Hiwaratjeel

الحرب و السلام

الحرب والسلام في دارفور: نحو نظرة منطلقة من الجذور الاجتماعية للحرب

محمد الكامل : مهتم بقضايا التنمية و السلام 

على الرغم من مضي أكثر من عام على توقيع اتفاق سلام جوبا، فإن النزاعات في السودان، وتحديداً في دارفور، لا زالت مستمرة. ولم تقتصر هذه النزاعات على الاشتباكات بين قوات الحكومة السودانية والحركات المسلحة التي لم توقع على الاتفاقية كجيش تحرير السودان/جناح عبدالواحد محمد نور (بل ظل هذا النوع بسيطاً نسبياً منذ وقف إطلاق النار) وإنما كان الطيف الأوسع منها اجتماعياً، أي عبارة عن نزاعات بين مكونات اجتماعية (إثنية/قبلية) فيما بينها، حول قضايا لا تتعلق بالصراع السياسي (بمعناه المألوف والمتداول على الأقل)كالنزاعات حول الأراضي، أو الموارد، أو كرد فعل تمارسه المكونات الاجتماعية ككل ضد جرائم جنائية ارتكبت بحق أفرادها كالقتل أو النهب أو السرقة. وبطبيعة الحال، فقد عنى استمرار النزاع استمرار نتائجه من موت ونزوح، فإن نظرنا إلى إحصائيات النزاعات الاجتماعية والهجمات المسلحة في عام 2021م، سنلاحظ نشوب حوالي 269 حادثاً، نتج عنها نزوح أكثر من 440 ألف مواطناً، ومقتل 727 مواطناً [1].

لم يكن استمرار النزاع، وما نتج عنه من موت ونزوح، صفة استفردت بها اتفاقية سلام جوبا عن غيرها من الاتفاقيات، ولكن مثَّل هذا الاستمرار نمطاً معتاداً ومتكرراً بعد كل اتفاقيات السلام المرتبطة بدارفور. فقد تكرر هذا النمط أيضاً بعد اتفاقيتي أبوجا والدوحة [2].

إن التفسير الأول الذي يتبادر إلى الذهن عند النظر إلى هذا النمط، هو أن سبب استمرار الحرب بعد كل من هذه الاتفاقيات يكمن في ضمها لأطراف معينة من المشاركين في الحرب وتركها أطرافاً أخرى. فقد وقَّعت حركة تحرير السودان جناح مناوي على اتفاقية أبوجا، ولم توقع كل من حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان جناح عبدالواحد محمد نور. وكذلك، وقعت حركة التحرير والعدالة على اتفاقية الدوحة وغابت عنها العديد من الحركات منها عدد من فصائل حركة العدل والمساواة وجناحا حركة تحرير السودان، وتكرر هذا النمط مجدداً في اتفاقية سلام جوبا بغياب حركة تحرير السودان جناح عبدالواحد محمد نور. ولكن النزاع لم يكن مستمراً فقط كحالة حرب بين قوات الحكومة السودانية وقوات الحركات المسلحة غير الموقعة على اتفاقيات السلام بل كان في أغلبه نزاعاً اجتماعياً، بين المكونات الاجتماعية الموجودة بدارفور.

وفي الحقيقة فإن النزاع في دارفور، وبالأخص النزاع ذو الطابع الاجتماعي، كان مستمراً منذ الاستقلال، رغم التباين في حِدَّتِه وتكراره[3]، أن نرى بوضوح أن النزاعات الاجتماعية ظاهرة لازمت دارفور منذ فترات طويلة، مع اشتداد حدتها وتكرارها بعد موجات الجفاف التي ضربت المنطقة في السبعينات والثمانينات، ومؤخراً بعد الحرب التي بدأت عام 2003.

إقليم دارفور

من هنا يمكننا القول بأن توسيع فهمنا فعلاً للحرب في دارفور لا يتأتى بالنظر إلى الفشل المتكرر لاتفاقيات السلام فقط، وإنما باعتبار النزاع حالةً مستمرةً خلال “أوقات السلم” قبل أن تأخذ الحرب طابعها السياسي المعروف، ومن ثم محاولة فهم هذا النزاع المستمر. فمن هذا المنظور تتضح لنا أهمية وتأثير المستوى الاجتماعي للصراع، ويسهل علينا التفكير في حلول تستصحبه بما يمكنها من إيقاف النزاع بصورة حقيقية.

نحو فهم الصراع في دارفور بكل مستوياته: عودة لأفكار د. آدم الزين

طُرحت التساؤلات التي ذكرناها عن طبيعة الحرب في دارفور وجدوى اتفاقيات السلام سابقاً من قبل د.آدم الزين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، بعد استمرار الحرب عقب توقيع اتفاقية أبوجا. فخلص إلى أن سبب فشل اتفاقية أبوجا في تحقيق سلام حقيقي في دارفور نتج عن خطأ في تحليل الحرب وفهمها، تبعه خطأ في معالجتها عبر الاتفاقية، فكان الخطأ في التحليل متمثلاً في اختزال الحرب في الصراع بين المركز والإقليم فقط، وبطبيعة الحال، تبع هذا الخطأ، خطأٌ آخر في الاتفاقية هو الاقتصار على معالجة هذا المستوى السياسي للصراع دون غيره [4].

