Hiwaratjeel

الحرب في السودان من منظور القانون الدولي

مقالات رأي

إعداد: عبدالباسط الحاج – قانوني

مقدمة:

ظهرت الحروب الأهلية في السودان منذ بواكير قيام الدولة السودانية “ما بعد خروج المستعمر” و قد خبرتها المؤسسة العسكرية بحيث كانت هي طبيعة الحروب الوحيدة التي خاضتها القوات المسلحة السودانية و تعود الأسباب الرئيسية للحرب الأهلية في السودان إلى اختلالات في أنظمة الحكم و الإدارة و أسباب سياسية أخرى مرتبطة بالمشاركة السياسية العادلة لأقاليم السودان بحسب مطالب الجماعات السياسية المسلحة في كل الأقاليم التي شهدت حروب أهلية في السودان طوال الست عقود الماضية.

لم تنل الحروب السابقة حظها من التوثيق و الحديث عنها من زاوية مختلف عن الزاوية السياسية التي تدعم موقف سياسي محدد و بالتالي عادة ما يتم تناول سيرة الحرب في السودان من باب الذكرى و إسناد المسؤولية السياسية, و كحال كل الدول التي خرجت من حقبة الإستعمار Post-colonial state  فقد مر السودان بتجربة الفشل في إدارة التناقضات التي كان يديرها المستعمر من إدماج مجتمعات متعددة و متنوعة و مختلفة تاريخيا و متفاوتة داخل رقعة جغرافية محددة خلقت هذه التناقضات أسباب عدم الاستقرار و جعلت من الدولة السودانية هشة Fragile state   كغيرها من دول القارة الإفريقية التي مرت بتجربة استعمارية.

وفقا للتاريخ المروي و المحكي عن تجارب الحروب الأهلية في السودان فإن نهاية كل حلقة من حلقات الحرب يسدل الستار عن سؤال مشروعية الحرب نفسها و الانتهاكات التي وقعت أثناء الحرب وتحديد المسؤولية عنها و بالتالي تطوى الصفحة على الصيغة التي يتفق عليها الأطراف او تطبيق عدالة المنتصر Victor’s justice  و في نموذج الحروب القبيلة في السودان درج النموذج الموثق و المروي عن مسار واحد لتحقيق العدالة بالطريقة التقليدية بحسب النظام الاجتماعي في المنطقة المحددة و غالبا ما يكون بدفع الديات و تعويضات عينية او قيمية و تنتهي المعركة بصيغتها التي يخطها زعماء القبائل. وهذا النموذج في الغالب ينجح في إخماد النيران لبرهة من الوقت و لكن قد يتم استدعاء الذاكرة الشعبية مرة أخرى في حال حدوث أي تجربة شبيهة،  و أعتقد أن هذه حالة عامة  داخل كل المجتمعات والشعوب حول العالم.

القوانين الدولية و تدخلاتها:

كانت الحروب تدار في الماضي وفق قوانين عرفية تسود بين مجتمعات معينة في زمان ومكان معينين.  حتى نهايات القرن الثامن عشر ظهرت القواعد العرفية المكتوبة و المعاهدات الدولية الخاصة بتنظيم الحرب والتعامل مع آثارها. واستدرك العالم خطورة الحرب و خوضها بدون قواعد عند نهاية الحرب العالمية الأولى و بدأ مجتمع القانون وفقهاء القانون و القادة السياسيين من التفكير في صياغة قواعد عالمية متفق عليها و تكون ملزمة للعالم؛ حيث ظهرت هذه التيارات مع تطور حركة حقوق الإنسان العالمية و كان الأمر أكثر ضرورة بعد مجازر الحرب العالمية الثانية و مثلت محاكمة نورمبرج حجر الأساس للقانون الجنائي الدولي على الرغم من أن محكمة نورمبرج كانت محكمة مخصصة لغرض معين و تسمى Ad hoc tribunal  لمحاكمة جرائم النظام النازي في ألمانيا و لكنها فتحت الباب لتعريف الجرائم الخطيرة مثل جرائم الحرب والعدوان “كانت تسمى سابقا بالجرائم ضد السلام”، و جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية؛ حيث تطورت الفكرة ليتم تشريع القانون الدولي الإنساني و المتمثل في اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الملحقة به، و القانون الدولي لحقوق الإنسان و الذي أنطلق من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

