Hiwaratjeel

اتفاقية 1959: هل من مياه بغير سياسة؟

إعداد: عبدالباقي الناجي

وقعت الحكومة السودانية وحكومة الجمهورية العربية المتحدة (جمهورية مصر العربية حالياً)، في الثامن من تشرين الثاني\نوفمبر 1959، اتفاقاً للانتفاع الكامل من مياه النيل. وكانت توقيعات اللواء محمد طلعت فريد، رئيس الوفد السوداني، والسيد زكريا محي الدين، رئيس وفد الجمهورية العربية المتحدة إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في تاريخ البلدين من النواحي الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية والقانونية، ومتوجين بتلك الاتفاقية سنوات خمس شهدت فيها العلاقات السودانية-المصرية مداً وجزراً.

أقرت هذه الاتفاقية ما تم التوافق عليه بين السلطات الاستعمارية البريطانية ونظيراتها المصرية، والتي وقعت عام 1929، دون حضور أو تمثيل للسودان. في تلك الاتفاقية حصلت مصر على 48مليار متر مكعب لمياه النيل، مقابل 4 مليارات يحصل عليها السودان، وتمت تسمية هذه الأرقام بالحقوق المكتسبة وفق الاتفاقية الجديدة، وأن أي مشاريع جديدة لزيادة إيراد النيل وضبط مياهه ستأخذ في الحسبان هذه الحقوق المكتسبة. وقد كان المشروع الرئيسي المعني بزيادة إيراد النيل هو مشروع السد العالي بأسوان، والذي جعل من إيراد النيل عند أسوان حوالي 84 مليار متر مكعب.  كانت الزيادة على الحقوق المكتسبة حوالي 32 مليار متر كعب، يتبخر 10 مليار متر مكعب منها، ويحصل السودان من الإثنين وعشرين مليار المتبقية على 14.5 مليار، رافعاً حصته إلى 18.5 مليار متر مكعب، مقابل 55.5 مليار متر مكعب لمصر بعد أن أضيفت 7.5 مليار لحقوقها المكتسبة. وقد آذنت الاتفاقية للسودان في بدء بناء مشروع خزان الرصيرص، أو أي مشاريع أخرى تمكنه من استغلال نصيبه من المياه. [1]

شكلت الاتفاقية واقعاً اقتصادياً واجتماعياً جديداً في كلا البلدين؛ فمصر عملت على الاستفادة من الطاقة التي يولدها السد العالي في مشاريع التحول الصناعي و متوسعين في الزراعة بعد إقرار قوانين الإصلاح الزراعي، بينما واصل السودان في التمدد بزراعة القطن بمشروع الجزيرة وفق ما وضعته خطط الإدارة الاستعمارية.[2] و بموجب الاتفاقية فقد تعهدت الحكومة السودانية  بتهجير أهالي وادي حلفا، قبل تموز\يوليو 1963، الذين ستغمر مياه بحيرة السد أراضيهم في مقابل الحصول على  تعويض من الجمهورية العربية المتحدة يبلغ 15 مليون جنيه مصري، تدفع على أربع دفعات.[3]  

من الناحية السياسية، خلقت الاتفاقية تكتلاً لدول المنبع الأخرى التي لم تشارك في هذه الاتفاقية مثل إثيوبيا، أو المستعمرات البريطانية الأخرى، في مقابل التكتل والتوافق الذي أقرته الاتفاقية الملزم لكل من السودان ومصر لبناء موقف مشترك تجاه قضايا مياه النيل.[4]

ورغم مرور أكثر من ستة عقود على هذه الاتفاقية، فإن آثارها لا تزال باقية وممتدة؛ فهي الماضي الذي يحكم الحاضر، ويؤثر في تشكيل المستقبل.  سنسعى من خلال هذا المقال لتسليط الضوء على الاتفاقية بشكل أوسع بعيداً عن الجانب القانوني، دون أن نهمله، وقريباً من الظروف التي شكلت ذلك الواقع، والآثار العميقة المترتبة على اتفاقية 1959، على كل من دول المنبع والمصب. بالتالي ينبغي علينا أن نبدأ بسؤال: لماذا تفاوض المصريون والسودانيون حول مياه النيل؟

شروط جديدة لمشهد متغير:

في مطلع الخمسينات بدأ واقع جديد يتشكل في كل من مصر والسودان. ولم تعد الأسس والظروف التي حكمت مصر والسودان في قسمة المياه هي ذاتها التي كانت سائدة في العام 1929 عندما وقعت الاتفاقية.  في العام 1952، قامت ثورة 23 يوليو بقيادة تنظيم الضباط الأحرار بتغيير تاريخ مصر تماماً معلنة نهاية الحكم الملكي لسلالة محمد علي باشا، مبعدة الملك فاروق من العرش، وميلاد حكم جمهوري، فاضت آثاره، سلباً وإيجاباً، ليشمل محيط مصر العربي والأفريقي.   بعد ثلاثة أشهر الثورة، تم إصدار قانون الإصلاح الزراعي، والذي قضى بإعادة توزيع الأراضي الزراعية بشكل أكثر عدالة؛ فنزعت من بعض الملاك الإقطاعيين أراضيهم وأعيد توزيعها على صغار الفلاحين، وكما وضع القانون 200 فدان كحد أقصى للتملك.[5]  علاوة على الإصلاح الزراعي، كان مشروع السد العالي بأسوان محورياً في مجال التوسع الصناعي والزراعي، الذي يوفر المياه والطاقة اللازمتين لتحقيق أهداف التوسع.[6] وقد بدأ تنظيم الضباط الأحرار بالتبشير والترويج للسد العالي منذ أن استلموا الحكم.[7]

في السودان، كانت البلاد في بواكير الحكم الذاتي الذي بدأ في كانون الثاني\يناير 1954، بعد أن تم انتخاب كل مجلسي النواب والشيوخ،  وتشكيل الحكومة برئاسة إسماعيل الأزهري، رئيس الحزب الوطني الاتحادي صاحب الأغلبية البرلمانية. جاءت هذه المؤسسات إنفاذاً للاستحقاقات الدستورية لاتفاقية الحكم الذاتي، التي تم توقيعها بين دولتي الحكم الثنائي بريطانيا ومصر في شباط\فبراير من العام 1953، والتي قضت بأن يحكم السودانيون أنفسهم لمدة ثلاثة أعوام قبل أن يحددوا مصيرهم: الاستقلال أو الاتحاد مع مصر. كان على عاتق الحكومة الوطنية الأولى إيلاء ملف التنمية والنمو الاقتصادي الاهتمام الكافي. وقد أشرنا في مقالات سابقة أن الإدارات الوطنية المتعاقبة في فترة ما بعد الاستقلال لم تبتعد كثيراً، بل التزمت الخطط الاستعمارية للاقتصاد السوداني القائمة على التوسع في زراعة القطن.[8]  في العام  1949 بدأت  مصلحة الري بدراسة  احتياجات السودان، وبعدها بعام تم البدء في دراسة امتداد المناقل، والذي كان  يهدف لمضاعفة المساحات المروية بمشروع الجزيرة.[9] حسمت الحكومة الوطنية الأولى أمرها حول هذا المشروع، و خصصت نصيب الأسد من الموارد للاستثمار في هذا المشروع و التوسع في شبكات الري التابعة لمشروع الجزيرة.[10] وللتوسع في امتداد المناقل، كان على السودان أن يوفر مياهاً إضافية، عبر مخطط بناء خزان الرصيص.[11]

وقفت اتفاقية مياه النيل للعام 1929، والذي كان عبارة عن مذكرات متبادلة بين رئيس الوزراء المصري محمد محمود والمندوب السامي البريطاني جورج لويد[12]حجر عثرة أمام الحكومة السودانية، والذي يقتضي بعدم شروع السودان في أي مشروع مرتبط بمياه النيل دون توافق مع المصريين.[13] بينما كان بناء السد العالي، لاشتراطات التمويل وآثاره السالبة على السودان، يتوقف على أن يرتضي السودانيون به.

