هذا هو الجزء الأول من دراسة مشتركة بين إنسايتس (INSIGHTS) وحوارات جيل الثورة لتحليل دقيق ومفصل للانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في حق المدنيين في السودان خلال السنة الأولى من حرب الخامس عشر من أبريل بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
يستعرض هذا الجزء حجم وتفاصيل الانتهاكات الموثقة وأثرها على حياة الأفراد والمجتمعات المتضررة. وبالتحديد، يهدف إلى تسليط الضوء على الأنماط الرئيسة للانتهاكات وتحليل تأثيرها على الظروف المعيشية للسكان وفهم الأبعاد الإنسانية للصراع المستمر. في المقابل، سيحلل الجزء الثاني من البحث الدوافع السياسية والاقتصادية وراء هذه الانتهاكات ودورها في زيادة حدة النزاع وتفاقم الأزمة الإنسانية. وارتباط مصالح الأطراف الخارجية الداعمة لقوات الدعم السريع بهذه الانتهاكات، لاستعراض نظرة أشمل حول أثر الديناميات الإقليمية والدولية على الانتهاكات.
إن هذا العمل المشترك بين إنسايتس وحوارات جيل الثورة يعكس التزامًا عميقًا بتقديم تحليل موضوعي مبني على الأدلة. نتقدم بالشكر لكل من ساهم في جمع البيانات وتحليلها، وتقديم الدعم الفكري واللوجستي اللازم لإكمال هذا البحث.
مقدمة
اندلعت في أبريل 2023 حربًا بين القوات المسلحة السودانية، والتي تمثل الجيش الشرعي والدستوري للبلاد؛ وقوات الدعم السريع، وهي قوات شبه نظامية رديفة للجيش أجاز نظام عمر البشير قانونها في 2017. وكان قد سبق الحرب تنافس سياسي واقتصادي بين الطرفين، وخلاف حاد بيِّن حول قضايا الإصلاح الأمني والعسكري ودمج الدعم السريع في جيش نظامي موحد. ويتهم كل من الطرفين الآخر ببدء الحرب، فبينما تتهم القوات المسلحة السودانية قوات الدعم السريع بمحاولة الانقلاب على القائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، والاستيلاء على السلطة؛ تتهم قوات الدعم السريع الإسلاميين بالسيطرة على الجيش وإشعال الحرب لإيقاف التحول المدني الديمقراطي.
وعلى الرغم من أن الخلافات والتنافس بين الطرفين العسكريين، إلا أن للمدنيين نصيب هائل من الانتهاكات، فلقد تسبب الصراع في أوضاع إنسانية بالغة السوء وأكبر أزمة نزوح في العالم بـ 7.9 مليون نازح وأكثر من مليوني لاجئ في دول الجوار؛ يركز هذا الجزء من البحث على قضيتين وهما:
- طبيعة وأنماط الانتهاكات المباشرة ضد المدنيين.
- آثار هذه الانتهاكات على حياة المواطنين والقطاعات المرتبطة بها.
ويدرس الجزء الثاني من البحث -والذي سينشر بشكل منفصل- الدوافع السياسية والاقتصادية وراء هذه الانتهاكات ودورها في زيادة حدة النزاع وتفاقم الأزمة الإنسانية، وارتباط مصالح الأطراف الخارجية الداعمة لقوات الدعم السريع بهذه الانتهاكات؛ لاستعراض نظرة أشمل حول أثر الديناميات الإقليمية والدولية على الانتهاكات.
اختار فريق البحث دراسة انتهاكات الدعم السريع -لارتكابه القدر الأكبر منها خلال فترة الصراع- وما ترتب عليها من أضرار في سبل كسب العيش والوصول للغذاء ودمار البنى التحتية. تستند هذه الملاحظة على قاعدة بياناتنا في إنسايتس التي تُبين أن الدعم السريع كان مسؤولًا عن أكثر من 70% من أحداث العنف ضد المدنيين خلال العام من الأول من الحرب. ولتدعيم هذه الملاحظة، قارن فريق البحث بين قاعدتي بيانات إنسايتس وآكلد (ACLED). وحسب آكلد، فإن الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معه ارتكبت 1117 حادثة عنف ضد المدنيين مقابل ارتكاب الجيش والقوات المتحالفة معه 125 حادثة عنف ضد المدنيين؛ أي أن انتهاكات الدعم السريع أكبر بحوالي تسعة أضعاف.