يعرف القانون الدولي الإنساني و القانون الدولي العرفي بأنه القانون الذي ينظم الحرب و يحمي حقوق الإنسان أثناء فترة الحرب و يطبق في النزاعات الدولية وغير الدولية محصورة في اتفاقية جنيف الموقعة في العام 1949 والبروتوكولات الملحقة بعد أن استشعر العالم خطر الحرب وما تحدثه من انتهاك لكرامة الإنسان أضحت الجرائم التي تقع أثناء الحرب و التي يرتكبها أطراف النزاع سواء أكان نزاع مسلح دولي أم غير دولي لأنها تعتبر من الجرائم المهددة للسلم و الأمن. و قد تصنف بأنها خطيرة بطبيعة الحال، لذلك تم إدراجها في النظام الأساسي لاتفاقية روما  الموقعة في العام 1998 و مذكورة تفصيلا في نص المادة الثامنة و مستقاة تفصيلاً من معاهدات جنيف الأربع و البروتوكولات الملحقة،  وهذه إشارة إلى الدور التكاملي الذي تقوم به المعاهدات و الاتفاقات الدولية. الجدير بالذكر أن التجارب السابقة للمحاكمة المتخصصة Ad hoc tribunal  نموذج المحكمة العسكرية الخاصة بالشرق الأقصى معروفة بمحاكمة طوكيو  The international military tribunal for the far east (IMTFE) وقد سارت هذه المحكمة على هدى محكمة نورمبيرغ و هذا تعضيد لأن القانون الدولي تطور في تلك الفترة مع التجارب العملية التي ترسيها السوابق.

من جانب آخر هنالك القانون الدولي لحقوق الإنسان يتم تطبيقه في أوقات السلم والحرب معاً و يحمي حقوق الإنسان في كلا لحالتين و يقوم أساسه على الاتفاقيات الدولية الرئيسية بداية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك الاتفاقات الخاصة مثل اتفاقية منع الإبادة الجماعية و اتفاقية منع التعذيب و كافية ضروب المعاملة القاسية و اتفاقية الطفل، وغيرها من الاتفاقات الخاصة المدرجة في وثائق الأمم المتحدة، و يعتبر انتهاك قواعد الاتفاقيات أعلاه جريمة دولية تستوجب المساءلة والعقاب.

بعد الأسس التي وضعتها الاتفاقيات الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان ظهر أول تطبيق عملي لنموذج عدالة ما بعد الحرب After war justice  في تجربة المحكمة الجنائية الدولية التي أنشأتها الأمم المتحدة لثلاث دولة خارجة من نزاع وقعت فيها فظائع عظيمة تستدعي التدخل العاجل من الأمم المتحدة وفق قرارات مجلس الأمن.  و في العام 1993 تم إنشاء المحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة لمحاكمة الجرائم التي وقعت في العام 1991 بولاية قضائية محددة في النظام الأساسي الخاص بالمحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة International Criminal Tribunal for the Former Yugoslavia (ICTY) في الجرائم الخطيرة المهددة للسلم والأمن الدوليين “جرائم الحرب, وجريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان” و ذات النظام الأساسي تم تعديله لاحقاً من قبل الخبراء الخاصين المبعوثين من مجلس الأمن لحالة رواندا بعد مجازر الإبادة الجماعية التي حدثت مطلع تسعينيات القرن الماضي، و تم إنشاء محكمة جنائية دولية خاصة لرواندا International Criminal Tribunal for Rwanda (ICTR) و قد باشرت إختصاصاتها من تنزانيا”أروشا” . كما هنالك حالة سيراليون التي شهدت مجازر فظيعة في العام 1996 حيث أصدر مجلس الأمن قرار بإنشاء محكمة جنائية دولية خاصة بسيراليون لمحاكمة القادة العسكريين المتورطين في تلك الأحداث.