وفي خضم هذه الظروف، كان لا بد لأي بلد يرغب في بناء مشاريع على النيل، أن يخطر نظيره بهذه الرغبة ويصل معه لاتفاق، وهو ما فتح الباب لمفاوضات أثرت في الواقع السياسي وتأثرت به.

 

سنوات التفاوض: عجاف على السودانيين، سمان للمصريين:

في سلسة مقالاته بمناسبة مرور ثلاثة وخمسين سنة على اتفاقية مياه النيل، رصد الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان أسرار وخفايا التفاوض حول مياه النيل. وبحسب سلمان، فإن السيد ميرغني حمزة وزير الزراعة والري والمعارف في الحكومة الوطنية الأولى، وفور تسلمه للأعباء الوزارية، قد خاطب المصريين للحصول على موافقتهم بشأن خزان الرصيرص.  وبحسب ما كتبه الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه في كتابه عن مياه النيل؛ فقد عقد السيد ميرغني حمزة اجتماعاً تمهيدياً ضم البريطاني همفري موريس، مستشار وزارة الري، ومحمد أمين وكيل وزارة الأشغال المصرية لمناقشة التعديلات حول اتفاقية 1929 حتى يتمكن السودان من المضي قدماً في مشاريعه في نيسان \أبريل  من العام 1954.[14]  لعل الظروف السياسية التي سبقت هذا الاجتماع التمهيدي مثل حوادث مارس 1954[15]، والفيضان الذي  ضرب البلاد في ذلك العام، هو ما أجل اللقاء التفاوضي الأول، الذي لم ينعقد إلا في مطلع  أيلول\سبتمبر  من العام  1954 بالخرطوم.[16]  وعند اجتماع الوفدين، قدم السودانيون دراستهم و طلبهم لبناء خزان الرصيرص، إلا أنهم صدموا بتقديم المصريين لمجموعة من المشاريع على رأسها السد العالي.[17] رفض عضو وفد التفاوض، والمستشار بوزارة الري، السيد همفري موريس  الربط بين الملفين، وأن التفاوض يجب أن يقتصر على ملف خزان الرصيرص فقط، وهو ما أفشل الجولة الأولى من التفاوض.[18]  لم يكن موضوع السد العالي سراً، فقد أعلن عنه المصريون في العام 1952، لكن طلبات الحكومة السودانية لمعرفة الجوانب الفنية من السد لم تستجب لها الحكومة المصرية إلا عندما اجتمع البلدان في الخرطوم لمناقشة ملف خزان الرصيرص.[19]

سافر السيد ميرغني حمزة لمصر في تشرين الأول\أكتوبر من العام ذاته لتحريك ملف التفاوض.[20] وفي تشرين الثاني\نوفمبر من العام 1954، بدأت الجولة الثانية من التفاوض، والذي أكد فيها السودانيون ألا ربط بين السد العالي والرصيرص. وقد تم التطرق لمسألة توزيع مياه النيل حتى يتسنى للسودان التوسع في مشروع الجزيرة في إلا أن المصريين  رفضوا أي إعادة لتوزيع المياه ما لم يبنى السد العالي.[21] وبحسب  سلمان، فإن همفري كان متشدداً في الموقف الرافض للقبول بالسد العالي نظراً لما قد يحدثه من أضرار لوادي حلفا، وهو ما قد حدث بالفعل، بالإضافة للتبخر العالي في تلك المنطقة.[22]كان ذلك الموقف يعاكس موقف وزيره الذي كان ميالاً للقبول بالسد العالي، لولا إصرار مستشار الوزارة حسب ما ذكر سلمان.[23] على عكس ما سيرد لاحقاً عن مواقف ميرغني حمزة المتشددة حول التفاوض؛ فلعل ما حدث إبان زيارته لمصر قد أثر على موقفه في تلك الجولة. كان ميرغني في زيارته التي سبقت التفاوض مرافقاً للرئيس المصري جمال عبد الناصر، بل إن السيد ميرغني حمزة تعرض لإصابة في حادثة المنشية[24]، التي استهدفت جمال عبد الناصر، حيث كان الوزير بجواره.

 في كانون الأول \ديسمبر 1954، أدت الصراعات الحزبية بين رئيس الوزراء السيد إسماعيل الأزهري وبين وزير الزراعة والري إلى الإطاحة بالأخير.  من المهم جداً التوقف عند هذه النقطة إذ أن ملف المياه كان حاضراً فيها؛ فقد أشار ميرغني حمزة في البيان الذي أصدره رفقة خلف الله خالد وزير الدفاع، وأحمد جلي  وزير الدولة ( بلا أعباء) إلى أن الصاغ صلاح سالم، وزير الدولة شؤون السودان بالحكومة المصرية،  أبلغه بأن الأزهري هو الذي قصر الاجتماعات حول مستقبل العلاقة بين البلدين، بما فيها مياه النيل، على الحلقة الصغيرة لمجلس الوزراء -والتي لم تكن تضم ميرغني حمزة.[25] و قد ألمح وليام لوس، مستشار الحاكم العام، أن صلاح سالم نفسه أوعز لإسماعيل الأزهري بإقالة الوزراء الثلاثة،[26] المحسوبين على طائفة الختمية إحدى التيارات المكونة للحزب الوطني الاتحادي معية جناح الأشقاء الذي  يقوده الأزهري. [27]  وعلى عكس ما ذكره الدكتور سلمان، فإن البعض عزا إبعاد ميرغني حمزة لمواقفه الصلبة تجاه مياه النيل.[28]. وهو ما ستؤكده المفاوضات القادمة. عقب الإطاحة بالعناصر الختمية بالوزارة، تم تعيين خضر حمد وزيراً للري، وذلك بعد أن فصلت الزراعة لتصبح وزارة قائمة بذاتها يقودها حسن عوض الله مصطفى.[29] حري بالذكر أن حمزة، ابن السيد ميرغني حمزة، الموظف بوزارة المالية، كان من الأطراف غير المتحمسة للشروع في التوسع بزراعة القطن نظراً لعدم استقرار أسعاره. ولعل ذلك يفسر أن الموقف اللين في الجولة التفاوضية الثانية كان ظرفياً وليس موقف الرجل الأساسي.

في أواخر  آذار\مارس من العام 1955، زار خضر حمد القاهرة للتمهيد لجولة جديدة من التفاوض.[30] وفي  تلك الزيارة، قامت السلطات المصرية باستجواب الوزير السوداني بتهمة حمل منشورات، والتي كانت عبارة عن قصيدة كتبها الشاعر السوداني أحمد محمد صالح، في مدح محمد نجيب الرئيس المصري الأسبق، والذي أبعد من مجلس قيادة الثورة ووضع تحت الإقامة الجبرية.[31] وبعد أن عاد خضر حمد إلى الخرطوم، و أبلغ رئيس الوزراء بالحادثة، لم يعترض الأزهري على ما جرى، بل رجع خضر حمد للقاهرة في الرابع من نيسان\أبريل 1955 على رأس الوفد لبداية الجولة الثالثة.[32] وفي هذه الجولة حدد الوفد  السوداني ثلاثة شروط قبل الموافقة على السد العالي، وهي: حساب نصيب  السودان من المياه من أيراد النهر الطبيعي  قبل البدء في السد العالي ( لا يتحمل السودان فاقد التبخر)، حق السودان في إقامة مشاريع على النيل للاستفادة من نصيبه، و تعويض أهالي وادي حلفا تعويضاً كافياً.[33]  ورغم أن هذه الجولة قدم فيها الوفد السوداني قبولاً ضمنياً بالسد العالي، إلا أن  وسائل الإعلام المصرية خرجت لتهاجم وزير الري السوداني، متهمة إياه بالتسبب في فشل المفاوضات، و أنه يحمل منشورات ضد الوضع الحالي- في إشارة لقصيدة مدح محمد نجيب.[34] للمفارقة؛ فإن خضر حمد كان من أشد المرتبطين بمصر، لدرجة أنه عارض مشروع المعونة  الأمريكية، وزعم أن الأمريكان يريدون بذلك المشروع، ضمن أشياء أخرى، بناء ميناء  على حلايب، ليكون بديلاً لقنال السويس.[35]

وبحسب اللجان الفنية فإن تلك الجولة، التي فشلت بطبيعة الحال، أسفرت عن تقديم مصر لعرض يزيد حصة السودان إلى ثمانية مليار متر مكعب،  وهو ما وصفه المهندس سمير حلمي عضو الوفد المصري بأنه زيادة كبيرة لأنه سيضاعف حصة السودان بنسبة مئة بالمئة.[36]  في المقابل، وضع الفنيون السودانيون ثلاثة أسس لتحديد التقسيم: إما على أساس السكان،  أو على أساس الأرض الصالحة للزراعة، أو بناء على رأي عضو اللجنة المحايدة للعام 1920 والتي تعترف بالحقوق المكتسبة ( وقتها كانت تستهلك مصر 40 مليار مقابل 2 للسودان)  وتدعو لتوزيع الفائض مناصفة بين الطرفين.[37]  حري بالذكر أن أياً من هذه الأسس، والتي كانت ستزيد عن نصيب السودان الحالي، لم تطبق.  

