Hiwaratjeel

حول التعليم

حول التعليم

الأستاذ : محمد عبد الرحمن – مهتم بقضايا الشأن العام و التنمية 

بداية نرحب بك و سعداء باستضافتك محمد عبد الرحمن ، لا يختلف الناس مهما كانت مرجعياتهم على أن التعليم هو مفتاح انتقال المجتمعات من حالة التخلف الاقتصادي و الاجتماعي إلى آفاق المعاصرة و التنمية و هو الأمر الذي أثبتته التجارب في عدد من الدول التي استطاعت التخلص من مشكلة الجهل.

وحسب معلومات نُشرت في العام 2007 فإن نسبة الأمية في السودان تبلغ %50 بين النساء و %30 بين الرجال. وبحسب تقرير للبنك الدولي صدر في 2016 فإن الأطفال في جميع أنحاء السودان يواجهون صعوبات جمة عندما يتعلق الأمر بالحصول على التعليم الرسمي. ونتيجة لذلك بات أكثر من %40من الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين 5 و 13 عاماً بدون تعليم.

نتمنى أن نستطيع تسليط الضوء إلى مشكلات التعليم الكبيرة في السودان و محاولة خلق مساهمة مجتمعية في طريق التخلص من مشكلة الجهل.

أسهمت عوامل الفقر المستشري، و الحروب المشتعلة في أنحاء واسعة من البلاد، و غياب الوعي بأهمية التعليم في ضعف تعليم الأطفال في السودان، حيث يرى بعض الخبراء ضرورة خلق وعي الاستثمار في الأبناء و النظرة المستقبلية بين الأسرالفقيرة كربط بين حل مشكلة الفقر و التعليم، و لكن يقابل هذا الرأي أنه لابد من حل مشكلة الفقر أولاً، فما هو الرأي الأجدى في هذا الجانب؟

مرحباً منصة (حوارات جيل الثورة)، سعيد جداً بالتحدث معكم، تقومون بعمل مهم بتسليطكم الضوء على قضايا لا تأخذ حقها من النقاش في الفضاء العام برغم أن مصيرنا ومستقبلنا يعتمد بالكامل عليها. طبيعة هذه القضايا ما ينبغي أن نركز انتباهنا عليها، ونحول نقاشنا من السياسة للسياسات وما ينفع الناس ويحسن حياتهم و يقيم أودهم.

غياب التعليم والفقر متعاوضان، يعمل كل منهما في اتجاه الآخر، السبب والنتيجة متداخلان. ارتفاع معدلات التعليم وجودته والمهارات المكتسبة للسكان أصبحت من أهم مؤشرات التنمية البشرية المرتبطة بالتقدم الحضاري بصورة واضحة، فلا يمكن حل مشكلة الفقر بغير التعليم، لكن هنالك حد أدنى يجب توفيره كخطوة لزيادة وصول الأطفال للمدارس، هذا الحد الأدنى يمكن الاتفاق عليه بالبحث في جذور الأسباب التي تمنع الأسر من إلحاق أبنائها وبناتها بالمدارس. كمثال واحد بسيط: حوالي ربع السكان يحتاجون قضاء رحلة لا تقل عن ثلاثين دقيقة يومياً للحصول على ماء للشرب. في مثل هذا الوضع هم يحتاجون للأبناء للقيام بهذا المشوار اليومي، و بين قرار إرساله لمدرسة تبعد بضع كيلومترات للمدرسة و إرساله لأقرب مصدر ماء ، سيختار قدر كبير منهم الخيار الثاني بدون كثير تفكير، فالبقاء على قيد الحياة مقدم على ما عداه وبدون الماء لا حياة! ويمكن استشفاف الأمر بصورة جلية في انخفاض نسبة الطلاب المستوعبين في المرحلة الثانوية لحوالي %40 فقط من مجمل من هم في عمرها، وهو انخفاض كبير من النسبة لمن هم في مرحلة الأساس (%71) مما يؤشر لحوجة أهلهم لهم كمصدر دخل لتأمين أساسيات الحياة.

