إعداد: عبد الباقي الناجي
أنهى انقلاب السابع عشر من نوفمبر 1958 ديمقراطية السودان الأولى الوليدة، وذلك بعد أن قام القائد العام للقوات المسلحة الفريق إبراهيم عبود بالاستيلاء على السلطة، وحل البرلمان، والأحزاب السياسية، ليدخل السودان حقبة جديدة تولى فيها العسكر زمام الأمور، وبذلك أسدل الستار على حقبة سياسية مهمة في تاريخ السودان. تشكل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي كونه عبود من ثلاثة عشر عضواً من ضباط القوات المسلحة. وتبع الانقلاب عددٌ من الأوامر، أعطت المجلس الأعلى صلاحيات السلطة التنفيذية والقضائية، وخولت لرئيسه الفريق عبود جميع الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية و قيادة القوات المسلحة.[1] وشكل المجلس الأعلى حكومة تضم سبعة من أعضائه، بالإضافة لخمسة من المدنيين.[2]
ورغم قيام المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بحل البرلمان، وتعطيل العمل بالدستور وفرض حالة الطوارئ، إلا أنه وجد قبولاً شعبياً[3] نظراً للظروف الاقتصادية والسياسية التي سبقته. لكن الغريب أن جميع ضحايا الانقلاب -باستثناء الحزب الشيوعي – باركت خانقها وأيدت الانقلاب؛ فقد أصدر راعيا حزب الأمة و حزب الشعب الديمقراطي بيانات تأييد للانقلاب، وقام بعض من قادة الحزب الوطني الاتحادي كذلك بمباركة الانقلاب.[4]
يمثل الانقلاب نقطة فارقة في الحياة السياسية بالسودان، والقارة الأفريقية أجمع؛ إذ كان أول انقلاب عسكري يقع في أفريقيا جنوب الصحراء، و الثاني في القارة بعد انقلاب الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 بمصر. لقد تحمل الانقلاب وزر إنهاء النظام السياسي البرلماني، و فتح أعين العسكر أمام السلطة والنفوذ، وبه اكتملت خيوط الدائرة الشريرة ( انتفاضة – نظام برلماني – انقلاب ) التي لازمت السودان إلى يومنا هذا. فهل كان كل هذا صحيحاً؟
ولعل من المفيد حين نقاش أول انقلاب عسكري في تاريخ السودان، أن ندرسه من عدسة العلاقات المدنية العسكرية، بالنظر إلى وطبيعة وتاريخ علاقة الجيوش في دول ما بعد الاستعمار بالسياسة في تلك الحقبة عموماً، ومن ثم حالة الجيش السوداني تحديداً. إضافة إلى الأشكال المختلفة للانقلابات العسكرية في تلك الحقبة، والسياقات الحاكمة لها، وهذا ما سيعسى إليه هذا المقال.
الجيش والسياسة في دول ما بعد الاستعمار:
بصورة عامة، لا توجد خطوط واضحة للفصل بين الجيش والسياسة سواء أكان النظام ديمقراطياً أم غير ديمقراطي، إذ أن الجيوش بحكم مسؤولياتها ووظائفها تتداخل مع السياسة بشكل ما؛ فقضايا الأمن والدفاع، والمهددات الخارجية هي ملفات لا تخلو من سياسة.[5] كما أن بعض الجيوش كان لها دور في بناء الدول، مثل جيش التحرير الجزائري الذي كان نواة للدولة الجزائرية.[6]
و هذا التداخل أكبر في دول ما بعد الاستعمار بحكم موقع جيوشها من الدولة والمجتمع؛ إذ كانت الجيوش أسرع مؤسسات الدولة الحديثة تكويناً وأكثرها تنظيماً وانضباطاً وقوةً وأقربها لمفاهيم الحداثة والقومية في هذه الدول[7]. لم تحاول أغلب الدول المُستَعمِرة تغيير البنى الاجتماعية والسياسية التقليدية في المستعمرات واكتفت بتطويعها، ولم تنشئ مؤسسات الدولة المدنية وتشرك فيها شعوب هذه الدول إلا تدريجياً، بينما كان الأمر مختلفاً في حالة الجيوش، التي كونت عادة في السنوات الأولى للاستعمار. كما ارتبطت الجيوش بحكم تكوينها ووظيفتها بمفاهيم الوطن والهوية القومية في الخيال الشعبي[8].
ولذلك كانت الجيوش في موقع قوة يسهل عليها الدخول في السياسة بحكم تنظيمها واحتكارها للعنف، بل ويمكن القول أن هذه الأفضلية امتدت في كثير من الحالات لتصبح أفضلية في القدرة على بناء حكم مستقر مقارنة بالأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية ضعيفة التكوين في دول ما بعد الاستعمار.
كذلك، كانت الجيوش في الحقب الأولى لفترات الحكم الوطني موطناً لخلق طبقة من المثقفين والمتعلمين من ضباط الجيش، الذي كانوا مائلين بحكم موقعهم وتعليمهم إلى الدخول في السياسة والمشاركة فيها. وكانت الجيوش كذلك مدخلاً للترقي الاجتماعي للعديد من الفئات المهمشة والفقيرة، إذ سبق تكوينها ونشاطها توسع التعليم، وكانت قيود الالتحاق بها أقل منه في ذلك الوقت، على عكس المؤسسات المدنية مثل الهيئات التشريعية، والتي تحاول الحفاظ على بنيتها والمستفيدين منها بل و تعمل على استعادة بنيتها في حال حدوث أي اختراق مثلما حدث في انتخابات 1958.[9] وأحد أبرز الأمثلة على هذه ظاهرة الترقي الاجتماعي عبر الجيش، هو الشهيد علي عبداللطيف. فرغم أن والدا علي كانا من الرقيق المحررين، إلا أن الجندية مكنتهم من الترقي اجتماعياً؛ فوالد علي وبخدمته في الجيش الغازي، استطاع أن يدخل ابنه فيما بعد سلك الجندية، ومن ثم أصبح علي ذاته -رغم قدومه من خلفية اجتماعية مهمشة- ضابطاً ومن مثقفي مجتمعه ودخل السياسة وأصبح فاعلاً رئيسياً في ثورة 1924 كما سنرى في فقرات تالية.