يبدو أن مواقف الوفد السوداني كانت مكشوفة للمصرين قبل كل جولة. ففي تلك الفترة كان رجل المخابرات المصري عبدالفتاح أبو الفضل يعمل تحت غطاء مراسل صحفي بالخرطوم، استطاع من خلال الأريحية التي يمارسها المسؤولون السودانيون مع الصحفيين الأجانب، و ربما إلى يومنا هذا، في الوصول إلى موظف بأرشيف وزارة الري.[38] كان هذا الموظف، والذي يطلق عليه أبو الفضل صفة الوطني، يطلع المراسل الصحفي بمعلومات مرتبطة بالتفاوض، والتي يقوم أبو الفضل بإرسالها لمصر فوراً قبل أن يعلم بقية الوفد السوداني بها  حد وصفه.[39]  وللمفارقة فإن أبو الفضل يحكي أنه عندما استجوبته وزارة الداخلية، بعد وشاية من مواطن مصري خائن، لم يطلب منه المغادرة بل ظل في وظيفته بعد أن أقنع المسؤول الشرطي أن المخابرات المصرية لو أرادت أن تزرعه كجاسوس ما كان ليعجزها أن تمحو اسمه من السجلات و تمنحه هوية جديدة -كانت الوشاية تؤكد أن أبو الفضل كان ضابطاً سابقاً بالجيش المصري.[40]

زار رئيس الوزراء السوداني القاهرة بعد أسابيع قليلة من فشل المفاوضات، حيث كان في طريقه للمشاركة في قمة عدم الانحياز بإندونيسيا.[41] لم يبشر الفتور الذي شاب الزيارة بنتائج إيجابية، بل إن الجولة الرابعة التي عقدت بالخرطوم في حزيران\يونيو 1955 شهدت تصعيداً شديداً في المطالب لكل وفد، مما كتب عليها الفشل بعد ثلاثة أيام من انطلاقها.[42]

لم تكن اجتماعات  الوفد السوداني بالوفد المصري خلال احتفالات ثورة يوليو، بعد شهر من فشل جولة المفاوضات الرابعة، ترقى لأن تكون جولة تفاوض، لكن الجانبين ناقشا ملف مياه النيل، و ظل السودان على موقفه الرافض لتحمل التبخر مناصفة مع مصر، معتبراً أن نصيبه من المياه يجب أن يرتفع لعشرين مليار متر مكعب، بينما كان المصريون يعتبرون أن نصيب السودان يجب أن يكون أحد عشر مليار  متر مكعب بعد تقاسم فاقد التبخر، إضافة لأن المصريين كانوا يزعمون أن إيراد النهر 80 مليار وليس 84.[43]  غير أن المهم في هذه اللقاءات أن الوفد السوداني تمت معاملته بصورة فاترة، و ذلك بعد أن قرر الحزب الوطني الاتحادي أن موقفه هو الاستقلال، وبعد أن أبعد الحزب محمد نور الدين المدافع عن الاتحاد بين البلدين.[44]

لم تعقد الجولة التفاوضية الخامسة إلا في أواخر كانون الأول\ديسمبر 1957، والتي قاد فيها الوفد السوداني السيد ميرغني حمزة، وذلك بعد أن عاد وزيراً للزراعة والري والطاقة الكهربائية، في حكومة السيدين التي شكلت في تموز \يونيو 1956، وقبلها في حكومة الوحدة الوطنية في شباط \فبراير من العام ذاته. وقد حالت ظروف البلدين دون أن يعقدا جولة للتفاوض حول مياه النيل، حيث ألهت الخلافات  السياسية الداخلية، وأحداث عنبر جودة[45] السودانيين، بينما انشغل المصريون بملف تمويل السد العالي، والعدوان الثلاثي الذي شنته كل من فرنسا و بريطانيا و إسرائيل على مصر عام 1956 بعد تأميم القنال.[46] رغم اجتماع ميرغني حمزة بالرئيس المصري جمال عبدالناصر مرتين في هذه الجولة، إلا أنها لم تحقق نجاحاً، وقد تمظهر ذلك، بالإضافة لمشكلة توزيع الحصص، في مبلغ التعويضات الذي عرضته مصر البالغ عشرة ملايين، في حين كان الوفد السوداني قدر خمسة وثلاثين مليوناً  كتعويض لترحيل أهالي حلفا.[47] 

في العام1958، هيمن ملف المعونة الأمريكية، والخلاف حول حلايب على الأجواء بين البلدين.[48] وكان الخلاف ذا بعدين: خارجي مع مصر، وداخلي بين مكونات التحالف الحاكم نفسه؛ فقد كان لكل من الطرفين (الأمة، الشعب) موقف مغاير تجاه الأزمة.[49]

في تموز\يوليو 1958، تجددت الأزمة بين السودان ومصر، لكن هذه المرة كانت بسبب المياه. فقد احتجت الحكومة المصرية لدى نظيرتها السودانية جراء فتح قنوات الري قبل إثني عشر يوماً من المواعيد المحددة لذلك وفق اتفاقية العام 1929.[50] وقد أثار السودان مجدداً عدم اعترافه باتفاقية 1929، باعتباره غير ملزم للسودان؛ فقد كانت الاتفاقية حين توقيعها هادفة لحماية المصالح المصرية.[51]  وقد كانت الاتفاقية تحظر على السودان، أو أي دولة منبع، أن يقوم بأي أعمال للري أو إنشاءات على النيل أو حد أفرعه دون إذن من الحكومة المصرية.[52] في ذلك الوقت قام السودان بتعيين خبير قانوني، وهو الهولندي فان سانتين،  لكتابة رأي قانوني حول الاتفاقية، ورغم أنه أشار لعدم إلزامية الاتفاقية للسودان، فإن التغيرات السياسية، متمثلة في انقلاب الفريق إبراهيم عبود،[53] أطاحت بالخبير القانوني من منصبه.[54]

في أذار\مارس من العام 1959، أرسلت الحكومة السودانية برقية لنظريتها المصرية مبدية رغبتها في استئناف التفاوض حول مياه النيل.[55] وفي تشرين الأول\ أكتوبر سافر الوفد السوداني بقيادة اللواء محمد طلعت فريد إلى القاهرة، للتفاوض حول مياه النيل، وبعد حوالي شهر من التفاوض تم توقيع الاتفاقية بين البلدين حيث أقرت الاتفاقية الآتي:

  • الحقوق المكتسبة لكل من البلدين بموجب اتفاقية 1929
  • بناء مصر للسد العالي
  • يتقاسم السودانيون مع مصر فاقد التبخر عند بحيرة السد قبل توزيع الفائض
  • يصبح نصيب السودان 18.5 مليار متر مكعب، و55.5 مليار متر مكعب لمصر
  • بناء السودان لخزان الرصيرص دون التقيد باكتمال بناء السد العالي
  • تقديم السودان سلفة مائية لمصر قدرها 1.5 مليار متر مكعب سنوياً حتى العام 1977
  • تعويض أهالي حلفا بمبلغ قدره 15 مليون جنيه مصري

إن النظر للاتفاقية بشكل عام، سيخلص إلى أن مصر نجحت عبر أساليب متعددة من فرض شروطها على السودان، أو أن السودان لم ينجح في تحقيق ما كان يبتغيه عندما بدأ التفاوض قبل خمسة أعوام.