ولكن بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية ودخول نظام روما الأساسي حيز النفاذ في العام 2002 كانت بداية إنطلاقة لأكبر مؤسسة عدلية عالمية الاختصاص و مستدامة حيث هي إشارة إلى أن العدالة لا يمكن أن يكون لها حدود جغرافية كما أن العدالة لا يمكن أن يتم انتظارها “لم تعد العدالة الدولية تخص فترة من الزمن،  ولا حتي هي حل من الحلول المخصصة لما بعد النزاع، بل أصبحت مؤسسة”1

تدخلات القانون الدولي في دارفور:

في العام 2003 استفاق العالم فجأة، و تركزت الأنظار حول إقليم دارفور في السودان؛ حيث أشارت التقارير التي نشرتها بعض المنظمات الدولية و المحلية عن وقوع انتهاكات صارخة لحقوق الانسان ضد السكان المدنيين جراء الحرب بين الحكومة السودانية و الجماعات المسلحة في دارفور. فقد استهدفت القوات المسلحة السودانية عمداً القرى  السكنية عبر سلاح الطيران، و سقط  نتاج ذلك الآلاف من الضحايا، و كانت تتبعها عمليات برية تقودها قوات شبه عسكرية في المقدمة تسمى “بالجنجويد”.  تلك العمليات البرية نتج عنها عمليات قتل جماعي، و اغتصاب، و حرق و تدمير للمتلكات، و غيرها من جرائم الحط من الكرامة الإنسانية و التعذيب و الاعتقال.2 و قد كان الاستهداف قائماً على أساس عرقي و أثني، و بالرجوع إلى طبيعة الانتهاكات التي وقعت في دارفور؛  فقد كانت تشكل خرقاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، و القانون الدولي لحقوق الإنسان. و بما أن الجرائم كانت تدخل ضمن الاختصاص القضائي لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تم إحالة الملف للمحكمة الجنائية الدولية وفق القرار(1593/2005) بعد إبداء  السودان عدم رغبته في فتح تحقيق شفاف حول مزاعم وقوع جرائم ضد الإنسانية في دارفور و جرائم حرب و جريمة الإبادة الجماعية ضد مجموعات الفور، و المساليت، و الزغاوة. و قد باشر مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية تحقيقاته إلى أن تم إصدار أوامر قبض في مواجهة 6 من المشتبه بهم في تلك الجرائم: إثنان منهم يتبعان للجماعات المسلحة (عبدالله بندة / بحر إدريس ابوقردة) و الأخير تم سحب ملفه بعد أن مثل أمام الدائرة التمهيدية لعدم كفاية الألة في مواجهته، و أربعة من قيادات الحكومة السودانية وهم الرئيس السابق عمر البشير، والوزراء عبدالرحيم محمد حسين، و أحمد هارون، و منسق قوات مليشيا الجنجويد (علي كوشيب) و الذي سلم نفسه في العام 2020 و لا زالت محاكمته جارية بعد أن أكدت الدائرة التمهيدية 31 تهمة في مواجهته.  وقعت الجرائم كلها في منطقة وادي صالح، و التي تقع في ولاية وسط دارفور و تضم أربعة محليات. يجدر بالذكر أن كل الجرائم التي وقعت كانت موجهة بشكل منظم ضد مجموعة الفور.

حرب 15 أبريل و طبيعة الانتهاكات:

بعد انفجار الوضع في السودان بنشوب الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع “قوات شبه عسكرية” و التي كانت تعمل بجانب القوات المسلحة السودانية منذ إنشائها، و هي امتداد للمليشيات التي كانت تدعم الجيش السوداني في حربه على التمرد في دارفور،  و تعرف كذلك بـ مليشيا الجنجويد.  جراء هذه الحرب وقعت العديد من الانتهاكات منذ اللحظة الأولى. لم تراع في هذه الحرب قواعد القانون الدولي الإنساني،  و هذا  كان واضحاً في الإعلان الذي تم توقيعه بعد شهر واحد من الحرب، و المعروف بإعلان “جدة” الذي تم التوقيع عليه في المملكة العربية السعودية بين الجيش السوداني و الدعم السريع. 3  يتلخص في مجمله حول احترام قواعد الحرب،  و عدم استهداف الأعيان المدنية،  وغيرها من مبادئ و قواعد القانون الدولي و الإنساني و القانون العرفي.