توجد تجربة في بعض ولايات السودان وفيها يتم منح الأسر مقابل غذائي أو مالي مقابل إرسال أبنائهم للمدارس، وهنالك أيضاً تجربة توفير إفطار للطلاب وكلها ساعدت في رفع نسبة استمرارية الطلاب في المدارس وتقليل التسرب. هاتين التجربتين -كمثال- لامست مشكلة الفقر كمانع للتعليم وقدمت حلولاً عملية يمكن التعلم منها ورفع كفاءتها وتعميمها ، وإشراك المجتمع فيها من مؤسسات مجتمع مدني وقطاع خاص والاستفادة من المبادرات الدولية، لكنها كلها لا تُغنِي عن قيام الدولة بمسئولياتها و يقوم البقية بسد العجز، لا العكس.

أيضاً خريطة الفقر في السودان تكاد تُطابق مناطق النزاع وهو أمر لا يحتاج تفسيره لكثير عناء. من أكبر مسببات العزوف عن التعليم غياب الأمن وبعد المدارس عن القرى لمحاولة تجميع طلاب عدة قرى في مدرسة واحدة. الوضع الأمني لن يستقر في ظل الحروب واتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة،لدينا الآن فرصة تاريخية للوصول لحد أدنى للتعايش السلمي ونبذ العنف. البعض سيخسرون من وقف صوت البندقية ويتكسبون من الحرب واقتصادها، لكنهم قلة ضئيلة مقابل معظم السكان.

وغياب الأمن ينعكس أثره على الجنسين لكنه على الفتيات أكبر، خوف الاعتداءات التي قد تصل لانتهاكات جنسية جسيمة.

هنالك كَّوة وعي تتسع نافذة ضوئها ببطء عن أهمية التعليم. الأهالي هم الذين يقومون -بدرجة كبيرة- بتمويل مدارس الرحل التي تدرس أبناءهم. وهم بشر لديهم حكمة متوارثة. والتواصل معهم ضروري لإزالة أي مخاوف أو شكوك عن التعليم النظامي، وطبيعة المواد التي يتلقاها أبناؤهم، وتفصيل المناهج لتكون بيئتهم حاضرة فيها يتمثلون أنفسهم فيها ولا يشعرون بغربة وجدانية قد تقود بعضهم للظن بعدم فائدة التعليم ومن ثَم رفضه ضربة لازب.

فما يجب عمله دراسة كل جذور المشكلة وحلول إسعافية تجسر ما يمكننا من تذليل الفجوة. التعليم وإزالة الفقر، عكازين نتكئ عليهما معاً، نغير طول العكازين معاً أو سيحدث اختلال.

يعد أطفال البدو ومن يعيشون في مناطق تمزقها الحروب و الفتيات هم أكثر الفئات تعرضاً لخطر الإقصاء من العملية التعليمية، فكيف يمكن معالجة الضرر الناتج من هذا الإقصاء؟ و ما هي الخطوات الواجب اتخاذها لزيادة فرص التحاقهم بالمدارس؟

للسودان تجربة (مدارس الرحل)، وهي مدارس عبارة عن خيمة متنقلة مع مسارات الرحلة السنوية للرعي وتم إنشاء إدارة خاصة لها في مطلع القرن الحالي، لكنها تواجه مشاكل كبيرة من ضعف التمويل الذي ينعكس في شبه انعدام لمعينات العملية التعليمية من أدوات للتدريس وكراسات وكتب وقلة المعلمين حيث أنه في بعض الولايات مقابل كل 4 أساتذة مطلوبين يتوفر أستاذ واحد لا غير. هذه المجموعة بها أكبر نسبة خارج المدارس وتزيد عن %80 من أطفالهم في كل الولايات لتصل في بعضها إلى %94 وتكاد الفتيات لا يتلقين أي تعليم نظامي ومن دخلن لا يكملن المراحل الأولى. بعض الرحل يبقون في نفس المكان لمدة قد تصل لستة أشهر، قد يتم الاستفادة من هذه الفترة وعمل تقويم دراسي منفصل عن بقية القطر و إنشاء مدارس ثابتة عوضاً عن المتنقلة.