 نحن بحاجة لطرح سؤالين لفهم هذه المعضلة:

أولاً: لماذا كانت مصر متمسكة بموقفها الذي يصل حد العداء؟

ثانياً: كيف وقعت حكومة عبود العسكرية هذه الاتفاقية وهي التي جاء بها عبد الله خليل لدرء خطر التقارب مع مصر؟[56]

 

مصر والنيل:

 إن التهديدات بحبس المياه عن الوصول إلى دول المصب لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود لقرون مضت، لوح فيها أهل الحبشة بمقدرتهم على تغيير مجرى النيل الأزرق، وذلك لإخضاع المسلمين بأرض الكنانة ودعماً للأقباط هناك.[57]  هذه التهديدات التي يرجع بعضها للعصر المملوكي[58] شكلت أساساً للمخاوف المصرية حول مياه النيل، الذي يعد شريان الحياة لمصر، ولا يمكن النظر لهذه المخاوف التي نشهدها اليوم حول سد النهضة دون البناء على التاريخ وأحداثه، والذي تتوارثه الأجيال جيلاً تلو الجيل. كما أن المصريين يعتبرون النيل ملكاً خالصاً لهم.[59] هذه المخاوف والقناعات، معززة بالجغرافية المعقدة،  جعلت موقف مصر تجاه مياه النيل خطاً أحمر.

 التاريخ القريب كذلك يمنح المخاوف المصرية السند. فبعد الثورة المصرية عام 1919، وصعود الحركة القومية هناك وتعالي المطالب بالاستقلال، بدأ المصريون يسلكون مسلكاً يفارق الخط البريطاني، خصوصاً في السياسات الزراعية.[60]  فقد بدأت النخبة المصرية السعي للزراعة في قطن قصير التيلة ذي الربحية الأعلى مقابل التخلي عن القطن طويل التيلة التي تستعمله المصانع البريطانية.[61]

وعندما منحت بريطانيا مصر استقلالها في العام 1922، قد حافظت على أربع ملفات من بينها السودان.[62] وقد كان ذلك أداة للي ذراع مصر عبر المياه. وقد واجه مشروع الجزيرة رفضاً مصرياً واسعاً، لأنه سيخصم من مياه مصر، وقد ترافق ذلك مع تهديد إدموند أللينبي، المفوض السامي البريطاني لمصر والسودان، بأن ري مشروع الجزيرة سيتعدى ال 300 ألف فدان إلى مالا نهاية من الأراضي.[63]

وقد كانت بريطانيا داعمة لخطة موريس التي تهدف لتخزين المياه في المناطق الرطبة، خارج الأراضي المصرية، للتقليل من فاقد التبخر العالي في أسوان. ورغم أن هذه المشاريع ذات جدوى من الناحية الفنية، إلا أنها لم تكن من الناحية الاستراتيجية جيدة خصوصاً لدولة مثل مصر، تريد أن تضبط إيراد النيل داخل حدودها،[64] أو ستكون مضطرة للحفاظ على علاقة ودية مع كل الدول التي بها سدود للحفاظ على تدفق المياه وانسيابها لشريان الحياة بمصر.[65]

وفي ذات الصعيد، كانت بريطانيا تدرس تجفيف النيل عبر تغيير مجرى النيل الأبيض، و حرمان مصر من المياه، كوسيلة لإخضاعها عقب تأميم قنال السويس.[66]وقد  قامت مصر بدراسة الآثار المترتبة على هذه الخطة إلا أنها امتنعت لأن: الأثر سيظهر على مصر بعد أكثر من عام مما يفقده النجاعة، سيؤثر سلباً على حركة الملاحة في مستعمرات شرق إفريقيا، كما أنه سيضر بمشاريع القطن في السودان.[67]  وقد كانت بريطانيا وزعت تصريحات السيد  عبدالعزيز أحمد، المستشار الفني وزارة الأشغال، حول مياه النيل على جميع البلدان المعنية بالملف لتحريضها على مصر.[68] وكان المستشار قد قلل من أهمية مطالب السودان و أثيوبيا في مياه النيل، وأن اتفاقية 1929 قادرة على احتواء مطالب هذه البلدان.[69]

لكن هذه المبررات تصطدم مع عدد من الحقائق. لم تكن الحكومة السودانية حليفة لمصر فسحب؛ بل إن الحزب المسيطر على الحكومة برئاسة إسماعيل الأزهري، كان حزباً لعبت السلطات المصرية دوراً في تشكيله.[70] كما أن رئيسه، أي الحزب الوطني الاتحادي، كان يدافع عن الموقف المصري داخل قبة مجلس النواب بينما كان الآخرون ينادون بمعالجة مشكلة المياه.[71] ولم يكن الموقف السوداني والبريطاني متطابقاً؛ فبينما كان السودان لا يعترف باتفاقية 1929، كانت بريطانيا تحثه على الاعتراف بها.[72] ورغم أن مستشار وزارة الري كان بريطاني الجنسية؛ فإن مواقفه لم تكن تمثل مواقف بريطانيا على الإطلاق، بل إنها ناقضتها في كثير من الأحيان.[73] ومن المعلوم بالضرورة أن أي ضرر مائي يلحق بمصر، سيكون قد مس السودان أولاً.  ورغم أن الدكتورة أماني الطويل، تستدل بتصريحات صلاح سالم، والتي زعم فيها أن السودان لم يستهلك حصته من المياه، وأنه يبدد المياه التي طلبها من الحكومة المصرية، في إشارة لتتبع ضغوط بريطانية[74]، إلا أن السودان كان بالفعل قد استنفد حصته من المياه منذ العام 1950، وهو ما دفعه للطلب بتعلية خزان سنار لمتر إضافي، والذي تمت الموافقة عليه عام 1952.[75]  من المثير للاهتمام أيضاً أن العديد من الكتاب يخلطون بين حوجة السودانيين للمياه، وبين المشاريع التوسعية للأرستقراطية الدينية، واتخاذها مبرراً للموقف المصري.

فهل كان من مبرر لغضبة المصريين، أم أنها متطلبات التفاوض؟ وهل تعامل السودانيون مع الملف بسذاجة وحسن نية فائقة، دون إيلاء الجانب السياسي حقه؟  لكن قبل الذهاب للخلاصات علينا أن نسعى لفهم موقف حكومة عبود وتوقيعها السريع لاتفاقية.

