Hiwaratjeel

الحكم المحلي

الحكم المحلي

حسان الناصر
أبوبكر حسن الجاك

بدأ موضوع الحكم المحلي يأخذ منحى سياسي بحت بعد أن صعدت قضية الولاة وهو بالتأكيد أمر يحتاج الى وقفة و الى إعادة مراجعة خصوصا اتجاه استيعابنا لموضوع التمثيل و الاختيار و الهياكل الانتقالية، تفجر هذا الموضوع مرة أخرى بسبب المواقف السياسية ودخول الامر منحنى سياسي قد يفكك قوى اعلان الحرية و التغيير.

لسنا معنيين هنا بالجوانب السياسية بقدر ماهية الحكم المحلي وكيف يمكن الوصول الى حكم محلي، وهل هناك فائدة للحكم المحلي في الفترة الانتقالية، وهل هو جسر عبور الى الانتقال الى بناء الدولة و تفكيك الشروط المركزية للسلطة. وماهو الدور الذي يمكن أن تلعبه لجان المقاومة و التشكيلات الثورية في مسألة الحكم المحلي.

أولا دعونا نجد موقع الحكم المحلي من خارطة السياسة، ظهر هذا الموضوع عرضا في الاجندة السياسية تحت ما يعرف بلجان الخدمات و التغيير، وهذا المقترح تم تقديمه من قبل تجمع المهنيين وخصص أساسا لفهم موضوع موقع لجان المقاومة في الخارطة القادمة التي كانت القوى المدنية تفكر فيها. بالتأكيد رفضت لجان المقاومة في ذاك الوقت هذا المقترح، ولكن في بداية الحكومة الانتقالية قدم وزير الحكم مرسوم يعرف بمرسوم لجان الخدمات و التغيير. ليأتي على ذات الشاكلة، ويظل السؤال قائم هل هذا حقا هو الحكم المحلي ؟

يعرفه فؤاد العطار في كتابه مبادئ في القانون الإداري على أنها توزيع للوظائف الإدارية بين الحكومة المركزية وبين هيئات محلية منتخبة تباشر مهامها تحت إشراف الحكومة ورقابتها

إنّ الحكم المحلي يساهم بفاعلية في إدارة شؤون المجتمعات المحلية والبلاد بشكل عام وتقديم الخدمات والمشاركة الفاعلة للمواطنين -عن طريقها- في إدارة أمورهم، وهذا الأمر جزء من التوجه لتحقيق التعددية السياسية وترسيخ الديمقراطية في الدول التي تأخذ على عاتقها تطبيقها.

حشود من مليونية لجان المقاومة (2022)

يمكن أن اطابق مفهوم الإدارة المحلية و الحكم المحلي، الحكم المحلي كما نرى هو أن يتمتع الناس بأحقية إدارة شؤونهم التي تعنيهم، بمعنى التي تلامس واقع حياتهم، إننا بذلك نحاول أن نعيد تصور الدولة من جديد بحيث نعيد بناءها بصورة مختلفة.

اذاً هناك أهداف لهذا الحكم المحلي او لهذه الإدارة المحلية ، ويمكن إجمالها في الاتي :

اهداف سياسية: وهذه تتمثل في تعزيز الديمقراطية، تخيلوا أن دولة مركزية بصورة فاشية كالسودان أعطت الأطراف حقوق أن يحكموا انفسهم بصورة متساوية جميعا يحملون الهم المشترك سويا لا يشعرون بأن هناك من هو أعلى او أدنى الجميع متساوون في حق السلطة وفي الدولة و في التنمية، هذا سيلغي الشعور بالقهر و باللامساواة مما سيعزز السلم و الامن الاجتماعي وسيضمن استمرار التنمية

اهداف إدارية: بالتأكيد للحكم المحلي هدف اداري، وهو وتتمثل في تحقيق الكفاءة الإدارية خاصة في النواحي الإقتصادية الملحة والتي غالبا ما تكون على جدول أولويات الشأن المحلي، و القضاء على بيروقراطية الإدارات المركزية الحكومية، وخلق جو من التنافس بين مختلف الجماعات المحلية وإستفادتها من تجارب بعضها البعض.

اهداف اقتصادية: ان الحكم المحلي يضمن التوزيع العادل للثروة و السلطة بهذا نضمن تنمية مستدامة واقتصاد قوي لتلك الاسر التي تقبع في تفاونت تاريخي بمعنى اننا نعيد بناء الدولة على أساس تنموي ديمقراطي الأساس الذي فقد مع وجود سلطة مركزية كرست الى هذا النمط اللاتنموي ، ودعونا نتذكر هذه العبارة جيدا أن التنمية و السلام و الحكم المحلي مترابطة كما ترابط النيل باتجاه جريانه .