تناول المعاهدة الرابعة من اتفاقيات جنيف  حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب 4 المؤرخة في العام 1949 و البرتكولات الملحقة،  و تطبق في النزاعات المسلحة الدولية و غير الدولية،  بحيث توفر الحماية القانونية للمدنيين غير المنخرطين في القتال في صفوف أطراف النزاع، و يعد الاعتداء عليهم جريمة حرب دولية. و بالمقارنة مع الالتزامات المفروضة علي أطراف النزاع غير الدولي وفق معاهدة جنيف الرابعة؛ وقعت انتهاكات عظيمة،  و خروقات لقواعد الحرب في القانون الدولي الإنساني و القانون الدولي العرفي من الوهلة الأولي للحرب.  تم استهداف المدنيين بشكل متعمد، و بالتحديد من قبل قوات الدعم السريع،  و كانت الأعيان المدنية هدفاً من أهداف الحرب؛  حيث قامت قوات الدعم السريع بتدمير المؤسسات المدنية علي الرغم من أنها لم تكن أهدافاً عسكرية مثل: المصارف، و الأسواق التجارية،  و منازل المدنيين.  تم اقتحامها عنوة بواسطة هذه القوات، وتم نهب ممتلكات المدنيين، و تدمير العديد منها.  لقد حرم القانون الدولي الإنساني و القانون العرفي استهداف الأعيان المدنية طالما ظلت تحتفظ بصفتها المدنية، و لم تتخذ كمواقع عسكرية من أحد أطراف النزاع.  و يستشف من القاعدة النية الفعلية لقوات الدعم السريع من نهب الممتلكات و تدمير المؤسسات المدنية مثل: الجامعات، و المستشفيات،  و منازل المواطنيين؛  حيث لم تكن تلك الأعيان المدنية تستخدم كمواقع للهجوم أو مراكز عسكرية. و لكن من جانب آخر،  فقد سمح القانون الدولي باستهداف الأماكن المدنية متى  أصبحت أهدافاً عسكرية تستخدم لأغراض الهجوم أو غيرها، و متى ما أصبح تدميرها يحقق تفوقاً عسكرياً أو ميزة عسكرية و نموذج “كبري شمبات يمكن أن يؤخذ كدليل علي ذلك).  وضع القانون قيوداً على ذلك،  بحيث يجب أن يكون الاستهداف يتناسب مع تحقيق الميزة العسكرية المرجوة ، و لا يجوز تسبيب ضرر للمدنيين إذا كان الضرر يفوق الميزة العسكرية. تهدف قواعد القانون الدولي الإنساني إلى تقليل المعاناة غير اللازمة أثناء فترة الحرب،  حيث أن  أحد القواعد الأساسية التي يجب أن تلتزم بها الأطراف أثناء النزاع هو التفريق بين المقاتلين و المدنيين في جميع الأوقات “لا يجوز أبداً أن يكون المدنيين و الأعيان المدنية هدفاً متعمداً  للهجمات” 5. ينطبق الأمر كذلك على استخدام الطيران بواسطة سلاح الجو التابع للقوات المسلحة السودانية؛  حيث تفرض قواعد القانون الدولي الإنساني أن يتم تفادي استخدام الأسلحة التي لا تتناسب مع الهدف العسكري، مع إقرار القانون الدولي بصعوبة تفادي الأضرار العرضية التي تصيب المدنيين.  و لكن حظر القانون الهجمات العشوائية التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنيين مثل: المدفعية التي لا تمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين،  علماً بأن جميع الأطراف في الحرب الدائرة في السودان تستخدم المدفعية داخل الأحياء السكنية بحيث تشكل خطراً على حياة المدنيين مع ذلك لم يحظر القانون القتال داخل الأماكن الحضرية، و لكن يفرض التزاماً أكبر على الأطراف المتحاربة.