الجيش السوداني والسياسة:
ظل الجيش السوداني وعناصره في حالة تدخل وتفاعل دائم مع السياسة السودانية، بصورة سبقت انقلاب الفريق عبود بكثير، بل ويمكن القول أن ما حدث في العام 1958 ليس دخولاً للجيش في السياسة، وإنما في الحكم. فقد كان رفض الضابط علي عبداللطيف للقيام بالتحية العسكرية لضابط بريطاني أقل منه رتبة نوعاً نادراً من المعارضة السياسية.[10] وهو ذات الضابط الذي قام برفقة آخرين، يرجح أنهم ضباط، بكتابة رسالة ” مطالب الأمة السودانية” والتي كانت تدعو لترك السودانيين خيار من يقودهم، و تدعو لإنهاء الاستعمار.[11] وقد قاد علي عبداللطيف جمعية اللواء الأبيض، والتي كانت مسوؤلة بشكل رئيسي عن ثورة 1924، والتي دعت للوحدة مع مصر، و كان من بين عناصر الجمعية الرئيسيين أكثر من ثلاثين ضابطاً.[12] وفي أربعينيات القرن الماضي، إبان الحرب العالمية الثانية، شاركت قوة دفاع السودان في صد العدوان الإيطالي على شرق السودان، واستبسلت في وجه قوات تفوقها عدداً و تسليحاً.[13] لم تكن مشاركة قوة دفاع السودان في الحرب نقطة عابرة؛ فقد أسهمت بشكل كبير في تشكيل السودان الحديث، و كرتاً استخدمه المثقفون ورجال السياسة للمطالبة بالاستقلال، وفاء بميثاق الأطلنطي الذي يمنح الشعوب حق تقرير المصير في حال انخراط قواتهم في صفوف الحلفاء.[14] و يذهب البعض لتفسير استبسال السودانيين في الحرب، كان بسبب إيمانهم أن هذا الاستبسال سيكون مهراً لاستقلال بلادهم.[15] كما أن تنظيماً للضباط الأحرار، مشابهاً لذاك الذي في مصر، ولد في العام 1952 و دعا للوحدة مع مصر. بل و تشير بعض المصادر إلى أن القوات المسلحة، ممثلة في عناصر محسوبة على التنظيم، مارست ضغوطاً على الحكومة لاتخاذ موقف داعم لمصر إبان العدوان الثلاثي عام 1956.[16]
وفي خضم انتقاد انقلاب 17 نوفمبر 1958 وتدخل الجيش في الحكم منذ ذلك الحين؛ يمدح البعض الإدارة البريطانية بمنحها للسودانيين حين استقلالهم جيشاً “خاملاً سياسياً” و غير منخرط في السلطة. ورغم أن المقولة فيها شيئ من الصحة، إلا أنه لا ينبغي النظر إليها بمعزل عما كان سيشكله وجود جيش “مسيس” من متاعب؛ فقد أغلقت المدرسة الحربية في العام 1925 بعد أحداث ثورة 1924، والتي كان من أبرز أحداثها مظاهرة الطلبة الحربيين في أغسطس 1924، و تمرد الملازم عبد الفضيل ألماظ ورفاقه في نوفمبر 1924 رفضاً للخطوات التي اتخذتها الإدارة البريطانية للتفريق بين المصريين والسودانيين.[17] وبعد اتفاقية 1936، والتي أقرت بحقوق مصر في السودان، لم يرد البريطانيون أن تتحول الاتفاقية التي أريد بها تأمين ظهر الإمبراطورية [18]، أن تكرر تأثير المصريين و ضباطهم على الحياة السياسية في السودان كما حدث عام 1924؛ فأعيد فتح المدرسة الحربية لتشكيل فئة من الضباط السودانيين غير المتأثرين بمصر، أو ممن يسببون قلقاً للسلطة الاستعمارية. يمكن القول أن محاولة بريطانيا لخلق جيش خامل سياسياً، هو بالأساس ينبع من أغراض سياسية، وليس كما يتصور البعض أن البريطانيين فعلوا ذلك لأنه الأمر الصحيح.
يفسر ما سبق بعضاً من أسباب قدرة الجيوش في دول ما بعد الاستعمار، ومن بينها الجيش السوداني، على التدخل في السياسة وكثرة حدوث ذلك، والعلاقة القديمة بين الجيش السوداني والسياسة وأوجهها المتعددة. ومن المفيد كذلك إلقاء نظرة أكثر تفصيلاً على الأشكال المختلفة للانقلابات العسكرية والاختلافات فيما بينها، وهذا ما سنتطرق إليه في الأقسام التالية.
من أي باب يدخل الجيش السياسة؟ نظرة على الأشكال المختلفة للانقلابات العسكرية:
تم انقلاب الفريق إبراهيم عبود بأمر قائد الجيش، فتحركت المؤسسة العسكرية في لحظتها ككلتة واحدة من أعلاها إلى أسفلها لاستلام السلطة. شابهت هذه الحالة انقلاب الفريق أول عبدالفتاح البرهان في 25 أكتوبر، واختلف كلاهما عن انقلابات العقيد جعفر محمد نميري و العميد عمر حسن أحمد البشير، التي قام بها ضباط مؤدلجون من رتب وسيطة، وأحدثوا تغييرات في المؤسسة العسكرية نفسها قبل الدولة والمجتمع. كذلك، انتمى البشير والنميري إلى تنظيمات سياسية أكبر وسعوا إلى تنفيذ مشاريع تطمح إلى إحداث تغييرات سياسية واجتماعية جذرية، وهذا اختلاف آخر بينها وبين انقلابات عبود والبرهان.
تعكس هذه الفروقات أنماطاً عامة في العديد من الدول، إذ يمكن تقسيم الانقلابات التي حدثت في القرن العشرين إلى نوعين عامين: انقلابات محافظة، انقلابات ثورية.[19] تهدف الأولى للمحافظة على الوضع القائم، والأطراف المستفيدة منه، مع تغيير واجهات النظام، أو أنها تعمل على قطع الطريق أمام أي عملية سياسية من شأنها تغيير الوضع القائم. وهذا النوع من الانقلابات في العادة ما تقوم به الرتب العليا في الجيش.[20] أما النوع الثاني من الانقلابات، فهو يناقض الأول تماماً؛ حيث يهدف إلى إحداث تغيير جذري في البنى الاقتصادية والاجتماعية، وفي العادة تقوم به الرتب الوسيطة والصغرى بالجيش، والتي تكون في الأغلب متأثرة بالتيارات الأيدولوجية والثورية. [21]
يكمن فهم الأولى بحكم وضع كبار الضباط في أي نظام سياسي قائم؛ إذ أنهم من أكبر المستفيدين منه من حيث الرواتب والامتيازات وشبكات المصالح التي تتشكل على امتداد فترة الخدمة.[22] بينما يمكن فهم الثانية في سياق الخلفيات الاجتماعية المتواضعة لصغار الضباط، والمجتمعات الريفية أو الفقيرة التي أتوا منها، قوة الصلة بهذه المجتمعات في سنوات الخدمة الأولى،[23] والتأثير الجماعي الذي تحدثه الأفكار الثورية على الرتب الصغيرة. [24]
يمكن تتبع هذه الأنماط في الساحة الدولية انطلاقاً من الانقلاب العسكري على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1953 كمثال على الانقلابات المحافظة حيث قطع الطريق أمام أي تغيير قد تحدثه سياسات وتوجهات محمد مصدق الاشتراكية على نظام الشاه. بينما يمثل انقلاب 22 يوليو 1952 بمصر مثالاً للانقلابات الثورية؛ حيث قضى على الملكية و عمل على الإصلاح الزراعي.[25] تأثرت الانقلابات العسكرية، محافظة وثورية، بالتغييرات الدولية الكبرى، خصوصاً الحرب الباردة، يستعرض القسم التالي هذه العلاقة بصورة أكبر.