تستند قاعدة إنسايتس في بياناتها على أكثر من 40 مصدرًا مفتوحًا، أغلبها سودانية تشمل مواقع إخبارية وصفحات أجسام قاعدية سودانية وصحافيين مستقلين — منهجية إنسايتس. بجانب المصادر المحلية، استند فريق البحث على تقارير وبيانات المنظمات الحقوقية الدولية ووكالات الأمم المتحدة. والتي أفادت بأن انتهاكات القوات المسلحة السودانية اقتصرت على القصف العشوائي في المناطق المأهولة بالسكان، والاعتقال غير القانوني استنادًا على الانتماءات القبلية والسياسية والمناطقية؛ بينما مارست قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها القتل خارج إطار القانون والتعذيب والإغتصاب المنهجي والاستعباد والاتجار بالبشر والتطهير العرقي والتهجير القسري والنهب المسلح والقصف العشوائي، فضلًا عن اقتحام البنوك واستهداف وتدمير مرافق الخدمات الصحية ومقرات منظمات المجتمع المدني وحرق وتدمير عدد من المدن والقرى في دارفور بشكل تام وتهجير أهلها.
ولقد اتهمت وزارة الخارجية الأمريكية طرفي الصراع بارتكاب جرائم حرب إلا أنها خصت قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وعمليات تطهير عرقي.
جميع ذلك يستدعي تسليط الضوء على الانتهاكات المتعددة التي ترتكبها قوات الدعم السريع في حق المدنيين وتأثير هذه الانتهاكات على الجوانب الحياتية المختلفة؛ الأمن الغذائي، والبنية التحتية، والتعليم، والصحة، والزراعة، والطاقة.
أهداف البحث
يحاول الجزء الأول من البحث الإجابة على ثلاثة أسئلة أساسية، وهي:
- ما هي طبيعة أنماط الانتهاكات ضد المدنيين في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023؟
- ما هو الدور الذي لعبته قوات الدعم السريع في ارتكاب هذه الانتهاكات، وكيف يمكن استكشاف تباين الانتهاكات بناءً على البيانات المتاحة؟
- كيف أثر الصراع المستمر على مختلف جوانب الحياة في السودان؛ بما في ذلك الأمن الغذائي، والبنى التحتية، والتعليم، والصحة، والزراعة، والنفط.
منهجية البحث
يغطي هذا البحث فترة عام كامل من الحرب في السودان، حتى أبريل 2024. اُعتمدت منهجية متعددة لجمع البيانات وتحليلها لضمان دقة النتائج وشمولها.
- البيانات الأساسية:
- قاعدة بيانات إنسايتس: تعتبر المصدر الأساسي للبيانات المستخدمة في هذا البحث؛ حيث تتضمن توثيق دقيق للانتهاكات ضد المدنيين، وتفصيلًا للأطراف المسؤولة عنها، وأنواع الانتهاكات، وتوزيعها الجغرافي عبر مختلف الولايات والمناطق في السودان.
- تحليل الأنماط: استُخدمت البيانات الموثقة في قاعدة إنسايتس لتحليل الأنماط والتوجهات المتعلقة بالانتهاكات، وتحديد عدد الانتهاكات، وتوزيعها الزمني والجغرافي، وتحديد الجهة المسؤولة عنها.
2. البيانات الثانوية:
- تقارير المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية: استُخدمت تقارير صادرة عن مؤسسات دولية ومنظمات حقوقية موثوقة لدعم وتأكيد البيانات الموثقة. وساعدت هذه التقارير في توسيع نطاق التحليل ليشمل التأثيرات الأوسع للحرب على المدنيين.
- التقارير الإخبارية: تمت الاستعانة بالتقارير الصادرة عن القنوات والمواقع الإخبارية التي تتسم بالحياد والاستقلالية، لضمان الموضوعية في جمع البيانات والمعلومات.