دعونا نعد الى ما خرج بخصوص الحكم المحلي سواء من تجمع المهنيين او من وزارة الحكم الاتحادي، انها بالتأكيد ليست كذلك لقد أفقدت هذه القضية محتواها عندما يأتي مقترح مثل هذا ليضع (لجان المقاومة في مستوى أدنى ويمنع كل هذه البنى الثورية من المضي و التطور الطبيعي من اجل انجاز حقبة مختلفة من التاريخ السياسي للدولة السودانية.

قامت بموجب دستور عام 2005 م ثلاث مستويات للحكم (قومي، اتحادي، ولائي) كتأسيس لهيكلة النظام اللامركزي وتخول السلطات الممنوحة وفق الدستور استقلال اداري ومالي لهذه المستويات يتناسب مع فلسفة النظام اللامركزي الفيدرالي، وجاء فيما بعد عام 2015 م تعديل يمنح الرئيس حق تعيين واعفاء الولاة مما يعد خرقا لطبيعة النظام اللامركزي، الا أنه أبقي على شكل التوزيع كما هو حيث وكما هو موضح كالاتي:

ولاية كل ولاية تحتوي على (6 وزارات بالإضافة الى الأجهزة الولائية، 194 محلية في كل السودان وكل محلية تحتوي على عدد من الوحدات الإدارية، بالإضافة الى هذا كله يوجد مجالس الحكم المحلي.

ما يعني هذا: يعني أن المواطن يخضع الى سلطتين تتطابقان ارضا وتختلفان مجالا. تقسيم الولايات وعدد المحليات وعدد الوحدات الإدارية في كل ولاية (وفق للتقسيم الوارد في استراتيجية الحكم اللامركزي (2015 – 2019) كآخر تقسيم ما زال يعمل به داخل هياكل الحكم المحلي حتى يومنا هذا)

ديوان الحكم الاتحادي بمدينة الخرطوم

كيفية انشاء الحكم المحلي؟

في ظل مشروعية الدولة كيفية انشاء الحكم المحلي تستند أولا علي التشريعات الدستورية المقرة بإيجاد أنظمة لا مركزية، وعند الحديث عن اللامركزية في قاموس الدولة فذاك يعني تفكيك سلطة الدولة المركزية, “سلطه وضع السياسات, وتنفيذها,” أي تجزئة الدولة ومهام جهازها الإداري علي وحدات اصغر هي اكثر إلتصاقا بالمواطن واحتياجاته, تضمن هذه الوحدات عبر السلطات الممنوحة اليها عبر السند القانوني والدستوري المفصل لطبيعة عملها سد حاجات المواطن من “خدمات أساسية, تنمية” بفاعلية وكفاءة.

في اعتقادي تفكيك مركزية السلطة يعد أبرز الغايات المعضدة لإيجاد أنظمة حكم محلي تضمن المشاركة الفاعلة لمختلف قطاعات المواطنين في التعاطي مع القضايا والاحتياجات المتولدة من هذا الوجود البشري

انشاء وزارة للحكم المحلي تعمل علي تفصيل القوانين المنظمة لعمل وحدات الحكم المحلي “البلديات” وتبيين شكل تداخل وتقاطع السلطات بينها وبين الوحدات المختلفة الأخرى “كليات جهاز الدولة ‘الخزينة المالية مثلا”- و باقي وحدات النظام الإداري” العلاقة بين البلديات ومستوي الحكم الإقليمي او الولائية مثلا

عقبات الحكم المحلي

البلديات او الوحدات الادارية مجابهة بكم هائل من المهام نسبه لالتصاقها المباشر بالمواطن واحتياجته, يمكن تلخيص ابرز العقبات المواجهة للحكم المحلي في النقاط الاتية:

1- قلة كفاءة موظفي البلديات من حيث القدرة علي ” صياغه سياسات ورؤي تهدف الي توفير احتياجات المواطن”المشاريع التنموية-ومشاريع البني التحتية- الرؤي المرتبطة بتوفير العدالة والرعاية الاجتماعية”

2- ضعف تمويل الممنوح من قبل الدولة للبلديات مما يعيق قدرة البلديات ويحد من فاعليتها في اداء المهام

3- تداخل وتقاطع السلطات بين البلديات ومختلف مستويات جهاز الدولة الإداري “جمع الضرائب وتوظيفها وعموم السياسات المالية.

الحكم المحلي والقطاعات التقليدية

بالنسبة لنا يمكن أن تكون حماية وتطوير القطاع التقليدي من ضمن مهام وادوار البلديات, لإعتبارات كتيرة, القطاع التقليدي في الغالب الاعم يفتقد للتنظيم والحماية من قبل الدولة و هنا يظهر دور الحكم المحلي في دعم وتطوير النظام القطاعي عبر القوانين المنظمة لمختلف أنشطة القطاع والعمل علي تطويره باستيعابه في الخطط والمشاريع التنموية مما يؤدي إلى مضاعفة قيمة مساهمة القطاعات التقليدية في الناتج المحلي ويرفع من الموازنة المالية للبلديات.