الانقلابات المحافظة والثورية والحرب الباردة:
كما أشرنا في مقال سابق، فقد لازم أفول نجم بريطانيا في الساحة الدولية، صعود الولايات المتحدة الأمريكية. وضعت الولايات المتحدة، عبر رئيسها دوايت أيزنهاور، مبدأ ملء الفراغ الذي يهدف بالأساس لمنع المد الشيوعي من الانتشار، ويحجم الاتحاد السوفياتي ويحد من توسعه.[26] وقد كانت الجيوش أداة رئيسية في مسعى الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف. و لعل أكبر مثال على وقوع الجيوش في أتون الحرب الباردة، هو عدد الانقلابات العسكرية التي شهدها العالم في تلك الفترة، والتي قلت بصورة ملحوظة مع تفكك الاتحاد السوفياتي.[27]
من البديهي التفكير بأن الولايات المتحدة الأمريكية، تدعم الانقلابات العسكرية التي تطيح بأنظمة تميل لخلق علاقات ودية مع الاتحاد السوفياتي، أو معارضة لسياساتها أو توجهاتها مثلما حدث في إيران وبعض دول أمريكا اللاتينية.[28] لكن والولايات المتحدة دعمت كذلك الانقلابات التي قامت ضد أنظمة مؤيدة لها، ولكنها أنظمة ضعيفة سياسياً، وهو ما قد حدث في باكستان مثلاً.[29]
في أكتوبر من العام 1958، أي قبل أسابيع معدودة من انقلاب عبود، قام الجيش الباكستاني، بقيادة أيوب خان قائد الجيش الباكستاني، بالاستيلاء على السلطة. كانت الحكومة الباكستانية في صراع مع نظيرتها الهندية حول منطقة كشمير المتنازع عليها بين البلدين. في أكتوبر من العام 1957، سقط الائتلاف الحكومي الذي يقوده رئيس الوزراء حسين شهيد سهروردي، بتآمر من الرئيس الباكستاني إسكندر ميرزا. و خلف حسين شهيد في رئاسة الوزراء فيروز خان نون في ائتلاف حكومي مضطرب كما وصفته السفارة الأمريكية في كراتشي. كانت باكستان ذات أهمية قصوى بالنسبة للولايات المتحدة، لأنها جزء رئيسي من حلفي بغداد و جنوب شرق آسيا الدفاعيين، الذي يهدف لاحتواء الشيوعية وردع الاتحاد السوفياتي. وقد كانت باكستان من أكبر المتسلحين بالسلاح الأمريكي، بالإضافة لوجود عدد من المنشآت العسكرية الاستخبارتية في باكستان لرصد الاتحاد السوفياتي.[30]
كان من المقرر أن تقوم الانتخابات البرلمانية في باكستان في نوفمبر من العام 1958، في مناخ سياسي منقسم، و مطالبات بالحكم الذاتي لإقليم البنغال، و مطالب بإعادة تقسيم إداري في غرب باكستان؛ مما جعل الولايات المتحدة تشعر بالخطر من احتمال استفادة السوفيات من هذه الظروف، وهو ما يمثل تهديداً لمصالحهم في المنطقة.[31] في مايو من العام 1958، كان الرئيس الباكستاني إسنكدر ميرزا قد أخبر السفير الأمريكي في كراتشي، جيمس لانغلي بأن الجيش يدرس خيار الانقلاب، لإنهاء حالة الفوصى السياسية، وأن ضباط الجيش يسعون لعدم انعقاد الانتخابات البرلمانية. لم يرفض السفير الأمر، لكنه نصح ميرزا بأن يكون هذا هو الخيار الأخير. لكن ومع انقلاب 14 تموز 1958، الذي أطاح بالملكية في العراق، وبالتالي أزاح حليفاً مهماً للولايات المتحدة من سدة الحكم؛ بدأ الأمريكان يتابعون مخططات الانقلاب في باكستان عن كثب، لدرجة أن زيارات السفير الأمريكي المتكررة للرئيس ميرزا أخرجت اسم لانغلي من قائمة الزوار؛ إذ لم يعد زائراً. وقد كانت الولايات المتحدة آثرت التضحية بالديمقراطية، وبنظام حليف لسياساتها الخارجية، في سبيل الاستقرار الذي سيصد الخطر الشيوعي. و بالفعل قام قائد الجيش أيوب خان بالتعاون مع رئيس الجمهورية ميرزا بالانقلاب على النظام السياسي في السابع من أكتوبر 1958. و حصل النظام السياسي العسكري على كامل الدعم من الولايات المتحدة.[32]
من باكستان إلى انقلاب الفريق عبود:
كما ورد في مقال سابق، بات السودان مهماً للولايات المتحدة ككرت ضغط على النظام المصري، الذي بات مهدداً للمصالح الأمريكية مثله مثل الشيوعية. وكان السودان، برفقة أثيوبيا ضمن سياسة الاحتواء التي تبنتها إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة، للضغط على النظام المصري كذلك.[33]
في تلك الفترة، كانت النظام السياسي يشهد اضطراباً كبيراً لدرجة تخوف البعض من أن يفقد السودان استقلاله الحديث.[34] كانت الأزمة الاقتصادية قد بلغت مستوى غير مسبوق بسبب عجز الحكومة عن بيع القطن -المحصول النقدي الأوحد- بسبب انهيار أسعاره عالمياً.[35] وبالإضافة للتوتر والنزاع الحدودي بين مصر والسودان على مثلث حلايب؛ كان ملف المعونة الأمريكية، متأرجحاً بين الرفض و القبول، وذلك بسبب مواقف الأحزاب السياسية بالبرلمان.[36] وقد كان التحالف الحكومي الذي يقوده حزب الأمة، الموالي للغرب، في طريقه للانهيار، لصالح تحالف قيد التشكل يجمع بين حزبي الوطني الاتحادي و الشعب الديمقراطي، والذي كان في حال تشكله سيميل للجانب المصري، وربما ينضم للجمهورية العربية المتحدة؛ وهو ما كان أمراً غير مرغوب فيه بالنسبة للأمريكان.[37]
وقد تلمس الدبلوماسيون الأمريكان في زياراتهم للخرطوم، مدى عجز التحالف الحكومي الذي يقوده حزب الأمة عن تمرير اتفاق المعونة.[38] وعندما كان رئيس الوزراء عبد الله خليل يبلغ السفراء الغربيين بأن الجيش سوف يتدخل، لم تكشف أي من المراسلات عن اعتراض على هذا التدخل، بل إن المخاوف الأمريكية كانت تتمثل في ما ستتعرض له المصالح الأمريكية في حال فشل الانقلاب.[39]
في حالتي السودان وباكستان، كان انهيار النظام السياسي القائم في أي من البلدين ، والمؤيد للعالم الغربي، سيمثل ضربة موجعة للولايات المتحدة؛ إذ أنه سيمنح نصراً ودفعة لكل من الهند و مصر اللتين كانتا رمزاً لدول عدم الانحياز، ويكشف للدول التي بدأت تنال استقلالها أن بالإمكان البقاء دون الانحياز لطرف على حساب الآخر.