يمكن العمل على تجسير الهوة إذا أعتِبر التعليم أولوية، والقيام بحقه؛ بالتقدم من خطوة الشعارات الهتافية لإجراءات عملية من قبيل تخصيص نسبة أكبر من الموازنة العامة للتعليم، لا يتم الانتقاص منها لسداد العجز في بند آخر. في السنوات العليا لكل مرحلة دراسية والتي تشهد امتحانات النقل قد يحتاج التلاميذ البقاء في داخليات حين يرحل أهلهم، مما يتطلب توفير مقرات ثابتة بما تحتاجه من تأمين حتى يطمئن الأهل في ترك أطفالهم فيها، أيضاً بعض مدارس الرحل بها مدرس واحد يقوم بتدريس كل المواد حتى مرحلة دراسية معينة مما يتطلب تدريباً مختلفاً عما يتلقاه بقية المعلمين في بقية السودان.

مرحلة عودة المبعدين عن ديارهم قسراً بسبب العنف والحروب والتي تشكل أولوية كبيرة في الفترة القادمة، تتطلب إنشاء مرافق خدمية والمدارس في مقدمتها، وأن تكون جغرافياً قريبة من السكان، مما قد يقلل من مخاوف إرسال الفتيات للتعليم.

كما يجب احتواء الشباب الذين تجاوزوا سن الدراسة للتعليم العام وهم في المعسكرات، وعمل معالجات كالمنهج المضغوط والدراسة المسائية وغيرها حتى ينالوا حقهم الذي ضاع من فرصة التعليم.

هنالك اعتبارات ثقافية مهمة في ما يتعلق بتعليم البنات تتفاوت من مجتمع لآخر في السودان. من هذه الاعتبارات التزويج المبكر للفتيات في سن مبكرة ومن ثم حرمانها من مواصلة التعليم إذا كانت في المدرسة، وهذه مسألة اجتماعية وثقافية واقتصادية ودينية. معالجة هذا الأمر تحتاج حذراً شديداً ولا يمكن مقاربتها بالقانون وحده، في بلد يعاني جهازه الإداري من ضعف كبير ومقدرة وصول محدودة جداً خارج المدن. وكما نرى لا يمكن تناول التعليم بمعزل عن كل القضايا الأخرى. لا بُد من مشاريع توعوية منظمة تستطيع مخاطبة المجتمعات المحلية بلغتها وتفهم قيمها جيداً، تجنب القسر والعنف للتغيير لتفادي تصاعد الرفض.

علينا أيضاً العمل على تدريب الاداريين في الولايات المختلفة ليقوموا باتخاذ قرارات تناسب أوضاع ولاياتهم. النظام الفيدرالي الحالي يضع سلطات كبيرة في يد الولايات، وعليها أن تتحرك لخلق نماذج تناسب وضعها بدلاً عن فرض نموذج نجح في ولاية أخرى.

يعاني الطلاب الذين يلتحقون بالمساقات الصناعية من قلة فرص العمل بالإضافة إلى المستوى المعيشي المتدني مقارنة بالطلاب الذين يلتحقون بالمساقات الأكاديمية، فما هو الحل؟

أولاً يجب معالجة الجانب النفسي والنظرة الدونية للعمل اليدوي واعتباره تعليماً من الدرجة الثانية للفاشلين أو المتعثرين أكاديمياً ، وإعادة الإعتبار له كرافعة مهمة للاقتصاد وللبلد ككل وانتفاء إمكانية إحراز أي تقدم بدونه، هذا دور توعوي يشترك فيه الجميع، ويجب تضمينه في مناهج التخطيط التربوي والثقافي لإنسان السودان، والاستهداء بالعلوم الإنسانية المختلفة كتخصصات الاجتماع والنفس؛ وعكس ذلك في المناهج الدراسية بدءاً من التعليم في مرحلة الأساس. وللإعلام دور كبير في هذا الجانب، بما فيه نحن عامة الناس، لإمتلاك كل منا منصة إعلامية في مواقع التواصل الاجتماعي بدائرة تأثير قد تكون صغيرة، لكن الجهد الجماعي سيثمر.