 

لماذا مضى عبود في خيار الاتفاقية:

يربط الكثيرون حكومة إبراهيم عبود للتوصل إلى اتفاقية حول مياه النيل بالتقارب بينه وبين طائفة الختمية، خصوصاً بعد إبعاد اللواء أحمد عبد الوهاب، المقرب من حزب الأمة، من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وفتور العلاقة مع حزب الأمة.[76]  لكن هذا الربط يقابله بالجهة الأخرى مواقف السياسة الخارجية لنظام عبود كانت على النقيض من مواقف نظام عبد الناصر.[77] فقد كان نظام عبود محافظاً لا يدعم حركات التحرر الوطني في المنطقة، ربما خشية أن تنتقم الأنظمة بتأجيج الصراع المسلح بجنوب السودان. وشهدت العلاقة بين السودان ومصر خلافات حول الكونغو الديمقراطية؛ حيث رفضت الحكومة السودانية السماح للمصريين باستخدام الأجواء السودانية لتمرير السلاح لأنصار باتريس لوممامبا.[78] كما أن نظام عبود، وافق للسلطات البريطانية في استعمال المجال الجوي السوداني للطيران الحربي البريطاني في العمليات العسكرية في اليمن الجنوبي.[79]

إن نظام إبراهيم عبود اعتمد على اكتساب الشرعية السياسية، كغيره من الأنظمة العسكرية، بتحسين الوضع الاقتصادي.  كان بيع القطن وتصديره هو البوصلة في تحقيق هذه الشرعية، نظراً لأنه المصدر الرئيس لجلب العملة الصعبة وتمويل المشاريع التنموية والخدمية.[80]  تبنت حكومة عبود نظاماً جديداً في بيع القطن المتراكم وذلك بتبني سياسة سعرية مرنة للتخلص من المخزون، والذي لم يتم بيعه في الموسمين السابقين بسبب انخفاض الأسعار عالمياً وعدم رغبة الحكومة ببيعه بتلك الأسعار.[81]

كأي نظام عسكري، يستعين بكبار رجال الخدمة المدنية في وضع السياسات الاقتصادية، فقد كان السيد مأمون بحيري أحد أبرز المسؤولين الاقتصاديين في نظام عبود، وتبوأ عدداً من المناصب في تلك الحقبة. في مطلع الخمسينيات، عنما بدأ مخططو وزارة المالية في وضع الخطط الاقتصادية للسودان، وكيفية تحقيق النمو الاقتصادي. برز تياران أحدهما يعارض التوجهات نحو التوسع في الاستثمار في القطن، يقوده حمزة ميرغني حمزة، والذي كان يرى أن هذا التوجه سيضعف الدولة مالياً خصوصاً مع تأرجح أسعار القطن. التيار الآخر كان يدعم التوسع في مشاريع القطن، ويرى أن البيانات التاريخية حول أسعار القطن أداة ذات فائدة كبيرة في التوقع والتنبؤ لاتجاهات الاقتصاد السوداني.[82] كان مأمون بحيري يتزعم التيار الثاني.[83]  إن بيع القطن ومحوريته في حقبة عبود لا يمكن تلخيصه بصورة أفضل من رؤية وزير خارجيته، الأستاذ أحمد الخير، الذي كان يلخص مهام وزارته في شيء واحد: “بيع القطن”.[84]

إن توقيت دعوة حكومة عبود لإعادة فتح التفاوض حول مياه يعضد نظرة النظام السياسي لشرعيته عبر تحسين الوضع الاقتصادي، والذي قد رسمه رجال المالية من خلال التوسع في زراعة القطن -أي بناء خزان الرصيرص لري امتداد المناقل. لقد دعا نظام عبود للتفاوض في آذار\مارس 1959، وذلك كان بعيد قيام محاولة انقلابية على النظام.[85] وقد كانت تلك الفترة تشهد نشاطاً واسعاً للعناصر المؤيدة لمصر بالجيش السوداني، ففي نيسان\أبريل من العام 1959 تم إحالة عدد من الضباط المرتبطين بمصر للتقاعد.[86] و بحسب الوثائق الأمريكية، فقد قال المقدم علي حامد للملحق العسكري الأمريكي بالخرطوم، والذي قام بمحاولة انقلابية على النظام بالتزامن ع توقيع اتفاقية مياه النيل، أنه على تواصل مع المصريين ليعرف موقفهم حال تسلمه السلطة.[87]  خلال كتابه عن الجيش والسياسة، أشار محمد محجوب عثمان، والذي كان من ضمن المشاركين في انقلاب علي حامد، أن جهات صديقة كانت قد مدت قائد الانقلاب الرئيسي الرائد بشير محمد علي، بمعلومات عن معرفة الاستخبارات العسكرية بتحركهم، وهو ما دفعهم لتغيير الخطط وبروز المقدم علي حامد كقائد جديد. ويبدو أن المصريين استعملوا ورقة علي حامد لدفع نظام عبود للتوقيع، وذلك لأن انقلاب علي حامد عند وقوعه كان مكشوفاً للسلطات.[88]

استطاعت الحكومة السودانية بعد توقيع الاتفاقية أن تشرع في امتداد المناقل، وأن ترويه بحوالي 450 مليون متر مكعب إضافية على حصة السودان، خلال الفترة الانتقالية قبل استكمال بناء السد العالي، كما أوردت د. فدوى عبد الرحمن علي طه في ورقتها العلمية حول تاريخ مياه النيل بالسودان.[89]

 غير أن اتفاقية مياه النيل للعام 1959، مستصحبين معنا ما حدث من تهجير لأهالي وادي حلفا، تكشف لنا مدى تضليل خطاب استئثار أهل الشريط النيلي بالتنمية. لقد غمرت مياه بحيرة السد العالي أرضاً للآلاف من سكان الشريط النيلي، ودمرت مصادر رزقهم وإنتاجهم، وقضت على فرص استخدام السودان للشلالات، التي غمرت نتيجة لبناء السد، في توليد الطاقة الكهربائية، وغيرها من الموارد الطبيعية والمعدنية. لم يكن ذلك في سبيل إرضاء سكان الشريط النيلي، إنما للنخبة السياسية والاقتصادية المستفيدة من زراعة القطن، والتي لم تكن حكراً على أهل الشريط النيلي، كما أن خيرها لم يكن يتدفق بالضرورة لسكان هذه المشاريع.[90]

كانت هذه الآثار والسياقات المرتبطة بدولتي المصب، دوناً عن بقية دول الحوض. إن النظر إلى الاتفاقية بمعزل عن بقية دول المنبع، لا يعطي صورة كاملة للقضية، لذلك علينا أن ننظر فيما كان يجري في المنابع.

 

دول المنبع.. تضارب المصالح:

في خواتيم القرن التاسع عشر، وضعت بريطانيا منطقة وادي النيل كمنطقة نفوذ لها.  وعندما استطاعت أن تؤمن منابع النيل، بدأت تفكر في استخدام هذه المنابع للتنمية.[91] هذه التنمية ليست بغرض تطوير المستعمرات بقدر ما هي معنية بتوفير الأموال اللازمة لإدارة المستعمرات الجديدة.  وفي منابع النيل، لا يمكن النظر لمشكلة مياه النيل دون التطرق لدولتي إثيوبيا ويوغندا.

كما أشرنا سابقاً، فإن الصراع بين إثيوبيا ومصر حول مياه النيل يعود تاريخه لقرون مضت، لكن احتلال بريطانيا للقارة الإفريقية أضاف بعداً جديداً في هذه العلاقة.  في العام 1902، وقعت بريطانيا مع الإمبراطور منليك الثاني معاهدة تقتضي بمنح إثيوبيا أراضي بني شنقول وضمها للإمبراطورية الإثيوبية، مقابل عدم إقامة إثيوبيا أي مشروع مائي على النيل الأزرق أو نهر السوباط أو بحيرة تانا يحبس المياه دون التوافق مع بريطانيا و السودان.  لا تزال هذه الاتفاقية موضع جدل، حيث إن تفسير الطرفين للمادة تباين، خصوصاً فيما يتعلق بتفسير كلمة حبس.[92] كما أن السودان لم يكن مكتوباً في النسخة الأمهرية، عكس النسخة الإنقليزية التي أشارت للسودان صراحة.[93] لكن، وبحسب فيصل عبد الرحمن، فإن الأعمال التحضيرية للمعاهدة قد تضمنت الإشارة لحكومة السودان وضرورة موافقتها.[94] لكن ما ورد في الأعمال التحضرية، خصوصاً ما أورده ألفرد ألق، مستشار الإمبراطور منليك، يوحي بأن تفسير كلمة حبس مرتبط بكميات المياه ومدى تأثيرها على دول المصب، وليس مطلقاً.[95]

كان هذا البند ذا أهمية كبرى بالنسبة لبريطانيا، فقد عرضت عام 1907 على منليك الثاني أن تقدم له عشرة آلاف جنيه استرليني سنوياً، ولمن سيخلفه، مقابل أن يفي بالتزامه بمنع أي مشروع من شأنه حبس المياه قبل التوافق معهم.[96]