مما سبق، يتبين لنا أن للولايات المتحدة مصلحة كبرى في نجاح انقلاب عبود، مثلما كانت مستفيدة من الانقلاب الباكستاني. ولعل المعارضة، و بالأخص العسكرية، التي وجدها نظام عبود وميله نحو المعسكر الغربي والولايات المتحدة، تؤيد هذا الطرح.[40] لكن الدور الخارجي، لا ينبغي أن يتجاهل ما كان يحدث داخلياً، وهو ما سنتناوله في الفقرات القادمة.
العلاقات المدنية -العسكرية:
في الفترة الاستعمارية لم تكن الحواجز المرسومة بين سلك الخدمة المدنية والخدمة العسكرية بهذا الوضوح المتخيل، بل إنها كانت متداخلة لدرجة التشابك. لقد كانت قوة دفاع السودان و منسوبوها مسؤولين عن عدد من الوحدات التي تخدم جهاز الخدمة المدنية مثل وحدة المخازن المهمات.[41] وقد كان معظم ضباط المدرسة الحربية قد تخرجوا في كلية غردون التذكارية ( جامعة الخرطوم حالياً)، على غرار إبراهيم عبود والضباط الذين دخلوا المدرسة الحربية في أواخر الثلاثينات ( من شاركوا عبود الانقلاب)؛ مما غرس بذرة ارتباطهم بالحياة السياسية المدنية.[42]
عليه، لا يمكن النظر للانقلاب العسكري الذي وقع في السابع عشر من نوفمبر بمعزل عن العلاقات المدنية العسكرية في تلك الفترة. يرجح البعض أن الفتور في العلاقة بدأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والتهميش الذي شهده العسكريون في عملية تحقيق الاستقلال، رغم ما بذلوه في الحرب العالمية الثانية من مجاهدات.[43]
و رغم أن قرار سودنة القوات المسلحة قد تم اتخاذه في يونيو 1954 [44]، واستكمال عملية السودنة في أقل من خمسة أشهر[45]؛ إلا أن محمود قلندر يشير في كتابه حول نظام عبود أن الحكومة المدنية لم تكن متحفزة لسودنة القوات المسلحة، لولا ضغط ثلة من الضباط على رأسهم إبراهيم عبود وأحمد عبد الوهاب. وقد أشار قلندر إلى أن المدنيين كانوا ميالين لرؤية البريطانيين في التريث بسودنة القوات المسلحة، و بالأخص في الحاميات الجنوبية. لكن القرينة التي أوردها قلندر حول موضوع السودنة، تصطدم مع سرعة إنجاز، بل تعجل، حكومة أزهري للسودنة[46]، ولا شيء يدعمها إلا أن تكون حكومة أزهري تعجلت باستكمال السودنة بعد الضغوط التي أتتها من لجنة كبار الضباط.[47] وقد كانت عدد من وحدات الجيش مثل: المدفعية والممهندسين والخدمة مسودنة بالكامل قبل العام 1954، وكان بعضها قد تنقى من الاستعمار باستثناء منصب قائد الفرقة مثل الفرقة الشرقية والغربية.[48] إلا أن الحديث حول الخلاف بين العسكريين والسلطة بسبب السودنة يمكن النظر إليه من عدسة القرار الذي أصدره وزير الدفاع خلف الله خالد بتشكيل لجنة هيئة الضباط الأركان حرب برئاسة اللواء أحمد محمد، كلجنة موازية للجنة العامة للسودنة والتي كان على رأسها العميد -وقتها- إبراهيم عبود.[49]
لكن أحد أبرز الخلافات بين الحكومة المدنية والجيش كان في بدايات العام 1956، وذلك فيما يتعلق بموضوع ترقية اللواء أحمد محمد قائد الجيش السوداني حين إحالته للتقاعد. فقد علم أول قائد عام سوداني عبر الصحف بعدم ترقيته لرتبة الفريق، رغم خدمته الطويلة بالجيش السوداني؛ وقد عللت الحكومة بذلك بأن الجيش بشكله الحالي، عدداً وعتاداً، ليس مؤهلاً ليكون من بين منستبيه من يحمل رتبة الفريق. وشهدت هذه الحادثة سجالاً بين اللواء أحمد محمد والحكومة السودانية من خلال الصحف. [50]
ولا يمكن النظر للانقلاب بمعزل عن التقارب بين حزبي الشعب الديمقراطي و الوطني الاتحادي برعاية جمال عبد الناصر، وذلك لعدد من الأسباب. فعلى سبيل المثال، كان موقف هذه الأحزاب تجاه قضية حلايب ميالاً لصالح مصر، عكس القوات المسلحة التي حشدت جنودها و قواتها للدفاع عن حلايب.
