون بالتيار الاتحادي كالسيد علي المرغني والشريف الهندي قوة اقتصادية من المشاريع الزراعية الخاصة، مستفيدين في ذلك من علاقتهم بالسلطة الاستعمارية كما هو الحال مع السيد عبدالرحمن المهدي. إضافة إلى ذلك، فقد ارتبط هذا التحالف بقطاع آخر وهو القطاع التجاري، حيث ارتبط الحزب الوطني الاتحادي بطبقة البرجوزاية التجارية، ولكن هذا التقسيم بدأ بالذوبان خلال السنوات التي تلت الاستقلال نتيجة لظاهرة الاستثمار المتداخل في مختلف القطاعات الاقتصادية[17]
كان التخوف من استمالة بريطانيا وميلها نحو السيد عبدالرحمن، واستقطاب السيد عبدالرحمن للمثقفين بعيد فشل ثورة اللواء الأبيض، وتضييق الإدارة البريطانية على المثقفين. دافعاً أساسياً لدخول السيد علي معترك السياسة. استغل السيد علي إضراب الطلبة عام 1931،[18] حيث انقسم الطلاب إلى فريقين، أحدهم بقيادة محمد علي شوقي (الشوقيون)، و(الفيليون) بزعامة الشيخ الفيل.[19] وقد كان الإضراب بسبب تخفيض مرتبات الطلاب والخريجين، توسط السيد عبدالرحمن لحل الإشكال مع الإدارة البريطانية، وكان الفريق الرافض لتلك الحلول هم جماعة الفيل، والذين تحالف معهم السيد علي. توطدت العلاقة بعد انتخابات الدورة السادسة مؤتمر الخريجين للعام 1943، وذلك بعدما انفض التحالف بين الأزهري، و عبدالله الفاضل.[20] عمل كبار الختمية، بقيادة الشيخ الفيل ومحمد نورالدين، على توثيق الصلة بين الفصائل الاتحادية والسيد علي. [21]
تشكل الحزب الوطني الاتحادي بفضل مبادرة مصرية لتجميع كل الفصائل الاتحادية عام 1952، و ذلك لتوحيد الجهود لمجابهة الأجندة البريطانية، عند توقيع اتفاقية الحكم الذاتي. وضمت الاتفاقية: الأشقاء، الاتحاديون، الأحرار، وحدة وادي النيل.[22] وكانت لهذه المكونات رؤى متباينة حول القضية المركزية للحزب، الوحدة مع مصر، لدرجة وصف محاولات توحيد صفوف الاتحاديين بأنها أصعب من التوفيق بين العرب وبن غوريون، أو بين أمريكا و روسيا.[23]
يشكل الأشقاء، بقيادة السيد إسماعيل الأزهري، أبرز التيارات المكونة للحزب. كان الأشقاء خبراء في صنع التحالفات السياسية، وهو يرجع لعدم تقيدهم بمبادئ فكرية قاطعة.[24] فقد تبدل حلفاء الأزهري، من السيد عبدالرحمن وجماعته في دورات مؤتمر الخريجين الأولى، لينتقل إلى التحالف مع ابن عم السيد عبدالرحمن، السيد عبدالله الفاضل، ويختم تحالفاته بعدو السيد عبدالرحمن، الجار المصري، عندما قصدهم طلبا للدعم في مجابهة نفوذ و أموال السيد عبدالرحمن.[25] وقد خلقت مناورات السيد إسماعيل الأزهري في ملف الوحدة مع مصر، تيارا مناوئا داخل الأشقاء، بقيادة محمد نور الدين.[26] و بسبب الخلافات التي ضربت مؤتمر الخريجين، في أوائل الأربعينيات، انسحب فصيل من الأشقاء ليكونوا حزب الأحرار. والذي انقسم بدوره لتيارين: أحدهما اتحادي، وهو الذي انضم للوطني الاتحادي، وآخر انفصالي ذاب في حزب الأمة. [27] ويعتبر كثيرون حزب وادي النيل أداة مصرية، أكثر من كونه حزب. ويشكل الاتحاديون ضلعا بارزاً في تكوين الوطني الاتحادي. و ترجع جذور هذا التيار لمدرسة أبوروف الثقافية، والتي ضمت صفوة المتعلمين، وقد تبنوا مبادئ وطنية، و آمنوا بقيم العدالة الاجتماعية.[28] قد اتخذوا من الوحدة مع مصر موقفا سياسياً، و خياراً مصيرياً.[29] ورغم أن الغالبية تنحدر من أصول ختمية، إلا أنهم ناصبوا الطائفية العداء في خطابهم السياسي، [30] وهو ما يفسره قلة عددهم، الذي لم يتجاوز الثلاثمئة.[31]
وفي ظل هذه التناقضات التي جمعت الفصائل الاتحادية، والتي لم تكن تختلف في موقفها من الوحدة مع مصر، بل حتى في صدق هذا الموقف، وعلاوة على موقفها المتباين من الطائفية؛ كان انقسام الحزب مسألة وقت ليس إلا، وهو ما بدأ فعليا قبل أن يكمل الوطني الاتحادي عامه الأول في السلطة. وهنا يأتي الحديث عن حزب الشعب الديموقراطي.
