Hiwaratjeel

الموانئ

الموانيء السودانية و سؤال المستقبل ؟

علاء الدين محمد- مهندس سابق في هيئة الموانئ البحرية “السودان”

تحتل هيئة الموانئ البحرية السودانية أهمية كبرى على ساحل البحر الأحمر، حيث يبلغ طول ساحل السودان قبل تقسيمه أكثر من 800 كيلومتر، وتقوم الموانئ بعمليات تصدير وإستيراد ضخمة ويأتى على رأسها ميناء بورتسودان وما يضمه من موانئ، أكبرها الميناء الجنوبي المتخصص فى استقبال الحاويات، والميناء «الأخضر» لاستقبال البواخر المحملة بالبضائع، وميناء «سواكن» المتخصص فى خدمة الركاب والبضائع.

عانت الميناء و العمال الذين يعملون فيها من الإهمال الشديد حتى أصبحت منسية بالنسبة لنا، نتمنى من خلال هذا الحوار تسليط ولو جزء بسيط من الضوء و الالتفات لمشاكل هذه المنشأة الحيوية و إمكانية إعادة مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد

كثيراً ما تعقد الحكومات الاتفاقات مع شركات خاصة لتأجير أو تشغيل الموانئ، و قد عقدت الحكومة السابقة اتفاق مع شركة فلبينية ثم تم إلغاء أو تجميد الاتفاق إثر احتجاجات و إضراب من عمال ميناء بورتسودان الذي يضم ما يقارب ال١٣ ألف عامل، فكيف إذاً يؤثر تشغيل الشركات الخاصة للموانئ على حقوق العمال و على إيرادات الميناء و مساهمتها في الدخل العام؟ و هل يؤدي على المدى البعيد إلى خصخصة الموانئ؟

مع النمو المتصاعد للنقل البحري بواسطة الحاويات، أصبحت إدارة وتشغيل موانئ ومحطات الحاويات من أكثر القطاعات تنافسية عالمياً ولذا تلجأ العديد من الدول للاستثمار الاجنبي في هذا المجال.

كان للسودان تجربة شراكة سيئة من قبل فقد وقع النظام البائد عقد لإدارة وتشغيل الميناء الجنوبي مع شركة ICTSI الفلبينية في الفترة من 2013-2017وقد بررت الحكومة السابقة اللجوء لهذه الشراكة بغرض تطوير الميناء بعد عقدين من الحصار الأمريكي الذي أثر سلباً على انسياب الإسبيرات لمعدات الميناء. وحتى نهاية عقد الشراكة الأول مع الشركة المذكورة عام 2017 لم تكن الموانئ قد جنت أي فائدة تذكر منه بل انعكس سلباً عليها بنهاية العقد كان عدد كبير من معدات المناولة والآليات خرجت عن الخدمة لعدم توفير الشركة للإسبيرات أو توفير الدعم الفني الذي نص عليه العقد.

مع اشتداد الضائقة الاقتصادية على النظام السابق أواخر 2018 لجأ لتوقيع عقد ايجار طويل المدى لمدة 20 عام مع ذات الشركة ICTSI لتشغيل محطة الحاويات بالميناء الجنوبي وهو العقد الذي تم إلغاءه لاحقاً بواسطة المجلس العسكري الحاكم في حينها.

بالعودة لسؤالك أعتقد أن إشراك القطاع الخاص قد يكون له بعض الأثر الإيجابي على رفع كفاءة الميناء وتعظيم إيراداتها للحكومة المركزية ولكن ذلك سيكون على حساب مساهمة الموانئ الحالية في تنمية المجتمع المحلي أما العمالة في رأيي فهي أكبر المتضررين، فإذا إكتمل عقد الشراكة الملغي سابق الذكر كان سيتضرر منه قرابة ثلثي العمال بالميناء الجنوبي آنذاك!!