لما كانت بريطانيا مهتمة بزراعة القطن، أرادت أن تؤمن المياه اللازمة لريه في مستعمرتها الجديدة، السودان، وذلك عبر بناء سد مائي في بحيرة تانا، منبع النيل الأزرق.  لم يكن الاهتمام من الحكومة وحدها؛ ففي مطلع القرن العشرين، أي بعد توقيع المعاهدة، قدم مهندس بريطاني، يدعى روسل إيتكن، طلباً للحصول على امتياز استخدام البحيرة لمدة خمسين عاماً وبناء سد عليها -ولعل ذلك ما دفع السلطات البريطانية للتعجل بتوقيع المعاهدة.[97]

حالت الظروف السياسية الداخلية بإثيوبيا، بعد وفاة منليك الثاني دون أخذ خطوات جدية حول بناء سد تانا.[98] كما أن الشكوك الذي انتابت الوصي على العرش تافاري ماكونيين (الإمبراطور هايلي سيلاسي فيما بعد) حول البنية التحتية التي ستربط المشروع بالسودان، في حين ضعف البنية التحتية التي تربطه أديس أبابا به عرقل من سير التفاوض. [99]

في العام 1923، بدأ التفاوض بشكل رسمي حول هذا السد، وبريطانيا تلهث خلف ضمان المياه التي ستروي مشاريع القطن التي ستكون مدخلاً مهماً لمصانع النسيج البريطانية في ظل ارتفاع أسعاره عالمياً.   وللتأكيد حول أهمية السد للمخططات البريطانية، قدمت بريطانيا عروضاً مالية ضخمة، ممثلة في الوفاء بالتعهدات السابقة لمنليك، إضافة لمئتي ألف جنيه استرليني، و خمسين ألف أخرى تدفع سنوياً كأجرة عن الأرض.[100] وذهبت بريطانيا بعيداً لتعرض للإثيوبيين هضبة بوما بجنوب السودان، وميناء زيلا الصومالي مقابل قبول الإثيوبيين بمنح بريطانيا الأرض لبناء السد.[101] وفي العام 1925، طلب البريطانيون من الرئيس الإيطالي موسيليني أن يساعدهم بالضغط  على إثيوبيا مقابل أن تقوم بريطانيا ببناء خط سكك حديدية يربط المستعمرات الإيطالية بشرق إفريقيا، وتحديداً بين  إريتريا و الصومال الإيطالي.[102]  كان المشروع  من الأهمية بمكان بالنسبة للمصريين؛ إذ اعتبره  إبراهيم فهمي، وزير الأشغال العامة المصري، هو الأهم في وادي النيل، بعد خزان أسوان.[103]

تعطل التفاوض نظراً للتطورات السياسية العالمية ممثلة الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا، والحرب العالمية الثانية. كما أن سد الحوجة البريطانية لمياه الري، مؤقتاً، عبر بناء خزان سنار، وتوقيع اتفاقية مياه النيل للعام 1929 جعل من مصر طرفاً آخر يدخل في معادلة التفاوض حول سد تانا.[104]  لم يستأنف النقاش حول السد إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي هذه المرة كان الإمبراطور هايلي سيلاسي هو الطرف الأكثر حماساً للمضي قدماً في هذا المشروع، خصوصاً أنه بدأ ينظر إليه كمصدر لتوليد الطاقة. وقد ذهب هايلي بعيداً، لدرجة أنه فكر جدياً في نقل العاصمة من أديس أبابا لبحر دار بحيث يكون قريباً من السد، والمشاريع التنموية المرتبطة به.[105]

بتعدد الأطراف المرتبطة بالسد، تعددت المصالح حد التضارب. إثيوبيا كانت تريد أن تعترف كل من مصر وبريطانيا بسيادتها على إريتريا، بينما كانت بريطانيا لا تزال ترى وظيفة السد الأساسية هي الري، وليس الطاقة كما ينظر له الإثيوبيون.[106] وفي الجانب الآخر أرادت مصر أن يعترف بسيادتها على السودان، وأن تستعيد نفوذها على بعض السواحل الإريترية مثل مدينة مصوع.[107]

كان تمثيل السودان، القابع تحت الاستعمار الثنائي، مسألة معقدة جداً. بريطانيا كانت تريد أن يكون السودان حاضراً في المشهد، لكن دون أن تغضب الشريك المصري الذي أراد أن يمثل السودان. وقد أبدت الإدارة الاستعمارية بالسودان ممثلة في الحاكم العام هودلستون رفضها لغياب السودان عن المباحثات، كما أن الجمعية التشريعية تبنت ذات الموقف. لكن الرد البريطاني كان قاسياً لدرجة توبيخ الحاكم العام، وإعلامه أن ما يخص التفاوض حول سد تانا عبارة عن أوامر لا تخضع للنقاش.[108]

وبينما كان نواب الجمعية التشريعية يؤملون في حضور السودان، كانت المصالح المتضاربة بين الأطراف تعرقل أي فرصة للتقدم. وظل مشروع سد تانا محل شد وجذب، إلى أن قام الضباط الأحرار بالانقلاب على حكم آل محمد علي باشا، وصرفوا النظر كلياً عن إقامة أي سد خارج الأراضي المصرية كما أشرنا سابقاً.[109]

جنوباً، حيث منابع النيل الأبيض، كانت أوغندا مستعمرة بريطانية، تنازعت عليها مع الألمان لزمن قبل أن يتقفا في أواخر القرن التاسع عشر.[110] بدأ التفكير في إنشاء سدود بأوغندا في مطلع القرن العشرين.[111] لكن ذلك كان بغرض توليد الطاقة، وقد تم اقتراح شلال ريبون في العام 1904 كموقع لبناء السد، لكن زيارة ونستون تشرتشل في العام 1907، والذي كان مسؤولاً بشؤون المستعمرات، فضلت شلالات أوين على الموقع القديم. لم تمض المخططات قدماً إذ أن هذا التوجه سيقوض العلاقات مع مصر.[112] في أواخر الأربعينات تم التوصل لاتفاق بين مصر وبريطانيا على بناء سد شلالات أوين.[113] كان للسد غرضين أساسيين، وهو توليد الطاقة بالنسبة ليوغندا، وتوفير المياه لمشاريع الري بمصر. و للتوفيق بين الغرضين، قامت مصر بدفع حوالي مليون جنيه استرليني كتعويض ليوغندا مقابل زيادة ارتفاع السد لمتر إضافي.[114] وللحفاظ على مصالح مصر، فقد ألزمت الاتفاقية بريطانيا بوجود مهندسين مصريين بالسد، لمتابعة معدلات تدفق المياه، وضمان استقرار الإمداد المائي لمصر.[115] في العام 1954، تم افتتاح السد بحضور المكلة إليزابيث الثانية.[116] وكما أشرنا سابقاً فقد أرادت بريطانيا أن تستخدم سلاح المياه لتركيع مصر بعد تأميم قناة السويس، كان ذلك عبر السد والتحكم في مياهه و حرمان المهندسين المصريين من الوصول للبيانات المتربطة به؛ لكن الأضرار المترتبة على ذلك، الذي ستضر بمصالح بريطانيا ومستعمراتها قبل الإضرار بمصر حال دون ذلك.[117]

على عكس إثيوبيا، كانت يوغندا مستعمرة بريطانية حتى العام 1962، مما يعني أنها لم تكن تمتلك إرادتها عند توقيع اتفاقيتي مياه النيل 1929، و1959. هذا التغييب دفع يوغندا للمطالبة بالتعويض عن بناء سد شلالات أوين، بالإضافة للمطالبة بالسيادة اليوغندية على المياه، وظلت تؤكد بأن الاتفاقية غير ملزمة لها.[118] وللمفارقة فإن بريطانيا التي كانت تغيب مستعمراتها في مفاوضات المياه طيلة عقود الاستعمار، أرادت أن يكون صوتها حاضراً في مفاوضات مياه النيل بين مصر والسودان.