وفي ذات الفترة، كانت التقارير تشير لتخطيط مصر لعمل انقلاب عسكري، وذلك حسب الوثائق التي كشفتها الاستخبارات المركزية. وقد تزامن ذلك مع ابتعاث مصر لدوبلماسي اسمه “علي خشبة” للانضمام لبعثتها في السودان. و بحسب التقارير التي تحصلت عليها الحكومة كان خشبة من ضمن الضالعين في الإطاحة بالملكية في العراق، و قيام نظام14 تموز الذي قاده مجموعة من الضباط الثوريين.[51] كل هذه التحركات كانت تتم في ظل تقارب مصري مع الحزبين المذكورين آنفاً. وقد مضى الأمر إلى أبعد من ذلك، حيث تمت مناقشة قضية الانضمام للجمهورية العربية المتحدة من خلال لقاءات الأزهري مع عبدالناصر بالقاهرة.[52] وهذه خطوة، في حال تحققت كانت تعني عملياً سيطرة مصر ونفوذها على القوات المسلحة، كما حدث للجيش السوري بعد الوحدة.[53]
ورغم أن البعض يحاول تفسير الانقلاب من منطلق خلفية عبد الله خليل العسكرية، و أنه ضاق من ممارسات المدنيين و مماطلاتهم، وهو ما يتناقض مع الروح العسكرية من الضبط والربط؛ إلا أنها نظرة قاصرة. و رغم أن خليل مسؤول بشكل رئيسي عن الانقلاب، وله أسباب ذاتية للعداء مع مصر – كما سنرى- إلا أن محاولات تحميله المسؤولية وحده، وتصوير الأمر أنه إجراء استباقي لأي تحركات داخلية قد تبعده من رئاسة الوزارة ( في إشارة للمباحثات حول تشكيل حكومة بين الأمة والوطني الاتحادي)؛ لا يمثل إلا تملصاً من المسؤولية وتبرئة لآل المهدي.[54] فقد كانت الاجتماعات التي تجمع قادة الجيش تجري بمنزل الصديق المهدي لأشهر قبيل وقوع الانقلاب، وذلك لمناقشة دور الجيش في تجاوز الأزمة السياسية. بل إن تصويت نواب حزب الأمة ضد مقترح قانون محاسبة مدبري انقلاب 17 نوفمبر، يشير إلى ارتباط الحزب، لا خليل وحده بهذا التحرك.[55]
لقد كان لإنشاء قوة دفاع السودان هدف رئيسي كبير: المحافظة على الأمن الداخلي للدولة الاستعمارية.[56] فقد شاركت قوة دفاع السودان في قمع أي ما من شأنه الإضرار بالدولة الاستعمارية وبناها مثل تدخل دفاع السودان لاحتواء إضراب البوليس، والقبض على المضربين في العام 1952.[57] ولما كانت الدولة الوطنية وارثة للدولة الاستعمارية بحذافيرها، من حيث خدمة الاقتصاد البريطاني، والتبعية للعالم الغربي؛ فقد كان من الطبيعي أن يعمل الجيش لمنع أي توجه سياسي من شأنه أن يغير بنية هذه الدولة و توجهاتها – وهو ما كان تمثله مصر ما بعد يوليو 1952.
ولفهم موقف قيادة القوات المسلحة السودانية تجاه مصر، ينبغي النظر لأمرين مهمين: البعد التاريخي، وتنظيم الضباط الأحرار. فيما يخص الجانب التاريخي، فقد كان توتر العلاقة مع المصريين مدفوعاً بأحداث ثورة 1924، حيث رأى الضباط بأعينهم ما اعتبروه خيانة من الكتبيتين المصريتين اللتين رفضتا الانخراط في مواجهة مسلحة ضد البريطانيين، و خاض هذه المعركة الملازم عبد الفضيل ألماظ إلى أن استشهد بمعية جنوده بعد هدم المستشفى العسكري بالمتفجرات.[58] كان إبراهيم عبود وقتها ضابطاً بالقوات المسلحة، ولعله قد ساءه تخاذل المصريين حيال التحرك العسكري، الذي قام به الجنود السودانيون لمنع قرار ترحيل الكتائب المصرية، وبالتالي تضييق فرص الوحدة بين الشعبين.[59] ورغم أن العميد عبد الرحمن الفكي في كتابه حول تاريخ قوة دفاع السودان، ينفي أن أحداث العام 1924 قد أثرت سلباً على الترابط الوجداني بين الضباط السودانيين و مصر، إلا أنه أشار في ذات الكتاب لتمزيق ضابط سوداني لقسم الولاء للعقيد أحمد بك رفعت، والذي تعاهد عليه الضباط السودانيون والمصريون قبيل التمرد الذي قاده الشهيد عبد الفضيل ألماظ.[60] ولم تكن هذه الرواية في إطار ذم هذا الضابط، بل شكره. ولعل هذا شعور العداء لمصر يتشاركه عدد من الضباط الكبار في القوات المسلحة، الذين تخرجوا من المدرسة الحربية قبيل إغلاقها في 1925؛ فعلى سبيل المثال، يفسر موقف رئيس الوزراء عبدالله خليل، والذي كان ضابطاً سابقاً بقوة دفاع السودان، المعادي لمصر بسبب ذات التخاذل الذي مارسته البرجوازية المصرية تجاه قضية السودان، واتخاذها كرتاً للمساومة بعد ثورة 1919 بمصر. [61] أما بقية قيادة القوات المسلحة، فقد كانوا تخرجوا من المدرسة الحربية عام 1938، وذلك بعد إعادة فتحها في العام 1936، والتي كان الغرض من إعادتها الحد من النفوذ المصري كما أشرنا في فقرة سابقة؛ فلم يكن لدى المسؤولين من المدرسة سوى غرس التفرقة بين السودانيين والمصريين، وهو ما كانت التربية العسكرية إحدى أدواته. ومن الشواهد على هذا العداء – وإن كان مبطناً- هو تعامل حكومة عبود، وتعاونها مع دولة الاحتلال للاستحواذ على أسواق بيع القطن المصري.[62]
قبل الحديث عن تنظيم الضباط الأحرار، والذي سنتناوله في الفقرة التالية؛ ينبغي ألا ننسى أن عملية تحديث و تطوير القوات المسلحة، كانت قائمة على التحالف مع المعسكر الغربي.و قد كانت شحنات الأسلحة البريطانية[63]، و الوعود بعملية تطوير سلاح الجو السوداني[64]، و مشروع المعونة الأمريكية و المساعدات العسكرية المحتملة من الأمريكان[65] تقتضي وجود حكومة موالية للعالم الغربي، ممثلة في حزب الأمة، وفي حال فشل ذلك لم يكن أمام المضي قدماً في عملية التحديث هذه سوى أن يتولى الجيش نفسه السلطة. ومن الدلائل على هذا التوجه أن القوات المسلحة، بعد خمسة أعوام من الانقلاب كانت تدريباً و تسليحاً تعتمد بصورة كبيرة على دول المعسكر الغربي، باستثناء سلاح البحرية الذي اعتمد على تدريب و معدات يوغسلافية، والذي لم يتعدى أفراده 300.[66] هذا الانحناء نحو الغرب، كان يجد رفضاً، ومن داخل القوات المسلحة نفسها. ومن هنا يمكن التحدث السبب الثاني لموقف قيادة القوات المسلحة، ألا هو تنظيم الضباط الأحرار.
الصراع الداخلي بالقوات المسلحة:
يخطئ الكثيرون وهم يصنفون القوات المسلحة ككتلة صماء، لا تباينات طبقية واجتماعية بين مكوناتها.[67] فمن ناحية الوضع الاجتماعي، كان جل من يلتحق بالمدرسة الحربية قبيل إغلاقها في 1925، أو بعد إعادة فتحها عام 1936 ، أي قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ممن ينحدرون من أسر ذات ثقل اجتماعي، بينما لم ذلك هو الأمر فيما يتعلق بصف الضباط.[68] كما أن استيعاب الطلاب بعد نهاية الحرب العالمية و إعادة افتتاح الكلية الحربية، عام 1945، لم يخضع لذات الشروط التي سبقت. علاوة على هذه العوامل؛ فقد كانت الأجواء السياسية عالمياً متباينة جداً بين الجيل القديم، الذي أعدته السلطة البريطانية، و بين الضباط الذين تخرجوا في فترة شهد فيها العالم ميلاد حركات التحرر الوطني، والذي لم تكن الجيوش بمعزل عنه.