3. طرق التحليل:
- التحليل الكمي والنوعي: استُخدمت أساليب التحليل الكمي والنوعي معًا لفهم الأنماط المختلفة للانتهاكات. وشمل ذلك تحليل الأرقام والبيانات الإحصائية، وكذلك دراسة الحالات المحددة والوقائع الموثقة لتقديم فهم أعمق لأبعاد الانتهاكات.
- المقارنة المكانية والزمنية: عبر دراسة توزيع الانتهاكات مكانيًا وزمانيًا؛ مما يتيح دراسة التغيرات في الأنماط والممارسات في ولايات السودان المختلفة.
4. التوثيق والتحقق:
- تم التحقق من البيانات من خلال الرجوع إلى مصادر متعددة لضمان دقتها. وتم توثيق جميع المعلومات بشكل منهجي، مع الحفاظ على الشفافية في استعراض مصادر البيانات المستخدمة.
القسم الأول: نظرة عامة حول الانتهاكات ضد المدنيين خلال الحرب:
يعرض هذا القسم تحليلًا عامًا للانتهاكات التي وقعت ضد المدنيين في السودان خلال الفترة من أبريل 2023 إلى أبريل 2024. ويستعرض الانتهاكات ضد المدنيين وتوزعها على مستوى الولايات والمحليات وأعداد ضحايا هذه الانتهاكات. كما يستعرض أيضًا نسب ارتفاع مستوى الانتهاكات وعدد القتلى خلال الفترة المذكورة وانخفاضها. بالإضافة إلى تحليل عام لبيانات الانتهاكات، يليه تحليلٌ مفصلٌ للانتهاكات التي قام بها الدعم السريع.
ماذا تكشف بيانات إنسايتس؟
1. نظرة عامة حول الانتهاكات
الشكل (1)
نُصنّف حوادث العنف ضد المدنيين إلى أنماط، وهي: القتل العمد للمدنيين، والاعتداء الجنسي/الاغتصاب، والخطف/الأسر، والتعذيب، والاعتداء الجسدي، والاعتقال القسري، والنهب. توضح البيانات أن أكثر أشكال الانتهاكات ضد المدنيين تكررًا خلال العام الأول للحرب هو القتل العمد بمقدار 358 حادثة، يليه النهب بمقدار 281 حادثة، ومن ثم الاعتداء الجسدي بمقدار 219 حادثة، ومن ثم الاعتقال القسري بمقدار 100 حادثة، وأقل الأشكال شيوعًا هو التعذيب بمقدار 10 حوادث.
ومن المهم توضيح أن الحصر أعلاه يعتمد على حصر الأحداث لا الضحايا الأفراد، أي أن حادثة النهب تشمل كل الضحايا المنهوبين في واقعة واحدة حدثت في مكان ما، وكذلك تشمل حادثة القتل العمد الواحدة كل الضحايا الذين قتلوا في واقعة واحدة حدثت في مكان ما. وستُعرض بيانات أكثر تفصيلًا لأعداد الضحايا، خصوصًا في حالات القتل — الشكل (2):
الشكل 2
يوضح الشكل (2) تغيّر وتيرة الانتهاكات ضد المدنيين وأعداد القتلى منذ بداية الحرب في أبريل 2023. فمنذ فبراير 2024، ارتفعت أعداد القتلى وانخفضت أعداد حوادث الانتهاكات ضد المدنيين، ما يشير إلى أن الانتهاكات أصبحت أكثر عنفًا على الرغم من انخفاض وتيرتها.
أما في عام 2023، فقد ظلت معدلات الضحايا والانتهاكات ثابتة تقريبًا باستثناء شهري يونيو ونوفمبر 2023؛ إذ بلغ عدد القتلى في الأول 144 مدنيًا في 39 حادثة، وفي الثاني 841 في 36 حادثة. كان عدد القتلى كبيرًا مقارنةً بالانتهاكات في هذين الشهرين؛ ويعود ذلك إلى المجازر التي ارتكبها الدعم السريع في الجنينة في 15 يونيو 2023 (1)، وفي أردمتا في بداية نوفمبر 2023 (2). يوضح الشكل (2) ارتفاع معدل الانتهاكات في حق المدنيين في شهر ديسمبر 2023 وتواصل نمط الارتفاع خلال الربع الأول من 2024.