مع بداية هذه الحرب وقعت انتهاكات خطيرة و بشكل متعمد ضد المدنيين  في إقليم دارفور بواسطة قوات الدعم السريع و المليشيات الموالية لها؛  حيث تم استهداف الأعيان المدنية،  و لم تكن مستخدمة لأغراض عسكرية. كذلك تم تدمير مكاتب المنظمات الدولية و الوطنية،  و تم نهب الممتلكات الخاصة بها،  وكذلك الممتلكات الخاصة بالمواطنين في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.  إضافة لذلك،  وقعت انتهاكات خطيرة،  وقتل متعمد على أساس أثني وعرقي في غرب دارفور ترتقي إلي جريمة الإبادة الجماعية بحسب التعريف القانوني للجريمة في نظام روما الأساسي 5. لقد مر أقليم دارفور بتجارب حرب سقط فيها الآلاف الضحايا بصورة كارثية،  و الآن تتكرر ذات التجربة بطريقة ممنهجة أدت إلي جعل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يمارس اختصاصه في فتح تحقيقات حول مزاعم وقوع جرائم تدخل في نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وفق القرار الخاص بالسودان رقم (1593/2005) الصادر من مجلس الأمن.  من ناحية قانونية؛ فإن القانون الجنائي الدولي يأخذ الاختصاص بالاستناد إلى طبيعة الجرائم الخطيرة التي وقعت؛  فهي جرائم دولية فظيعة لا يوجد مبرر لوقوعها.

تدفقات السلاح و العتاد العسكري و سؤال القانون:

تناولت بعض التقارير الصادرة من الوكالات الدولية وكذلك التقرير الصادر مؤخراً من الخبراء الخاصة بالأمم المتحدة عن الصراع في السودان أن هنالك دعم مقدم لقوات الدعم السريع يتدفق عن طريق مطار “أم جرس” شرق تشاد، و كذلك من أفريقيا الوسطى عن طريق “أم دافوق” و عن طريق ليبيا. وأشار التقرير صراحة عن دعم دولة الإمارات العربية المتحدة  عسكرياً لطرف من أطراف الحرب في السودان. و قد ظهر ذلك من خلال العتاد العسكري في معارك الخرطوم من أسلحة وسيارات حربية و مدرعات قتالية و مضادات أرضية. يطرح هذا التطور سؤال المسؤولية القانون للطرف الثالث في الحروب غير الدولية!

 على الرغم من كل التعقيدات في المسألة، لكن القانون حدد عناصر معينة من عناصر إثبات المسؤولية الجنائية للطرف الثالث وهو أن يكون ذلك الطرف يمتلك السيطرة الكلية على بحيث يستطيع التأثير على توجهات و قرارات الطرف المحارب و بذلك يمكن مساءلتهم وفق القانون.

قطع طريق الإفلات من العقاب:

قضية العدالة في السودان هي واحدة من القضايا المركزية للأزمة السودانية منذ الاستقلال. فقد درج القادة السياسيين في السودان على ذبح العدالة دون مقابل،  و بالتالي لم يحدث استقرار دائم،  و تراكمت المظالم والانتهاكات. لكن الأخطر من ذلك هو وضع ملف العدالة في محل للمساومة ضمن المساومة السياسية As a compromise  وهو ما لا يمكن أن يحقق سلاماً أو استقراراً. هذه الحرب الأخيرة، و الحروب السابقة شهدت فظائع يجب ألا نتغاضى عنها؛ بل يجب أن تكون هي القضية الرئيسية التي يتم من خلالها قطع طريق الإفلات من العقاب ومحاسبة كل من تسبب في معاناة الشعب السوداني.