حزب الشعب الديموقراطي:
إذا نظرنا إلى تكوين الحزب الوطني الاتحادي، فهو تحالف بين التيارات الاتحادية، والطبقة الوسطى النامية، وطائفة الختمية. كما أن العلاقة بين الاتحاديين، والسيد علي كانت بها نوع من الندية، على عكس علاقة السيد عبدالرحمن بمثقفي حزبه.[32]
شكلت القاعدة الجماهيرية التي وفرها الختمية، والدعم المصري السخي، العامل الرئيس في دفع الحزب الوطني الاتحادي لتحقيق أغلبية برلمانية، مكنته من تشكيل مؤسسات الحكم الذاتي، والسيطرة على عملية السودنة. لكن سيطرة الأزهري ورفاقه على قرار الحزب، أدى لانشقاقات عديدة كما أشرنا سابقا، والذين كانوا فيما بعد الفئات التي شكلت حزب الشعب، على رأسهم الوزراء الذين أبعدوا من حكومة أزهري أواخر العام 1954، و على رأسهم وزير الزراعة والري ميرغني حمزة.
في يونيو عام 1956 أطلق حزب الشعب صرخته الأولى، بعد أن ضاقت بالختمية، السند الشعبي للحزب الوطني الاتحادي، و حليفه المصري تحركات الزعيم الأزهري ورفاقه، وخروجهم عن طوع الطائفية.
بالمجمل، لا يمكن النظر إلى الحركة الوطنية، والنضال ضد الاستعمار دون منح المثقفين حقهم، و الإشادة بما بمدافعاتهم في سبيل الانعتاق من قبضة المحتل. وإن كان يحسب عليهم شيء، فهو ضيقهم عن العمل الجماهيري، و استعانتهم بالقوى الطائفية، وقواعدها المطيعة، والتي أصبحوا فيما بعد جزءًا منها. وحتى الوطنيون المستقلون، باختلاف تياراتهم، لم يستطيعوا الصمود أمام المد الطائفي في بحر السياسة. لم تكن هذه الجريرة الوحيدة التي ارتكبها المثقفون؛ فقد ورثوا السردية الاستعمارية عن المواطنين الأصليين والمستوطنين،[33] و تقسيم السودان إلى عرب و زنوج، فأصبح المثقف السوداني، يدافع المصالح المصرية أكثر المصريين،[34] ولو على حساب السودان. و يستقوى فصيل آخر بامتداده الأفريقي، ليكبح جماح المد والتهديد العروبي، ولو استدعى ذاك انتهاك سيادة السودان.
المصادر و المراجع:
[1] نتحدث هنا عن السنين الأولى بعد الاستقلال، خصوصاً فترتي الديمقراطية الأولى ونظام عبود الذين حافظ فيهما النظام الاقتصادي الذي كونه الاستعمار على نفسه بصورة كبيرة، وكان هذا الاقتصاد مرتكزاً على تصدير القطن كسلعة استخراجية. وتطور النظام الاقتصادي الاستخراجي وفق تحولات داخلية وخارجية عدة وارتكز على سلع مختلفة بعد ذلك مثل النفط والذهب، كما سبب تضخم قطاعات ونموها صعود مجموعات سياسية وهبوط أخرى كما حدث في حالة الحركة الإسلامية والقطاع الخدمي والمصارف الإسلامية، راجع:
Thomas, E. (2017). Patterns of growth and inequality in Sudan, 1977-2017
[2] محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث 1820- 1955 (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر، 2018)
[3] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر 1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية (الخرطوم: مدارات للطباعة والنشر والتوزيع، 2022)
[4] القدال، تاريخ السودان الحديث
[5] القدال، تاريخ السودان الحديث
[6] زراعة الجوع في السودان، تيسير محمد علي (القاهرة: مركز الدراسات السودانية،1994)
[7] تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان: منذ الاستقلال و حتى الانتفاضة (الخرطوم: دار المصورات للنشر والطباعة والتوزيع، 2019)
[8] أخذت المعلومة من اقتباس ل Sir James Robertson, Transion in Africa ورد في زراعة الجوع في السودان، تيسير محمد علي (القاهرة: مركز الدراسات السودانية،1994).
[9] تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان
[10] فدوى عبدالرحمن، تاريخ السودان المعاصر
[11] أماني الطويل، العلاقات السودانية المصرية (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)
[12]CENTRAL INTELLEGENCE BULLETIN, 11 August 1958
[13] CENTRAL INTELLEGENCE BULLETIN, 11 August 1958
[14] CENTRAL INTELLEGENCE BULLETIN, 11 August 1958
[15] طارق أحمد عثمان، تاريخ الختمية في السودان (الخرطوم: منشورات دار سافنا والمأمون، 1999)
[16] نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان
[17]فاطمة بابكر محمود، البرجوازية السودانية.. أطليعة للتنمية؟ (الخرطوم: شعبة التعريب والترجمة بكلية الآداب، 1986)
[18]القدال، تاريخ السودان الحديث
[19] القدال، تاريخ السودان الحديث
[20] القدال، تاريخ السودان الحديث
[21] القدال، تاريخ السودان الحديث
[22] فدوى عبدالرحمن، تاريخ السودان المعاصر
[23] مذكرات الصاغ صلاح سالم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012)
[24] القدال، تاريخ السودان الحديث
[25] القدال، تاريخ السودان الحديث
[26] القدال، تاريخ السودان الحديث
[27] نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان
[28] نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان
[29]القدال، تاريخ السودان الحديث
[30] القدال، تاريخ السودان الحديث
[31] القدال، تاريخ السودان الحديث
[32] القدال، تاريخ السودان الحديث
[33] Mamdani M. Neither Settler nor Native : the Making and Unmaking of Permanent Minorities / Mahmood Mamdani. The Belknap Press of Harvard University Press; 2020.
[34] تصريحات السيد إسماعيل الأزهري لصحيفة الأهرام المصرية حول مياه النيل، في نوفمبر 1958