في محاولة لتحليل الحرب بشكل أشمل، جادل د. آدم الزين بأن للصراع في دارفور ثلاثة مستويات، لا يمكن فهم الصراع أو حله دون استصحابها معاً، وهي: “صراع داخل المجتمعات الموجودة في الإقليم”، و”صراع بين نخب الإقليم على حكمه”، و”صراع بين الإقليم والمركز حول توزيع السلطة والثروة”، في ما يلي توضيح لكل منها:

الصراع الاجتماعي داخل المجتمعات الموجودة في دارفور:
يقصد بهذا المستوى النزاع الدائر بين المكونات الاجتماعية المختلفة للوصول إلى الموارد الطبيعية في الإقليم، والمتمثلة في المراعي والمياه والأراضي الزراعية. وبحسب د.آدم، فإن اختزال هذا المستوى من الصراع كمجرد صراع بين عرب وأفارقة، أو رعاة ومزارعين لن يكون سوى تحليل سطحي، والأجدى عنده اعتبار الصراع متنوعاً بحسب طبيعة الموارد والأطراف المتنازِعَة عليها، وبهذا يمكن تفسير تنوع أشكال النزاع في هذا المستوى لتشمل نزاعات بين قبائل عربية أو رعوية فيما بينها. كان هذا المستوى أكثر مستويات الصراع استمراراً، فقد ظل مستمراً منذ فترة الاستعمار وحتى يومنا هذا. وتأثر هذا المستوى بالعديد من العوامل المتراوحة بين عوامل طبيعية كموجات الجفاف، وازدياد أعداد السكان والمواشي، وعوامل تاريخية كقوانين حيازة الأرض الموروثة منذ فترتي السلطنة والحكم الثنائي، وعوامل سياسية مثل الصراع الليبي التشادي.

مقاتلون في إحدى مناطق إقليم دارفور - المصدر : موقع النيلين السوداني

الصراع بين النخب الموجودة في الإقليم:
يقصد بهذا المستوى النزاع بين نخب دارفور المختلفة على حكمها، وتبرز في هذا المستوى ثلاثة مكونات اجتماعية تنازعت لفترة على حكم الإقليم حتى أصبحت الأساس للفاعلين المسلحين الأساسيين في دارفور من حركات مسلحة أو قوات موالية للحكومة. بدأ هذا المستوى من الحرب عام 1980، عند تطبيق قانون الحكومة الإقليمية على أقاليم شمال السودان وتعيين أحمد إبراهيم دريج حاكماً لإقليم دارفور وما تلا ذلك من احتجاجات.

الصراع بين الإقليم والمركز:
يقصد بهذا المستوى النزاع بين المركز الواقع في شمال ووسط السودان والذي ظل يتمتع بامتيازات تاريخية منذ الاستعمار، والمناطق المهمشة، التي كانت دارفور من أبرزها، والتي لم تنل نصيبها العادل من السلطة والثروة طيلة فترتي الاستعمار والاستقلال الوطني. كان هذا النزاع مدفوعاً بتلك التظلمات التاريخية، التي بدأت بالظهور منذ عام 1965 بظهور جبهة تنمية دارفور التي كانت تنادي بنصيب عادل في السلطة والثروة لدارفور. بدأ هذا المستوى من الصراع بأخذ شكل مسلح بتمرد داوود يحيى بولاد عام 1992م، ومن ثم في الحرب التي بدأت عام 2003م و2004م، وتأثر هذا المستوى كذلك بعدد من العوامل منها الحرب بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية، ومفاصلة 1999م التي قسمت الحزب الحاكم إلى فصيلين[5] ، إضافة إلى تأثره باستمرار بالمستويين الاجتماعي والإقليمي للصراع.
من هذا التحليل، يبدأ د. آدم الزين بتحليل الأخطاء التي وقعت فيها اتفاقية أبوجا، فيجد أنها اقتصرت على معالجة المستويين الثاني والثالث للصراع، دون مخاطبة المستوى الأول بجدية، وفي هذا الصدد يقول د. آدم:
“تركز اتفاقية سلام دارفور على الصراعين كما جاءا في 2 و3 أكثر من الصراع كما جاء في 1، وواقع الأمر أن الصراع 1 سبق الاثنين الآخرين، وعلى نحو ما يشكل الصراع 1 المحتوى الذي تطور به الصراع في 2 و3، وبدلاً من معالجة الصراع داخل المجموعات أعطت الاتفاقية الأولوية للتريبات الأمنية واقتسام الثروة والسلطة، أي للجوانب السياسية”. [6]