حديثاً أضحت مسألة إنهاء الإفلات من العقاب من مسائل الاهتمام الدولية خاصة المجتمع القانوني و المنظمات الحقوقية العالمية؛  حيث ظهر حديثاً مفهوم التكامل ما بين التشريعات الوطنية والتشريعات الدولية Complementarity  كواحد من طرق قطع الإفلات من العقاب. كذلك ظهر مفهوم الولاية القضائية العالمية Universal jurisdiction  و التي تسمح للدولة التي تنص في تشريعاتها الداخلية للنظر في بعض الجرائم الدولية مثل جريمة الإبادة الجماعية، و الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، و القرصنة و غسل الأموال بغض النظر عن جنسية الجاني و جنسية المجني عليهم و مكان وقوع الجريمة. فهي تطور نحو قطع طريق الإفلات من العقاب.

* تود منصة حوارات جيل الثورة الإشارة إلى تحفظها على استخدام مصطلح “جنجويد” كوصف للمليشيات العربية في دارفور، إضافة إلى الإشارة إلى سردية الإبادة الجماعية التي تبنتها مجموعة من المؤسسات الدولية والداخلية في تلك الحقبة.

تتجنب المنصة استخدام مصطلح “جنجويد” وترى أن المصطلح يقدم تعميماً مخلاً يصم مجموعات اجتماعية بأكملها بالإجرام ويحاكمها بجريرة بعض المجرمين من أبنائها ومن غير أبنائها. كما أن هذا التوصيف يقدم وصفاً مختزلاً لصراع نرى أنه متعدد المستويات والأسباب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. تتعاظم أهمية هذه المسألة في ظل الحرب المتفشية في السودان حالياً، إذ تستفيد قوات الدعم السريع والجهات الخارجية الساعية لتفكيك الدولة من خلفها من حشد المجموعات العربية في دارفور إثنياً انطلاقاً من تضخيم مخاوفها حول مصيرها أو من التركيز على تهميشها تاريخياً، مما يستدعي تبني خطاب متزن تجاه هذه المجموعات بما يحفظ الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي ويعزل الدعم السريع كمجموعة مجرمة وفاعلة في مشروع لتفكيك الدولة والنسيج الاجتماعي بما يهدد السودانيين بكل خلفياتهم. 

ينطبق نفس الشيء على سردية الإبادة الجماعية التي تبنتها العديد من المؤسسات السياسية والإعلامية الغربية والجهات المعارضة السودانية دون تدعيمها بما يلزم، وانتهى بها الأمر إلى اختزال الحرب وتبني سرديات مضللة ومضرة، وترى المنصة أن هذا السلوك وافق المصالح المختلفة لهذه المؤسسات وأن هذا هو سبب انتشاره. 

يمكن مراجعة سلسلة مقالات حوارات جيل الثورة المعنونة ب“الحرب والسلام في دارفور“ أو أوراق الصحفية جولي فلنت المعنونة ب”ما بعد الجنجويد: فهم مليشيات دارفور” و”الحرب الأخرى: الصراع العربي الداخلي في دارفور” و”Darfur: a new history of a long war” لفهم المزيد عن رؤية المنصة بخصوص المسألة. 

المراجع:

  1. كلمة ألقاها المدعي العام الأسبق للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو في العام 2006
  2. الموقع الرسمي للمحكمة الجنائية الدولية حول محاكمة علي كوشيب https://www.icc-cpi.int/sites/default/files/itemsDocuments/QA-COCH-Abd-Al-Rahman-ara.pdf
  3. إعلان جدة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع https://www.aljazeera.net/news/2023/5/12/%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%AC%D8%AF%D8%A9-3-%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B7-%D9%8821-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82
  4. معاهدة جنيف الأربعة بشأن حماية المدنيين الموقع في العام 1949 https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/geneva-convention-relative-protection-civilian-persons-time-war
  5. تقرير صادر عن منظمة هيمون رايت ووتش https://www.hrw.org/ar/news/2023/05/04/questions-and-answers-sudan-and-laws-war
  6. نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.
  7. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

عن المحرر

Scroll to Top