ولأن التأثر بمصر شمل كل النواحي السياسية والاجتماعية؛ فقد كان من الطبيعي أن تنتقل فكرة تنظيم الضباط الأحرار بمصر إلى داخل صفوف الجيش السوداني. و قد ذكر اللواء أحمد عبد الوهاب أنه في عام 1954 قد بلغه احتجاج من بعض الضباط حول سوء أوضاع الجيش، وأنهم بصدد القيام بثورة، وذلك بعد أن وعدتهم جهة خارجية بتقديم الأموال، في إشارة لمصر.[69] لم يتوقف تحرك صغار الضباط نحو السلطة عند هذا الحد؛ فقد قامت القوات المسلحة ، في يونيو 1957بإحباط محاولة انقلابية كان يقودها الرائد عبدالرحمن كبيدة. وكانت أهداف الانقلاب تتضمن إلغاء المعونة الأمريكية.[70]
وفي ظل التهديدات الداخلية و المخاوف من قيام صغار الضباط بانقلاب على غرار انقلاب تموز 1958، والذي قام بتصفية الملكية و أعوانها في العراق، خشي كبار الضباط من مصير مشابه حال لم يتدخلوا. علاوة على أن التحركات السياسية لم تكن رياحها لتجري في صالح كبار ضباط الجيش السوداني؛ إذ أنهم في العقيدة الثورية، التي كانت بوصلتها القاهرة مجرد قوى رجعية، يجب تطهير الدولة و أجهزتها منها. ولعل أبرز مثال على تخوف القوات المسلحة من تنامي نفوذ التيارات الثورية داخل الجيش، هو تعامل نظام عبود مع مدبري المحاولة الانقلابية التي وقعت في نوفمبر 1959 بقيادة البكباشي علي حامد؛ فقد أعدم منفذو الانقلاب شنقاً وليس رمياً بالرصاص.[71] وعلى الأرجح أن ذلك يرجع لإحساس السلطات بالتعاطف الذي تجده حركة ضغار الضباط للحد الذي قد يدفع الجنود بعصيان إعدامهم رمياً بالرصاص. ولعل أبرز الشواهد على قلق قيادة القوات المسلحة من التيارات الثورية، هو الخطاب الذي وجه للطلبة الحربيين صبيحة انقلاب عبود؛ حيث أن الطلبة، وبعد تنويرهم باستلام الجيش للسلطة، قد نصحوا بعدم الانخراط في السياسة.[72] وقد ظل هذا الخلاف بائناً بين صغار الضباط وكبارهم قائماً طيلة فترة حكم عبود، و بلغ أوجه عندما رفض صغار الضباط إطلاق النار على المتظاهرين إبان ثورة أكتوبر 1964.[73]
لم يكن الخلاف داخل القوات المسلحة بين كبار الضباط، وصغارهم و ضباط الصف فقط. بل كان هنالك تباين على مستوى القيادة نفسها. ورغم أن قيادة المجلس الأعلى القوات المسلحة ضمت ضباطاً برتبة اللواء والعميد، بمعية الفريق إبراهيم عبود؛ إلا أن الفرق بين عبود، وبين بقية الضباط كان أكثر من عشرين عاماً في الخدمة، إذ انضم عبود للجيش المصري بالسودان عام 1918، بينما كان بقية الأعضاء ممن دخلوا سلك الخدمة العسكرية بعد العام 1938.[74] وقد كان إبراهيم عبود بذات الرتبة ( اللواء) مع من يصغرونه بعشرين سنة حتى فترة بسيطة قبيل الانقلاب[75]، ولعل الترقية إلى رتبة الفريق، كانت أحد الشروط للتحرك لاستلام السلطة، والذي لا يمكن قراءته بمعزل عن علاقته بنائبه اللواء أحمد عبدالوهاب. ومرد هذا التخمين أن الجيش السوداني لم يكن قد تجاوز الأرقام والمطلوبات التي تؤهله للحصول على رتبة الفريق ضمن صفوفه -ذات الأسباب التي أشعلت الأزمة مع سلفه أحمد محمد.[76]
لقد كان اللواء أحمد عبد الوهاب، ميالاً لحزب الأمة، وعلاوة على ذلك كانت تربطه صلات بتنظيم الضباط الأحرار، مما جعل العلاقة بينه وبين الفريق إبراهيم عبود ليست بأحسن حال. وإذ لم يكن لعبود ثقل حزبي كالذي يمتلكه نائبه، والذي كانت أراؤه حول إخراج الانقلاب[77]، تتشابه مع تلك التي كان رئيس الوزراء عبد الله خليل أسر بها للمقربين من تشكيل لحكومة قومية و مجلس سيادة يضم الأوجه المألوفة [78]؛ فكان على عبود أن يعمل ما في وسعه ليحد من نفوذ نائب القائد العام، مما دفعه لإخراج الانقلاب بالشكل الذي رآه الناس حيث شكل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، و فوض كل صلاحيات المجلس لشخص الرئيس، مما جعل تأثير بقية الأعضاء ضعيفاً.[79] وقد ذكر العميدان عبدالرحيم شنان و محيي الدين أحمد عبدالله، مدبرا انقلاب 2 -4 مارس 1959، أن عبود لم يبد أي استياء حينما أبلغوه بالقبض على اللواء أحمد عبدالوهاب[80]، بل إنهم أدخلوا ضمن عضوية المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بينما تم إبعاد اللواء أحمد عبد الوهاب منه.
حري بالذكر أن انقلاب باكستان الذي وقع قبيل انقلاب عبود بأسابيع محدودة، كان برعاية من رئيس الجمهورية إسكندر ميرزا، وتنفيذ من قائد الجيش أيوب خان. ولكن قائد الجيش قرر أن يتولى الجيش السلطة بمفرده، وهو ذات الأمر الذي حدث في السودان. و ستزول الغرابة إن علمنا أن الحكومة الباكستانية كانت على علاقة جيدة مع نظام عبود، وهو ما يوحي بأن ما فعله الضباط في باكستان كان ملهماً لعبود.[81] و هو ما يؤكده تبني نظام عبود للمجالس البلدية التي كانت قد قامت بتطبيقها باكستان أيضاً.[82]
خاتمة:
إن تأثير الجيوش في السياسة من عدمه تحكمه قوة وتأثير بقية المؤسسات السياسية على المجتمع؛ فكلما زاد تأثيرها وفعاليتها قل تأثير الجيوش، ويحدث العكس عندما تضعف هذه المؤسسات، بمقابل تزايد تأثير الجيوش – بحكم أنها مؤسسات قوية وراسخة أصلاً.[83] فقد كانت قوة دفاع السودان راسخة منذ العام 1925، و أكثر تنظيماً من الأحزاب السياسية التي نشأت بعد قوة دفاع السودان بعشرين سنة،و لم تكن كتلة متماسكة بل في شكل جباه تمثل مصالح متباينة.[84] وحتى الأحزاب السياسية التي امتلكت تنظيماً جيداً مثل الحزب الشيوعي، لم تكن قادرة على إحداث تغيير في المشهد نظراً لصغر قاعدتها و عدم احتكارها للعنف، عكس القوات المسلحة.