حمايه النظام التقليدي بالاضافه لي سن القوانين المنظمة لي مختلف انشطه القطاع , تكمن فيو إستهداف المشكلين للقطاع التقليدي ‘المزارعين, الرعاه….’ بمشاريع الرعايه الاجتماعيه المنشئة من قبل البلديات “توفير الخدمات الاساسيه- الرعايه الصحيه ـ انشاء صناديق ومعاهد محليه لتطوير القطاع التقليدي.

اذاً طبيعه العلاقه بين الحكم المحلي والقطاع التقليدي هي علاقه شراكة استراتجيه.

كيف تنظر الى تجربة الحكم المحلي في السودان؟

أولا دعوني أكون منصفا وصادق في المقام الأول وصريحا أيضا! للأسف لا توجد تجربة حكم محلي مثمرة في السودان على مستوى المشاركة او على المستوى الإداري فاذا نظرنا الى الفترات ما قبل 1956 والتي عي الفترة التي ركز فيها لاستعمار البريطاني على إرساء دعائم الدولة الحديثة والتي انعكست على طريقة ادارته المركزية للسودان وهذا ما شهدته اتفاقية الحكم الثنائي 1898م والتي جعلت من كيتشنر حاكم عام للسودان ، واذا ما نظرنا الى ما قبل الاستعمار سنجد أنماط من شكل الحكم اللامركزي بوجود ممالك وسلطنات ومشايخ وقبائل تدير شؤونها بصورة لامركزية ، ولكن عمل الاستعمار على إعادة بناء السلطة في السودان بشكل مركزي مما افرز هذا الوضع .

سنجد أن الاستعمار عمل على تقسيم السودان الى مديريات هذه المديريات تتسم بنمط حكم معقد، تعقيده يكمن في ان الإدارة البريطانية جعلت لكل مديرية حاكم عسكري واخر مدني وهذا الشكل ما زال محتفظ بهذا النموذج حتى تاريخ اللحظة بشكل مختلف بالتأكيد، في العام 1937 ولأسباب سياسية فقدت الحكومة البريطانية ثقتها في (الافندية) مما جعلها تدفع بقانون او هي في الحقيقة ثلاث قوانين:

مجالس البلديات

مجالس المدن

مجالس الأرياف

تلت هذه القوانين انشاء مجالس المديريات في العام 1943م وقيام المجلس الاستشاري لشمال السودان في العام 1944 والجمعية التشريعية في العام 1948م، بعد ذلك حدث انتقال مهم في اللامركزية في السودان حيث صدرت قانون الحكومة المحلية في العام 1951 م والتي ظلت موجودة حنى العام 1971م.

هذا الإرث من شكل الحكم المحلي هو ارث استعماري بامتياز مما خلق بردايم سلطوي في جوهره يبتعد عن التنمية والديمقراطية ويزحف الى السلطوية والشمولية.

نلاحظ أن مسيرة الحكم المحلي خلال الأنظمة العسكرية يرى أن سمة السيطرة هي التي تغلب عليها ففي فترة عبود كان على رأس كل مديرة عسكري، تحته الجهاز التنفيذي وهو ما كان يحدث في فترة الاستعمار.

في حكومة مايو 1969م صدر قانون الحكم الشعبي الذي عمل على خلق حالة اشبه الى النموذج الشعبي ولكنه لم يكن ذو جدوى لأنه محكوم بخط مركزي الا ان الانتشار لهذه الوحدات الشعبية والتي كان عددها 5600، بقيام الحكم الإقليمي عام 1980م عصف هذا لقانون بالحكم المحلي ليجعله هش بصورة كبيرة ووجود موازي له عام 1981م وكان ذلك ما يعرف بالحكم الشعبي المحلي.

بالتأكيد التطور المهم الذي يجب أن نعود البه هو في فترة النظام البائد والتي بدأت بقانون 1990 والذي ألغى المجالس الشعبية وفي عام 1995 استحدثت ما يعرف بالمحلية بالمرسوم المؤقت و الذي يعرف بتعديل 1995م ، نلاحظ هنا بدأ ثلاث مستويات للحكم تظهر كان هناك نوعين من المحليات ، محليات مدن ومحليات ارياف ، مستندة على التوزيع السكاني ، على الجانب الهيكلي سنشاهد أن الحكم المحلي قد أخذ نموذجه من الهيكل العام للحركة الإسلامية في ذلك الحين فنحن نشاهد الحي مقابل للأسرة التنظيمية ونشاهد المجلس المحلي مقابل مجلس الشورى ، هذه البنية الإدارية لفلسفة الحكم المحلي في عهد الإنقاذ كانت يمكن أن تكون مفيدة لأنها ظاهريا تتمتع باستقلالية ولكن هذه الاستقلالية صودرت من جراء هذا التداخل ما بين نموذج الدولة و التنظيم .