لم تتوان يوغندا في المطالبة بنصيبها من مياه النيل إلى يومنا هذا.  ولا غرابة أن الاتفاقية الإطارية للتعاون في حوض النيل، والمعنية بإعادة توزيع المياه قد تم توقيعها في عنتيبي اليوغندية في العام 2010، وهي ذات الاتفاقية التي صادقت عليها دولة جنوب السودان مؤخراً، لتشكل واقعاً جديداً في المنطقة.

 

خاتمة:

كان الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان يطلق صفة الارتباك على الموقف التفاوضي السوداني في مفاوضات سد النهضة و عنتيبي وغيرها، وهو على ما يبدو أمر جذوره ممتدة لعقود مضت.   ولعل الارتباك يعود للنظرة العامة لقضية المياه بمعزل عن السياسة واعتبارها شأناً فنياً فقط.

لم تتعامل السلطات السودانية مع ملف المياه، في أغلب الأحيان،  بالحساسية السياسية التي يستحقها، فكان عناصر الوطني الاتحادي يتشاورون مع المصريين حول قضايا مرتبطة بالمياه كما أشرنا سابقاً، بل و ذهب إسماعيل إبان جلوسه في مقاعد المعارضة ليصرح من القاهرة بتأييده لحقوق مصر وفق اتفاقية 1929، لدرجة أن السفير الأمريكي شبه تصريحاته بتصريحات زعيم مصري لا سوداني[119]، و يذهب رئيس الوفد السوداني للقاهرة، حاملاً معه قصيدة تمجد رئيساً سابقاً تحت الإقامة الجبرية، ويتم إخضاع رئيس الوفد السوداني للتحقيق بعد أن وقعت  القصيدة في يد الأمن المصري، بعد أن أعطاها الوزير لشخص لا يعرفه ليقوم بطباعة نسخ منها. حتى في عهد عبود، وحينما تعثر التفاوض في مسألة التعويضات لأهالي حلفا، قبل الوفد السوداني بوساطة الرئيس جمال عبد الناصر، رئيس الجانب الآخر، ليحكم بين الطرفين. وللمفارقة أن ما دفع من التعويضات للترحيل، 15 مليون جنيه مصري، كان أقل من التكلفة الحقيقية للترحيل، بل إن التكلفة فاقت المبلغ الأساسي الذي طالب به السودان أول مرة وهو 35 مليون جنيه. وقد غاب التفاوض حول مياه النيل في اتفاقية السلام الشامل بنيفاشا.  وإن كانت الأطراف متفائلة بعدم انفصال جنوب السودان، فلم يكن من المبرر مطلقاً ألا توضع ترتيبات أو تفاهمات حول هذا الملف الحساس.

إن المياه لم تكن غائبة عن الساحة السياسية قط يوماً، وعلى الأرجح لن تغيب. فقد توترت علاقات بين الدول بسبب المياه، ووقعت الحروب بسبب المياه مثل الحرب العراقية الإيرانية التي غذاها الخلاف على شط العرب، وتعمل إسرائيل على تركيع جوارها وتهجير الفلسطينيين باستخدام المياه، بينما يغيب ملف المياه عن العقل السياسي السوداني تماماً. وبالرغم من طبيعة السودان الزراعية، واعتماده على مياه النيل كمصدر أساسي في اقتصاده، ووقوعه ضمن دائرة الأطماع الخارجية للحصول على هذا المورد -بما فيها هذه الحرب- فإن الممارسين السياسيين قليلاً ما اهتموا بملف النيل، وقد كان الراحل الصادق المهدي أحد السياسيين القلائل الذين أولوا الملف حقه من الكتابة.[120] 

إلى وقت قريب لم يكن السودان قد استخدم حصته السنوية من مياه النيل، التي هجر في سبيلها آلاف السكان وغمرت أراضي شاسعة في شماله لأجل الحصول على هذه الحصة. ولعل ذلك يرجع لغياب استراتيجية واضحة لملف المياه.

إن انعدام الرؤية حول المياه لا دليل أبلغ عليه من سنوات التفاوض حول مياه النيل. فبينما كان السودانيون يقدمون التنازل تلو التنازل، كانت مصر تزداد مواقفها شدة وقوة. لم تترك مصر السياسة خارج قاعات التفاوض، بل كان الملف في ذاته سياسة، وتشرعن في سبيل ذلك كل الأوراق، وقبلها فعلت إثيوبيا مستخدمة المياه كوسيلة للاعتراف بسيادتها على إريتريا، بينما كان السودانيون يتعاملون مع الملف بصورة مغايرة، تصل السذاجة أحياناً؛ فهل من مياه بغير سياسة؟

[1] الصادق المهدي، مياه النيل: الوعد والوعيد، ط1 ( القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر،2000)

[2] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” المعونة الأمريكية: حل للأزمة أم إعادة لإنتاج ظروفها؟”، حوارات جيل الثورة،  أيار\ مايو 2024

[3] الصادق المهدي، مياه النيل: الوعد والوعيد، ط1 ( القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر،2000)

[4] الصادق المهدي، مياه النيل: الوعد والوعيد، ط1 ( القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر،2000)

[5] الوقائع المصرية، “جريدة رسمية للحكومة المصرية-عدد غير اعتيادي “،العدد 131 مكرر، 1952

[6] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” المعونة الأمريكية: حل للأزمة أم إعادة لإنتاج ظروفها؟”، حوارات جيل الثورة،  أيار\ مايو 2024

[7] Fadwa Taha, “The History of the Nile Waters in the Sudan”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010)

[8] محمد الكامل، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” عنبر جودة: لمَ قتل مئتا مزارع خنقاً تحت أول حكومة ديمقراطية في السودان؟”، حوارات جيل الثورة، شباط \ فبراير 2024

[9] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[10] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[11] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[12] فيصل عبدالرحمن علي طه، مياه النيل: السياق التاريخي والقانوني، ط.1( أم. درمان، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2005)

[13] فيصل عبدالرحمن علي طه، مياه النيل: السياق التاريخي والقانوني، ط.1( أم. درمان، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2005)

[14] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[15] إشارة لحوادث العنف التي صاحبت حفل افتتاح أول برلمان سوداني، والتي قام فيها أنصار المهدي بأعمال تخريبية، حالت دون مشاركة رئيس الوزراء المصري محمد نجيب في الاحتفال كما هو مخطط له، وباتت تعرف بحوادث مارس

[16] فيصل عبدالرحمن علي طه، مياه النيل: السياق التاريخي والقانوني، ط.1( أم.درمان، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، 2005)

[17] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[18] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[19] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[20] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[21] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[22] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[23] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[24] محاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري جمال عبد الناصر في 26 أكتوبر 1954، أثناء إلقاء كلمة في ميدان المنشية بالإسكندرية، والتي عرفت بحادثة المنشية

[25] فيصل عبد الرحمن علي طه، السودان على مشارف الاستقلال الثاني، ط 3 (2020)

[26] فيصل عبد الرحمن علي طه، السودان على مشارف الاستقلال الثاني، ط 3 (2020)

[27] فيصل عبد الرحمن علي طه، السودان على مشارف الاستقلال الثاني، ط 3 (2020)

[28] فيصل عبد الرحمن علي طه، السودان على مشارف الاستقلال الثاني، ط 3 (2020)

[29] فيصل عبد الرحمن علي طه، السودان على مشارف الاستقلال الثاني، ط 3 (2020)

[30] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[31] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[32] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[33] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[34] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[35] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” المعونة الأمريكية: حل للأزمة أم إعادة لإنتاج ظروفها؟”، حوارات جيل الثورة،  أيار\ مايو 2024

[36] فيصل عبدالرحمن علي طه، مياه النيل: السياق التاريخي والقانوني، ط.1( أم. درمان، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2005)

[37] فيصل عبدالرحمن علي طه، مياه النيل: السياق التاريخي والقانوني، ط.1( أم. درمان، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، 2005)

[38] عبدالفتاح أبو الفضل، كنت نائباً رئيس المخابرات، ط1 (القاهرة، دار الشروق، 2001)

[39] عبدالفتاح أبو الفضل، كنت نائباً رئيس المخابرات، ط1 (القاهرة، دار الشروق، 2001)