2. نظرة أعمق حول انتهاكات الدعم السريع
الشكل 3
يوضح الشكل (3) توزيع الانتهاكات التي ارتكبها الدعم السريع حسب الشهور خلال فترة البحث، من أبريل 2023 وحتى أبريل 2024. وبالتركيز على فترة الارتفاع من ديسمبر 2023 إلى أبريل 2024، والتي تمثل حوالي 48٪ من إجمالي حوادث العنف ضد المدنيين، نلاحظ أن ولاية الجزيرة تبرز باعتبارها المنطقة الأكثر تضرراً من هذه الانتهاكات. فقد شهدت عددًا أعلى بكثير من الحوادث مقارنة بالولايات الأخرى، حتى عند مقارنتها ببيانات الفترة من أبريل إلى نوفمبر 2023.
نلاحظ أن متوسط عدد الانتهاكات الذي وقع في الجزيرة خلال الشهور من ديسمبر 2023 حتى أبريل 2024 كان تقريبًا أعلى مرتين من متوسط عدد الحوادث في الولايات الأخرى مجتمعة خلال الفترة من أبريل وحتى نوفمبر 2023.
الشكل 4
يقارن الشكل (4) عدد حوادث العنف ضد المدنيين بعدد القتلى في كل ولاية خلال الفترة بين أبريل 2023 حتى أبريل 2024.
بالنظر للشكلين (3) و(4)، نلاحظ أن انتهاكات الدعم السريع في ولايات الجزيرة كانت ذات طابع مختلف عن تلك التي في ولاية غرب دارفور. فعلى الرغم من قلة انتهاكات قوات الدعم السريع في الجنينة، إلا أنها خلفت عدد قتلى أكبر من الذي سجلته جميع الولايات مجتمعة خلال الفترة المذكورة.
بالنظر إلى نسبة ضحايا حوادث القتل العمد للمدنيين في الجنينة خلال يونيو 2023، نلاحظ أن كل حادثة قتل عمد أسفرت في المتوسط عن نحو 65 قتيلًا. وفي ولاية الجزيرة، فإن متوسط عدد الوفيات لكل حادثة قتل عمد بين ديسمبر 2023 وأبريل 2024 هو 2.5 فقط. وهذا يشير إلى أنه في حين شهدت ولاية الجزيرة معدلاً أعلى من الحوادث، إلا أنها كانت أقل فتكاً مقارنة بتلك التي وقعت في غرب دارفور.
ولتدعيم هذه النقطة، نلاحظ أن حوالي نصف حالات الاعتداء الجسدي على المواطنين في الجزيرة لم تنتهي بمقتل الضحية، حيث شهدت ولاية الجزيرة 172 حادثة اعتداء جسدي — وهي الأعلى من بين كل الولايات بفارق كبير. ولكن من جانب أخر، فإن الدعم السريع ركز في ولاية الجزيرة بشكل كبير على النهب، حيث سجلت الولاية أعلى معدل حوادث نهب بفارق كبير أيضًا؛ بعدد 168 حادثة نهب خلال فترة البحث.
الشكل 5
يوضح الشكل (5) توزيع حوادث العنف ضد المدنيين على مستوى المحليات من أبريل 2023 إلى أبريل 2024. ويكشف تحليل الشكلين (5) و(6) أن ولاية الجزيرة شهدت أعلى معدل للانتهاكات ضد المدنيين بعد سقوط حامية الجيش في ود مدني في نهاية 2023.
وفي ولاية الجزيرة، كانت محلية الحصاحيصا الأكثر تضرراً، حيث سجلت 192 حادثة، تلتها محلية جنوب الجزيرة بـ 60 حادثة، ومحلية مدني الكبرى بـ 55 حادثة. ومن حيث إجمالي الحوادث، جاءت ولاية الخرطوم بعد الجزيرة مباشرة، بإجمالي 146 حادثة خلال فترة البحث. وفي ولاية الخرطوم، سجلت محلية الخرطوم أعلى عدد من الانتهاكات، بواقع 26 حادثة، تليها محليات أم درمان وبحري وجبل أولياء، بواقع 19 حادثة لكل منها.