إن تدخل الجيوش في السياسة عبر الانقلابات لم تكن حالة خاصة بالسودان، بل حالة عالمية، و بالأخص في دول الجنوب العالمي، يكون للدور الخارجي تأثير كبير في تحديد نجاحها. إلا أن عالمية الظاهرة هذه لا ينبغي أن يساوي بين الانقلابات فبعضها يهدف للمحافظة على النظام القائم أو محاولة قطع الطريق أمام تغييره، بينما تهدف الثانية للثورة على الوضع القائم و إحداث تغييرات اجتماعية واقتصادية وسياسية. وقد كان انقلاب إبراهيم عبود يضع نصب عينيه الحفاظ على الدولة ومكتسباتها، أمام الأمواج المتلاطمة للمد الناصري، والذي ضرب شواطئ الدولة السودانية بالتقارب بين حزبي الشعب الديمقراطي و الوطني الاتحادي.
بالنظر إلى هذه الانقلابات، يتضح أن منفذيها ليسوا نفس الأشخاص، فبينما تقوم الانقلابات المحافظة على قرار قيادة الجيش التي ألفت المقاعد وآثرت الاستقرار ، تقوم الانقلابات الثورية على أكتاف الرتب الوسيطة و الصغرى وصف الضباط المشحونين بالرغبة والحماسة للتغيير؛ مما يؤكد أن النظر للجيوش ككتلة واحدة يعتبر أمراً غير مضبوط.
لم يكن انقلاب عبود مدخلاً لتدخل الجيش السوداني في السياسة، ولا نافذة أطل عبرها لعالم السياسة؛ بل كان فصلاً جديداً لتفاعل الجيش مع السياسة، نتيجة للتفاعلات السابقة بين الجيش والسياسة.
المصادر والمراجع:
[1] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)
[2] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)
[3] Moritz A. Mihatsch, “Stories of a Failed Nation: Sudanese Politics 1945–69”, ( PhD Thesis, University of Oxford,2014)
[4] منصور خالد، شذرات من، وهوامش على،سيرة ذاتية: جيل البطولات وجيل التضحيات:أين وكيف تنكبوا الطريق، ط 1 ( القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، 2018)
[5] عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، ط1 (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2017)
[6] المصدر السابق
[7] المصدر السابق
[8] المصدر السابق
[9] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، “انتخابات 1958: كيف ألبسوا الاستبداد رداء الديموقراطية”، حوارات جيل الثورة، آذار\ مارس 2024
[10] يوشكو كوريتا، علي عبد اللطيف وثورة 1924: بحث في مصادر الثورة السودانية، ترجمة مجدي النعيم، ط2 ( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2004)
[11] يوشكو كوريتا، علي عبد اللطيف وثورة 1924: بحث في مصادر الثورة السودانية، ترجمة مجدي النعيم، ط2 ( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2004)
[12] محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث:1821-1955، ط 3 ( الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر، 2018)
[13] تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ترجمة الفاتح التجاني، محمد علي جادين، ط 2( الخرطوم، دار المصورات للنشر، 2019)
[14] Ahmad Alawad Sikainga, “Sudanese Popular Response to World War II” , in Africa and World War II, ed. Judith A. Byfield et al. (New York, Cambridge Press University, 2015)
[15] محمود قلندر، السودان و نظام عبود: 17 نوفمبر58- 21 أكتوبر64، ط 1 ( الخرطوم، دار عزة للنشر والتوزيع ، 2012)
[16] محمود قلندر، السودان و نظام عبود: 17 نوفمبر58- 21 أكتوبر64، ط 1 ( الخرطوم، دار عزة للنشر والتوزيع ، 2012)
[17] يوشكو كوريتا، علي عبد اللطيف وثورة 1924: بحث في مصادر الثورة السودانية، ترجمة مجدي النعيم، ط2 ( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2004)
[18] محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث:1821-1955، ط 3 ( الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر، 2018)
[19] عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، ط1 (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2017)
[20] عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، ط1 (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2017)
[21] عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، ط1 (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2017)
[22] Claude E. Welch Jr., “Emerging Patterns of Civil-Military Relations in Africa: Radical Coups d’Etat and Political Stability, in African Security Issues: Sovereignty, Stability, and Solidarity, ed. Bruce E. Arlinghaus ( New York, Routledge, 2018)
[23] Claude E. Welch Jr., “Emerging Patterns of Civil-Military Relations in Africa: Radical Coups d’Etat and Political Stability, in African Security Issues: Sovereignty, Stability, and Solidarity, ed. Bruce E. Arlinghaus ( New York, Routledge, 2018)
[24] عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، ط1 (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2017)
[25] عزمي بشارة، الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية، ط1 (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،2017)
[26] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” المعونة الأمريكية: حل للأزمة أم إعادة لإنتاج ظروفها؟”، حوارات جيل الثورة، أيار\ مايو 2024
[27] Nam Kyu Kim, “Coup d’etat and Coup avoidance”, in Research Handbook on Civil Military Relations, ed. Aurel Croissant et.al (Cheltenham, Edward Elgar Publishing,2024)
[28] محمد سليمان، اليسار السوداني في عشرة أعوام 1954-1963، ط1 (ود مدني، مكتبة الفجر، 1971)
[29] Roby C. Barret, The Greater Middle East and the Cold War: US Foreign Policy Under Eisenhower and Kenedy, 1ed. ((London I.B. Tauris, 2007)
[30] Roby C. Barret, The Greater Middle East and the Cold War: US Foreign Policy Under Eisenhower and Kenedy, 1ed. ((London I.B. Tauris, 2007)
[31] Roby C. Barret, The Greater Middle East and the Cold War: US Foreign Policy Under Eisenhower and Kenedy, 1ed. ((London I.B. Tauris, 2007)
[32] Roby C. Barret, The Greater Middle East and the Cold War: US Foreign Policy Under Eisenhower and Kenedy, 1ed. ((London I.B. Tauris, 2007)
[33] Elie Podeh, Andrew Felsenthal, Israel and Sudan: The Origins of Clandestine Relations (1954-1964), Israel Studies, Vol 28, No. 2 (May, 2023)
[34] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)
[35] تيسير محمد علي، زراعة الجوع في السودان، ترجمة محمد علي جادين، ط 1( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1994)
[36] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” المعونة الأمريكية: حل للأزمة أم إعادة لإنتاج ظروفها؟”، حوارات جيل الثورة، أيار\ مايو 2024