[40] عبدالفتاح أبو الفضل، كنت نائباً رئيس المخابرات، ط1 (القاهرة، دار الشروق، 2001)

[41] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[42] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[43] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[44] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[45] محمد الكامل، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” عنبر جودة: لمَ قتل مئتا مزارع خنقاً تحت أول حكومة ديمقراطية في السودان؟”، حوارات جيل الثورة،  شباط \ فبراير 2024

[46] Ray Takey, The Origins of the Eisenhower Doctrine: The US, Britain and Nasser’s Egypt 1953-57, 1ed. (London, Palgrave Macmillan,2000)

[47] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[48] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” المعونة الأمريكية: حل للأزمة أم إعادة لإنتاج ظروفها؟”، حوارات جيل الثورة،  أيار\ مايو 2024

[49] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” انقلاب عبود: هل كان باباً لدخول الجيش في السياسة؟”، حوارات جيل الثورة،  آب\أغسطس 2024

[50] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[51] Pierre Crabites, The Nile Waters Agreement, Foreign Affairs, Oct. 1929

[52] Pierre Crabites, The Nile Waters Agreement, Foreign Affairs, Oct. 1929

[53] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[54] سلمان محمد أحمد سلمان، خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل 1959، سلسلة مقالات

[55] Fadwa Taha, “The History of the Nile Waters in the Sudan”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010)

[56] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” انقلاب عبود: هل كان باباً لدخول الجيش في السياسة؟”، حوارات جيل الثورة،  آب\أغسطس 2024

[57] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[58] Haggai Erlich, The Cross and the River: Ethiopia, Egypt, and the Nile, (London, Lynne Rienner Publishers,2002)

[59] Peirre Crabites, The Nile Waters Agreement, Foreign Affairs, Oct. 1929

[60] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[61] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris,  2004)

[62] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris,  2004)

[63] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris,  2004)

[64] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris,  2004)

[65] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris,  2004)

[66] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[67] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[68] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[69] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[70] عبد الباقي الناجي ومحمد الكامل، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” مقدمة؟”، حوارات جيل الثورة، كانون الثاني \ يناير 2024

[71] فدوى عبد الرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 (الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[72] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[73] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris,  2004)

[74] أماني الطويل، العلاقات السودانية المصرية: جذور المشكلات وتحديات المصالح: قراءة وثائقية، ط1 (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)

[75] فيصل عبدالرحمن علي طه، مياه النيل: السياق التاريخي والقانوني، ط.1( أم.درمان، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، 2005)

[76] تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ترجمة الفاتح التجاني، محمد علي جادين، ط 2( الخرطوم، دار المصورات للنشر، 2019)

[77] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[78] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[79] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[80] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[81] تيسير محمد علي، زراعة الجوع في السودان، ترجمة محمد علي جادين، ط 1(القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1994)

[82] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[83] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[84] منصور خالد، شذرات من، وهوامش على، سيرة ذاتية: الدبلوماسية السودانية في نصف قرن، ط 1 ( القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، 2018)

[85] Fadwa Taha, “The History of the Nile Waters in the Sudan”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010)

[86] محمد علي صالح، وثائق أمريكية عن انقلاب عبود (14)، موقع الراكوبة

[87] محمد عل صالح، وثائق أمريكية عن عبود (13)، موقع الراكوبة

[88] محمد محجوب عثمان، الجيش والسياسة في السودان: دراسة في حركة19 يوليو 1971، ط1 ( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1998)

[89] Fadwa Taha, “The History of the Nile Waters in the Sudan”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010(

[90] محمد الكامل، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” عنبر جودة: لمَ قتل مئتا مزارع خنقاً تحت أول حكومة ديمقراطية في السودان؟”، حوارات جيل الثورة،  شباط \ فبراير 2024

[91] James McCann, Ethiopia, Britain, and Negotiations for the Lake Tana Dam, 1922-1935, The International Journal of African Historical Studies, Vol.14, No.4 (1981)

[92] T.K. Woldetsadik, Anglo-Ethiopian Treaty on the Nile and the Tana Dam Concessions: A Script in Legal History of Ethiopia’s Diplomatic Confront (1900-1956), African Journals Online, Vol. 8, No.2 (2014)

[93] T.K. Woldetsadik, Anglo-Ethiopian Treaty on the Nile and the Tana Dam Concessions: A Script in Legal History of Ethiopia’s Diplomatic Confront (1900-1956), African Journals Online, Vol. 8, No.2 (2014)

[94] فيصل عبدالرحمن علي طه، مياه النيل: السياق التاريخي والقانوني، ط.1( أم.درمان، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، 2005)

[95] فيصل عبدالرحمن علي طه، مياه النيل: السياق التاريخي والقانوني، ط.1( أم.درمان، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، 2005)

[96] James McCann, Ethiopia, Britain, and Negotiations for the Lake Tana Dam, 1922-1935, The International Journal of African Historical Studies, Vol.14, No.4 (1981)

[97] فيصل عبدالرحمن علي طه، مياه النيل: السياق التاريخي والقانوني، ط.1( أم.درمان، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، 2005)

[98] James McCann, Ethiopia, Britain, and Negotiations for the Lake Tana Dam, 1922-1935, The International Journal of African Historical Studies, Vol.14, No.4 (1981)

[99] James McCann, Ethiopia, Britain, and Negotiations for the Lake Tana Dam, 1922-1935, The International Journal of African Historical Studies, Vol.14, No.4 (1981)

[100] James McCann, Ethiopia, Britain, and Negotiations for the Lake Tana Dam, 1922-1935, The International Journal of African Historical Studies, Vol.14, No.4 (1981)

[101] James McCann, Ethiopia, Britain, and Negotiations for the Lake Tana Dam, 1922-1935, The International Journal of African Historical Studies, Vol.14, No.4 (1981)

[102] James McCann, Ethiopia, Britain, and Negotiations for the Lake Tana Dam, 1922-1935, The International Journal of African Historical Studies, Vol.14, No.4 (1981)

[103] James McCann, Ethiopia, Britain, and Negotiations for the Lake Tana Dam, 1922-1935, The International Journal of African Historical Studies, Vol.14, No.4 (1981)

[104] James McCann, Ethiopia, Britain, and Negotiations for the Lake Tana Dam, 1922-1935, The International Journal of African Historical Studies, Vol.14, No.4 (1981)

[105] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[106] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[107] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[108] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[109] I.H. Abdalla, The 1959 Nile Waters Agreement in Sudanese-Egyptian Relations, Middle Eastern Studies, Vol.7, No. 3 (Oct., 1971)

[110] James Mulira, “Independent Uganda and the Nile: Hydroelectric Projects and Plans”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010(

[111] James Mulira, “Independent Uganda and the Nile: Hydroelectric Projects and Plans”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010(

[112] James Mulira, “Independent Uganda and the Nile: Hydroelectric Projects and Plans”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010(

[113] James Mulira, “Independent Uganda and the Nile: Hydroelectric Projects and Plans”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010(

[114] James Mulira, “Independent Uganda and the Nile: Hydroelectric Projects and Plans”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010(

[115] James Mulira, “Independent Uganda and the Nile: Hydroelectric Projects and Plans”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010(

[116] James Mulira, “Independent Uganda and the Nile: Hydroelectric Projects and Plans”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010(

[117] Terje Tvedt, The River Nile in the Age of British: Political Ecology and the Quest for Economic Power, (London, I.B. Tauris, 2004)

[118] James Mulira, “Independent Uganda and the Nile: Hydroelectric Projects and Plans”, in The River Nile in the Post-Colonial Age: Conflict and Cooperation among the Nile Basin Countries, ed. Terje Tvedt (London, I.B. Tauris, 2010(

[119] محمد علي صالح، وثائق أمريكية عن عبود (2)، موقع الراكوبة

[120] الصادق المهدي، مياه النيل: الوعد والوعيد، ط1 (القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر،2000)

عن المحرر

Scroll to Top