من المهم ذكر أن ولاية الخرطوم من المقدر أنها قدر تعرضت لعدد أكبر من الانتهاكات—بالأخص حوادث النهب التي تعرضت لها منازل المواطنين. ولكن نسبةً لطبيعة الصراع في الولاية وعدم القدرة على التحقق من الحوادث، لم يضمنها الفريق في قاعدة البيانات التي استند عليها البحث.
الشكل 6
يوضح الشكل (6) عدد القتلى الذين سقطوا في كل محلية في الفترة ما بين أبريل 2023 حتى أبريل 2024.
بالرجوع للشكل (6)، نلاحظ أن توزّع عدد الضحايا في المحليات يتبع نمط مشابه لأعداد أحداث العنف -المحليات ذات العدد الأكبر من الحوادث فيها أكبر عدد من الضحايا- حيث سقط أكبر عدد من الضحايا في محلية الحصاحيصا (209 ضحية)، تليها محلية مدني الكبرى (108 ضحية)، ثم جنوب الجزيرة (59 ضحية).
من جانب آخر، نلاحظ أن محلية الجنينة بغرب دارفور كانت الأعلى من حيث عدد القتلى خلال فترة البحث، بفارق كبير رغم انخفاض عدد الحوادث فيها، وهو ما يدعم التحليل السابق الذي تقدمنا به عن اختلاف طبيعة وأهداف الانتهاكات في تلك المنطقة. كذلك نلاحظ تكرر هذا النمط في عدد من المحليات الأخرى مثل محلية العباسية (101 ضحية) بولاية جنوب كردفان، ومحلية شيكان (98 ضحية) بولاية شمال كردفان. حيث كانت الهجمات في هذه المناطق أكثر دموية.
الانتهاكات في الجنينة
“استهدفت المليشيات الناس بصورة ممنهجة، وكان القتل يحدث بناء على التصنيف القبلي. لم تستثن المليشيات النساء ولا الأطفال ولا الشيوخ.” بهذه الإفادة من أحد الشهود على أحداث الجنينة، افتتح تقرير الأمم المتحدة (3) الذي تحدث بشكل موسع عن طبيعة الانتهاكات التي قامت بها قوات الدعم السريع في المدينة.
وكما سبق أن أبرزنا، فإن التحليل يكشف عن اختلاف كبير في طبيعة الانتهاكات بين الجنينة والجزيرة. ففي الجنينة كانت الحوادث أكثر عنفًا، مع عدد أكبر من الضحايا لكل حادثة، مقارنة بالجزيرة، حيث كان العنف أقل حدة على الرغم من ارتفاع الحوادث.
تناولت الصحفية آية السماني، في مقال نُشر على منصة خط30 (4)، قصة النازحين من قبيلة المساليت الذين فروا من مدينة الجنينة بعد مقتل والي غرب دارفور، خميس عبد الله أبكر، في 14 يونيو 2023. نشرت قوات الدعم السريع فيديوهات تظهر تصفية هذا الوالي، الذي ينتمي إلى قبيلة المساليت، والتنكيل بجثته. واشتدت عمليات استهداف قبيلة المساليت، حيث ركزت في البداية على زعماء القبيلة وأعيانها، ثم امتدت في النهاية إلى الأفراد العاديين الذين فروا من المدينة إلى معسكر أدري في تشاد.
روت السماني في مقالها قصة صفية إسحق آدم، نازحة خرجت من الجنينة نحو معسكر أدري، حيث ذكرت أن نقاط التفتيش التي تُعرف بـ”الكمائن”، كانت تعتمد على سؤالين فقط: “في أي حيّ تسكنين؟ وإلى أي قبيلة تنتمين؟” كانت الإجابة على هذين السؤالين تحدد مصير المرور بسلام من الكمين أو مواجهة مصير آخر. وصفت النازحة صفية هذا المصير بقولها: “الغرض الأساسي من التوقيف هنا ليس التحقق من هوية المسافرين، بل يُضرب ويُهان كل من يُكتشف أنه مسلاتي أو مسلاتية، وربما يُقتل، بينما تواجه النساء العنف الجسدي والتحرش، وربما الاغتصاب”.