يضم السودان أحد أهم الموانئ في المنطقة، و مع وجود حروب الاستيلاء على الموانئ من قوى مهيمنة إقليمياً، يدخل الأمر في صميم العلاقات الخارجية، ( كما رأينا الرد من قبل المواطنين على خبر بيع أحد الموانئ إلى شركة موانئ دبي). فكيف يتم الفصل بين هذه القضايا ؟

تكتسب الموانئ السودانية أهميتها من موقع السودان الفريد الذي يجاور أربعة دول مغلقة هي تشاد، افريقيا الوسطى، جنوب السودان وإثيوبيا وبالتالي فالموانئ السودانية قد تكون منفذ لتجارة هذه الدول.
تنشط عدد من الشركات في التنافس علي نيل عقود إدارة وتشغيل موانئ البحر الاحمر منها ICTSI, Red Sea Gateway وبالطبع شركة موانئ دبي DP world الإمارتية ذائعة الصيت التي تدير العدد الأكبر من الموانئ الاقليمية أقربها جغرافيا لنا ميناء العين السخنة بجمهورية مصر العربية. ولكن نفت الحكومة السودانية أكثر من مرة نيتها اللجوء لعقد أي نوع من هذه الشراكات في الوقت الحاضر.

عانت الموانئ من إهمال و تدمير ممنهج، فمع وجود الفساد في العهد السابق و بسبب الحظر الاقتصادي الواقع على السودان الأسباب التي جعلت مساهمة الموانئ في الدخل العام تنخفض حتى وصلت إلى ٣%. فكيف يمكن إجراء إصلاحات و تأهيل الخدمة المدنية و تطوير الموانئ في ظل ورثة النظام السابق من تسهيلات و إعفاءات ووجود ل”السماسرة” و غيرها الكثير؟

30 عاماً من حكم الإسلاميين الفاسد في السودان أورثنا قطاع نقل مدمر بالكامل، مارسو تدميراً ممنهجاً طال السكة حديد و الطيران وبالطبع الموانئ.

اعتقد ان حجر الزاوية في اي اصلاح قادم في الموانئ يتم بانجاح مساعي خروج السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب فبسبب الحصار الاقتصادي الأمريكي كانت قيود كثيرة تحد قدرة الموانئ على التعامل مع الشركات المصنعة للاسبيرات مباشرة وتلجأ للوسطاء لشرائها أو للتحاويل المالية مع الشركات المصنعة وكان أغلب الوسطاء الفاسدين هم من النافذين في النظام السابق .

أعتقد أن على الحكومة الانتقالية أن تتبنى مشروع واضح للإصلاح في أجهزة الخدمة المدنية لزيادة الكفاءة والفاعليـة فـي الأداء والإنتاجيـة ، وأن تولي اهتماماً خاصاً ببعض المؤسسات العامة ذات الخصوصية كهيئة الموانئ البحرية بتطبيق بعض أساليب إدارة الأداء الحديثة كأسلوب إعادة هندسة العمليات الادارية business process re-engineering “الهندرة” وهي تعرف بأنها البدء من جديد من نقطـة الصفر ، وليس إصلاح وترميم الوضع القائم وتعني تغيير المنهج الأساسي للعمل لتحقيـق تطـوير جوهري في الأداء في مجالات السرعة ، والتكلفة ، والجودة.

 في فبراير ٢٠١٨م، قدم وزير النقل و الجسور السابق قانون سلطة الموانئ البحرية لسنة ٢٠١٧م، و بموجبه تم إنشاء السلطة لممارسة أعمال السيادة فيما يتعلق بالموانئ و النقل البحري و بموجب مشروع القانون يلغي أمر تأسيس هيئة الموانئ البحرية و حدد القانون اختصاصات و سلطات السلطة. فكيف يؤثر هذا القانون على تطوير و تشغيل الموانئ؟ و هل يجب الإتجاه إلى تعديله أو إلغاؤه؟

في رأيي أن الدولة حينها اعتبرت القانون خطوة نحو التطوير بينما رفضت القانون بعض المكونات النقابية التي اعتبرت أن القانون خطوة أولى نحو الخصخصة. القانون مشابه لما هو مطبق في دولة جارة ، وفيها تكونت سلطة مينائية اكتفت بالاشراف وممارسة سلطة السيادة علي الموانئ فقط. بينما تم تكوين عدة شركات للقيام بالعمليات التشغيلية في الموانئ.

 

عن المحرر

Scroll to Top