وفي الحقيقة، يكتسب المستوى الاجتماعي للصراع أهميته من حقيقتين، أولاهما نشوء النزاع السياسي بشكل أو بآخر عنه، وثانيهما التأثر المستمر للمواقف السياسية للنخب والفاعلين على مستوى الصراع بين المركز والإقليم بالنزاعات الاجتماعية، وتظهر الحقيقة الأخيرة جلياً في التباين في مواقف الحركات المسلحة بعد انقلاب 25 أكتوبر، فمن جهة نجد أن لحركة العدل والمساواة قاعدة اجتماعية صغيرة، مما يسهل عليها تحديد مواقفها السياسية بأريحية أكبر، بينما نجد أن لحركة تحرير السودان جناح مناوي قواعداً اجتماعية أوسع تتواجد في شمال دارفور، خاصة في محليتي كتم وأم برو، وفي مناطق في جنوب وغرب الفاشر، وتعاني هذه القواعد من صراعات حول ملكية الأرض في كتم مع أولاد منصور الذين ينتمي إليهم حميدتي، ويواجه تجمع قوى تحرير السودان الذي يرأسه الطاهر حجر حالةً مماثلة في الفاشر [7].

فيديو مختصر يحمل ذات رؤية المقال للحرب في دارفور – المصدر : +AJ عربي . 

يدفعنا التفكير في أهمية المستوى الاجتماعي للنزاع إلى طرح سؤال مهم، فإن كان هذا المستوى بتلك الأهمية فما الذي منع القائمين على الاتفاقية من وضعه كجند أساسي؟ ويجادل د. آدم بأن أحد أهم أسباب ذلك كان التعاطي الدولي مع الحرب، والسردية التي تبناها الإعلام الدولي بخصوصها، والتي اختزلت الصراع لأسباب سياسية كنزاع عرقي بين مجموعات عربية مستقوية بالدولة، ومجموعات أفريقية مهمشة، وقد أدى هذا التعاطي إلى التعامل مع الحرب في دارفور كقضية سياسية بدأت عام 2003، مما أثر بشكل مباشر على الاتفاقية وصياغتها وتنفيذها؛ بتحديده لاتجاهات ضغط المجتمع الدولي، ونتيجة لذلك “كانت طرق حل النزاع التي اختيرت غير موائمة للحالة المعروضة فقد تم التركيز على تقاسم السلطة والثروة على حساب اعتبارات أخرى لا تقل عنها أهمية مثل إشكال تملك الأراضي”.
إن فهم الحرب في دارفور بصورة شاملة وكلية، منطلقة من الجذور الاجتماعية للصراع، خطوة ضرورية لإيجاد تصورات قادرة على تحقيق سلام فعلي وشامل في دارفور, لذلك سنحاول التوسع في هذا المنظور في المقالات القادمة، لنشرح المستويات الثلاثة للحرب بشكل وافي، ولنناقش عدداً من القضايا ذات الأهمية في فهم أسباب النزاع، مثل التغطية الإعلامية للحرب والتفاعل الدولي معها، كما سنناقش ما كُتب من مقترحات عن السبل المثلى لتحقيق السلام، كأساليب حل النزاع الاجتماعي، وأساليب حل النزاع السياسي ونظم الحكم والإدارة القادرة على توزيع السلطة والثروة في السودان بشكل عادل، ومعالجة مختلف الاختلالات التاريخية في توزيعها.

المراجع و المصادر 


[1] الإحصائيات التي يصدرها كل من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ومنظمة الهجرة الدولية، يمكن الإطلاع على: https://reliefweb.int/map/sudan/sudan-intercommunal-conflicts-and-armed-attacks-january-december-2021
[2] استمرت حالة الاقتتال في دارفور بأشكال عدة وبين مكونات متتعدة، ولعل أحد أبرزها تمرد مجموعة من القبائل العربية المتحالفة مع الحكومة بعد توقيع اتفاقية أبوجا و”الحرب العربية-العربية” التي بدأت بعدها، ولمعرفة المزيد عن ذلك يمكن مطالعة:
– جولي فلنت، ما بعد “الجنجويد”: فهم مليشيات دارفور (2009).
– جولي فلنت، الحرب الأخرى: الصراع العربي الداخلي في دارفور (2010).
[3] د. آدم الزين محمد، مدخل بديل إلى السلام في دارفور (2015).
[4] د. آدم الزين محمد، مدخل بديل إلى السلام في دارفور (2015).
[5] لمعرفة مزيد من التفاصيل حول علاقة الانشقاق في الحزب الحاكم بالحرب في دارفور يمكن مراجعة:
– د. عبدالوهاب الأفندي، أزمة دارفور: نظرة في الجذور والحلول الممكنة (2009).
[6] د. آدم الزين محمد، مدخل بديل إلى السلام في دارفور (2015).
[7] Rift Valley Institute Briefing Paper: “What next for the Juba Peace Agreement? Evolving political and security dynamics in Darfur” (2022)

 

عن المحرر

Scroll to Top