خلال السنوات الماضية، وقعت عدة أحداث عنف قبلي في الجنينة، ووقع آخر الأحداث الكبيرة قبل الحرب في أبريل 2022 في منطقة كرينك (5)، ومات فيه أكثر من مئتي شخص. كان طرفا الصراع آنذاك هما قوات التحالف السوداني بقيادة الوالي خميس أبكر، وقوات الدعم السريع التي ينتمي أغلب جنودها إلى القبائل العربية.
خلال هذه الاشتباكات اتهم موسى مصطفى، أحد أعضاء التحالف السوداني (5)، قوات الدعم السريع بارتكاب تصفيات جسدية على أساس عرقي، وتكرر هذا الاتهام في أحداث الجنينة عام 2023. التاريخ الدموي للصراعات في هذه المنطقة يلقي الضوء على الأنماط المستمرة من العنف الموجه على أساس عرقي والاستهداف الممنهج الذي تقوم به قوات الدعم السريع.
تعكس هذه الحوادث بوضوح الطابع القبلي في أحداث الجنينة، ويظهر أنه المحرك الرئيس للعنف مقارنة بالانتهاكات التي شهدتها الجزيرة وغيرها من ولايات السودان. وفي واقع الأمر، استمرت الاشتباكات في الجنينة لعقود خلت بين القبائل العربية وقبيلة المساليت، وظل الصراع حول ملكية الأرض محورًا أساسيًا لها.
بدأ الصراع بين القبائل العربية -الرعاة- والمساليت -المزارعين- نتيجة تصاعد النزاعات حول الأرض بين القبائل غير العربية الزراعية المستقرة والقبائل العربية التي تعمل في الرعي ولا تمتلك أراضي على امتداد إقليم دارفور منذ الثمانينيات. إذ بدأت الاشتباكات بالتدريج من مطلع الثمانينيات، حتى شهد عام 1987 نشوب حرب العرب والفور، ومن ثم وشهد عام 1995 نشوب حرب العرب والمساليت.(6)
وارتبط هذا الصراع بعدة عوامل، بدءًا بسياسات الحكم الاستعماري الإنجليزي في السودان، بعدم منح العديد من القبائل العربية الأراضي والإدارات الأهلية (7)، في حين فضلت قبائل أخرى. إضافة إلى حالة الجفاف والتصحر الشديد التي أصابت المنطقة منذ السبعينيات، وحركة النزوح والهجرة وانتشار السلاح نتيجة الحرب الليبية التشادية (6). وانفجرت حرب العرب والمساليت بعد أن حاول نظام الإنقاذ توطين العرب الرحل في دار مساليت عبر تقسيمها إلى 13 إمارة، ومنح العرب تسع منها؛ ما أشعل صراعًا استمر لأربعة أعوام.(7)
المراجع
- Qiblawi, et al. (2023). “Shot at while they drowned. Executed in the desert. Those who collected the bodies recount ‘one of the worst days’ in Darfur’s genocide-scarred history”. CNN. Available at: https://edition.cnn.com/2023/08/16/africa/darfur-sudan-geneina-massacre-account-cmd-intl/index.html (Accessed: 20 July 2024).
- Sudantribune (2023). “RSF Kills over 2,000 civilians in West Darfur’s Ardamata”. Sudan Tribune. Available at: https://sudantribune.com/article279216/ (Accessed: 20 July 2024).
- UN (2024). “مأساة الجنينة، دارفور: “الطرقات مليئة بالجثث والناس يرددون الشهادة استعدادا للموت”. UN News. CNN. Available at: https://news.un.org/ar/story/2024/03/1129202 (Accessed: 20 July 2024).
- Al-Samani (2023). “موتى وأحياء في الطريق من الجنينة إلى أدري”. Khatt30. Available at: https://khatt30.com/post/%D9%85%D9%88%D8%AA%D9%89-%D9%88%D8%A3%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%AF/ (Accessed: 21 July 2024).
- Sudantribune (2022). “إتساع رقعة الإقتتال القبلي بغرب دارفور والمعارك تنتقل لمدينة الجنينة”. Sudan Tribune. Available at: https://sudantribune.net/article258039/ (Accessed: 21 July 2024).
- د. محمد سليمان محمد (2010). “السودان: حروب الموارد والهوية”
- Mamdani (2009). “Saviors and Survivors Darfur Politics and the War on Terror”