هذه المجالس او شكل الحكم المحلي هي سلطوية بامتياز اذا ما نظرنا الى نموذج الخرطوم سيكشف هذه الخلل ، ففي العام 1996 م شارك 42% فقط من سكان العاصمة في المؤتمرات الشعبية لذلك يبدو أن هذا النموذج افرغ من محتواه من البداية ، وفي العام 2003 ظهر قانون انشاء المحليات الذي كان بموجبه يحق للرئيس اصدار مرسوم بتكوين المحليات هي فكرة الزحف نحو الشمولية الذي ذكرته وهو ما حدث في العام 2015 بصورة فجة عندما تم تعديل الدستور لصالح تعيين الرئيس للولاة ، وهذا الحس ما زال موجود حتى يومنا هذا ، لذلك ختاما يمكن ان أقول بأن هذا النموذج يفتقر الى الديمقراطية الحقيقية و الايمان الحقيقي بدافع تشكيل حكم محلي ، لذلك نجد التخبط من وزارة الحكم الاتحادي في اصدار قانون او نموذج حكم محلي يستوعب المرحلة .

من الأفضل دوما أن نفرد مساحة كافية لهذه القضية (السلام ) وعلاقتها ببقية الملفات ، وأرجو من الفريق الذي يقوم بإدارة هذه المنصة أن يفرد مساحة كاملة لهذه القضية وارتباطها بالحكم المحلي ولكن لا بأس بأن أورد في إشارة سريعة الى اتفاقيات السلام بدلا عن السلام ككل ان امكن ذلك ، وسأخذ الحكم المحلي في اتفاقية السلام الشامل ففي بنود المؤسسات على المستوى الولائي ذكر الحكم المحلي واعيد الى الدساتير الولايات ولكن لم يتم إعادة النظر في الولايات التي أسست في الأساس على أساس خاطئ وهذا الأساس يعود الى امتلاك الرئيس سلطة قيام الولاية ككيان وكمؤسسات وهذا ما شاهدناه في اتفاقية ابوجا و الدوحة ، ولكن بالعودة الى اتفاقية السلام ودساتير الولايات نجد : في الجزء الرابع من اتفاقية اقتسام السلطة تحت عنوان )المؤسسات على المستوى الولائي ( الفقرة 2_ 2 نصت على الآتي : الحكم المحلى مستوى هام من مستويات الحكم , ويكون انتخابه وتنظيمه وحسن أدائه مسئولية الولايات . وفقا للدستور الولائي ذي الصلة. في مشروع دستور ولاية الخرطوم الباب السادس الحكم المحلي

وفي المادة 86

– يقوم الحكم المحلي في الولاية بقانون ليكون مستوى شعبي قاعدي للحكم في الولاية بهدف تبسيط الخدمات والتنمية ورعاية حقوق المواطنين بإدارة محلية راشد

– . يكون تنظيم الحكومات المحلية وحسن أدائها مسئولية حكومة الولاية.

– يفصل القانون السلطات والاختصاصات بين مستوى الحكم الولائي والمحلي وينظم كافة المسائل اللازمة لقيام الحكم المحلي.

نشاءة المحليات وأجهزتها: المادة 87

تنشأ المحليات بأوامر تأسيس يصدرها مجلس وزراء الولاية بموافقة مجلس الولاية يكون للمحلية مجلس يتولى سلطة التشريع والمراقبة، يتم انتخاب أعضائه حسبما يحدد مجلس الولاية

. قانون الانتخابات والإجراءات التي تصدرها المفوضية القومية للانتخابات. 2. يكون لكل محلية. حكومة محلية تتولى العمل التنفيذي ويرأسها محافظ يعينه الوالي

المادة 88:

– يكون للمحليات الموارد المنصوص عليها في المادة 92 من دستور الولاية الانتقالي: • على حكومة الولاية أن تفي بالتزاماتها بإجراء التمويلات المالية للمحليات

ما الذي حدث اذن: هذا الخلل أدى الى ان تفقد الاتفاقية العنصر المهم وهو عنصر البنية التي على أساسها يتعامل المواطنون مع الدولة وفي إيجاد أنفسهم فيها، تم التركيز على المستوى القومي وأهمل الولائي وجعله في يد الحكومة المركزية مما أضعف هياكل الحكم المحلي وجعلها تابعة للمركز وساعد في تفاق الازمة في انتخابات 2010، وهو ما سنجده أيضا في اتفاقية ابوجا والدوحة أيضا واتفاقية شرق السودان.

عن المحرر

Scroll to Top