[37] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، “انتخابات 1958: كيف ألبسوا الاستبداد رداء الديموقراطية”، حوارات جيل الثورة، آذار\ مارس 2024
[38] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)
[39] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)
[40] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)
[41] Lavin, D. (. (1991). The condominium remembered: proceedings of the Durham Sudan Historical Records Conference, 1982. Vol.1, The making of the Sudanese state
[42] Lavin, D. (. (1991). The condominium remembered: proceedings of the Durham Sudan Historical Records Conference, 1982. Vol.1, The making of the Sudanese state
[43] محمود قلندر، السودان و نظام عبود: 17 نوفمبر58- 21 أكتوبر64، ط 1 ( الخرطوم، دار عزة للنشر والتوزيع ، 2012)
[44] Lavin, D. (. (1991). The condominium remembered: proceedings of the Durham Sudan Historical Records Conference, 1982. Vol.1, The making of the Sudanese state
[45] عبد الرحمن الفكي، تاريخ قوة دفاع السودان، ط1 ( بيروت، الدار السودانية للكتب 1971)
[46] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)
[47] محمود قلندر، السودان و نظام عبود: 17 نوفمبر58- 21 أكتوبر64، ط 1 ( الخرطوم، دار عزة للنشر والتوزيع ، 2012)
[48] Lavin, D. (. (1991). The condominium remembered: proceedings of the Durham Sudan Historical Records Conference, 1982. Vol.1, The making of the Sudanese state
[49] عبد الرحمن الفكي، تاريخ قوة دفاع السودان، ط1 ( بيروت، الدار السودانية للكتب 1971)
[50] عبدالله علي إبراهيم، حكم الديش: غضبة الفريق أحمد محمد باشا في 1956، سودانايل
[51] فيصل عبدالرحمن علي طه، ” الظروف والأحداث التي سبقت انقلاب 17 نوفمبر 1958 (4)”، سودان تريبيون
[52] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، “انتخابات 1958: كيف ألبسوا الاستبداد رداء الديموقراطية”، حوارات جيل الثورة، آذار\ مارس 2024
[53] James Jankowski, NASSER’S EGYPT, ARAB NATIONALISM, AND THE UNITED ARAB REPUBLIC, ( Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2002)
[54] Moritz A. Mihatsch, “Stories of a Failed Nation: Sudanese Politics 1945–69”, ( PhD Thesis, University of Oxford, 2014)
[55] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)
[56] Lavin, D. (. (1991). The condominium remembered: proceedings of the Durham Sudan Historical Records Conference, 1982. Vol.1, The making of the Sudanese state
[57] Lavin, D. (. (1991). The condominium remembered: proceedings of the Durham Sudan Historical Records Conference, 1982. Vol.1, The making of the Sudanese state
[58] محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث:1821-1955، ط 3 ( الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر، 2018)
[59] محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث:1821-1955، ط 3 ( الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر، 2018)
[60] عبد الرحمن الفكي، تاريخ قوة دفاع السودان، ط1 ( بيروت، الدار السودانية للكتب 1971)
[61] يوشكو كوريتا، علي عبد اللطيف وثورة 1924: بحث في مصادر الثورة السودانية، ترجمة مجدي النعيم، ط2 ( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 2004)
[62] Elie Podeh, Andrew Felsenthal, Israel and Sudan: The Origins of Clandestine Relations (1954-1964), Israel Studies, Vol 28, No. 2 (May, 2023)
[63] محمد أبوالقاسم حاج حمد، السودان: المأزق التاريخي و آفاق المستقبل ( جدلية التركيب)، ط 2 ( بيروت، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، 1996)
[64] Elie Podeh, Andrew Felsenthal, Israel and Sudan: The Origins of Clandestine Relations (1954-1964), Israel Studies, Vol 28, No. 2 (May, 2023)
[65] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، “انتخابات 1958: كيف ألبسوا الاستبداد رداء الديموقراطية”، حوارات جيل الثورة، آذار\ مارس 2024
[66] CIA, “Handbook of Special Operations: Sudan”, CIA-RDP80-01444R000100010001-7, (1963)
[67] عبد الله علي إبراهيم، ” الحزب الشيوعي السوداني: و يولد الانقلاب من الثورة”، (قدمت في مؤتمر الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي، الدوحة، 1 تشرين الأول\ أكتوبر- 3 تشرين الأول\ أكتوبر 2016)
[68] محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث:1821-1955، ط 3 ( الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر، 2018)
[69] فيصل عبدالرحمن علي طه، ” الظروف والأحداث التي سبقت انقلاب 17 نوفمبر 1958 (6)”، سودانايل
[70] محمود قلندر، السودان و نظام عبود: 17 نوفمبر58- 21 أكتوبر64، ط 1 ( الخرطوم، دار عزة للنشر والتوزيع ، 2012)
[71] روبرت أو. كولينز، تاريخ السودان الحديث، ترجمة مصطفى مجدي الجمال، (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2015)
[72]محجوب برير محمد نور، مواقف على درب الزمان ، ج 1
[73] محمود قلندر، السودان و نظام عبود: 17 نوفمبر58- 21 أكتوبر64، ط 1 ( الخرطوم، دار عزة للنشر والتوزيع ، 2012)
[74] Sudan Government, Sudan Government List, May 1959,
[75] الصادق المهدي، تاريخ الحزب-التأسيس، الموقع الرسمي للإمام الصادق المهدي،18 كانون الأول\ ديسمبر 2017، ( تاريخ الدخول: 20 نيسان \أبريل 2024)، الرابط
[76] Nadir A.L. Mohammad, Militarization in Sudan: Trends and Determinants, Armed Forces & Society, Vol. 19, No. 3 (Spring 1993)
[77] أحمد عبد الوهاب، نص الشهادة أمام لجنة التحقيق حول انقلاب 17 نوفمبر، صفحة سودان هيستوري
[78] تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ترجمة الفاتح التجاني، محمد علي جادين، ط 2( الخرطوم، دار المصورات للنشر، 2019)
[79] Abdel Salam Sidahmed, Politics and Islam in Contemporary Sudan ( London, Routledge, 2007)
[80] محمود قلندر، السودان و نظام عبود: 17 نوفمبر58- 21 أكتوبر64، ط 1 ( الخرطوم، دار عزة للنشر والتوزيع ، 2012)
[81] Peter K. Bechtold, Politics in the Sudan: Parliamentary and Military Rule in an Emerging African Nation, (Westport, Praeger Publishers, 1976)
[82] Moritz A. Mihatsch, “Stories of a Failed Nation: Sudanese Politics 1945–69”, (PhD Thesis, University of Oxford, 2014)
[83] Samuel P. Huntington, The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations, 15th ed., (Cambridge, The Belknap Press of Harvard University Press,2000)
[84] Moritz A. Mihatsch, “Stories of a Failed Nation: Sudanese Politics 1945–69”, (PhD Thesis, University of Oxford, 2014)