ثانياً تكلفة التعليم التقني تتجاوز كثيراً من المساقات الأكاديمية لتطلّبها معدات وتقنيات مكلفة، مما يصعب من تكلفة التأسيس الأولى، وعملية التطوير المستمرة المطلوبة لملاحقة التقدم التكنولوجي والذي صار يقفز بوتيرة سريعة جداً ونحو للأتممة والذكاء الأصطناعي وغيرهما. هذا الوضع لم يشجع الحكومة على الاستثمار في التعليم الصناعي مما قلل من كفاءة الخريجين من هذا المساق، وحدث توجه لفتح كليات بدون النظر لما يلي التخرج، كجزء من ثورة للتعليم، موجهة للتباهي أكثر من إحداث تغيير حقيقي في المجتمع والاقتصاد. استراتيجية التعليم لا يمكن أن تكون جزيرة منعزلة لا ترتبط بكل المتغيرات الأخرى، ويجب علينا معالجة هذا الخلل فوراً ورصد ميزانيات للتعليم التقني لجعله مواكباً وإعداد كفاءات مؤهلة في مجالاتها، وربط التعليم الصناعي بحوجة السوق.

أخيراً لا بُد من العمل على جعل العائد المادي لخريجي التعليم الفني مجزياً -خاصة- في القطاع الخاص. كما ذكرت سابقاً لضرورة ربط التعليم بحوجة السوق ورفع الكفاءة مما سيرفع التنافس على العمالة الماهرة. مثلاً الطاقة الشمسية قد تساهم في حل جزئي لمشكلة الطاقة في الريف والأمر يحتاج لتدريب فنيين في التركيب والتشغيل والصيانة كمرحلة أولى والتصنيع لاحقاً إن أمكن توفير الطاقة في الريف الذي يقيم به معظم سكان السودان سيفتح فرصاً وظيفية هائلة لإنتاج حقيقي من توسع زراعي وصناعات تحويلية خفيفة تحتاج لخبرات فنية متخصصة في مجالات متنوعة، وارتفاع الطلب على أيدي ماهرة سيخلق وضعاً تفضيلياً لخريجي المساقات الفنية ورفع وضعهم الاجتماعي؛ مما يؤدي لمزيد من الإقبال عليها.

التعليم المهني والصناعي يسهم في النمو الاقتصادي وبدونه لا يمكن تحقيق أي طفرة اقتصادية إلا بإحضار عمالة ماهرة من الخارج وهو أمر يخلق إشكاليات كبرى علاوة على تكلفته الاقتصادية العالية، وهو أمر يمكن معالجته في بلد كالسودان لديه هرم سكاني شاب، أربع أخماس سكانه تحت سن الأربعين.

 

تلعب أساليب التدريس والمناهج دور أساسي في مسألة جودة التعليم، حيث يعاني المعلم في السودان من ضغوط اقتصادية و سياسية بالإضافة إلى انعدام التدريب و التوجيه مما أدى إلى ضعف العملية التعليمية ككل و إنتاج طلاب بمستوى متدهور تقل فرص إمكانية مواصلة تعليمهم. فكيف يمكن حل هذه المشكلة في الوقت الحالي للمعلمين الموجودين الآن في المدارس؟

المعلم يقوم بعمل جليل -لا شك- لكنه في الآخر يكسب عيشه من مهنة التدريس. الضغوط الاقتصادية التي تكرمتم بذكرها تضطر المعلمين للانتقال بين عدة مدارس في الأسبوع الواحد أو حتى في نفس اليوم ليستطيع مقابلة احتياجاته الحياتية. قد يكون وضع الذين يعملون في المدارس الخاصة أفضل حالاً، لكن علينا التذكر أن ما يزيد عن تسع أعشار الطلاب في المرحلة الابتدائية وثلاث أرباعهم في المرحلة الثانوية يدرسون في المدارس الحكومية حيث البيئة التعليمية أقل تجهيزاً بكثير وتتكدس الفصول الدراسية – إن وجدت فصول بسقف وجدران- ويقل الزمن الذي يمكن أن يقضيه الأستاذ مع الطلاب وفرصة متابعتهم بصورة لصيقة لحل القصور الذي قد يواجه بعض الطلاب أو الذين يحتاجون رعاية أكثر من بقية أقرانهم. صحيح أن الخدمة المدنية لديها قواعد في الرواتب والبدائل المالية تشمل كل موظف عام، لكن يمكن تمييز المعلمين إيجابياً بأقصى ما يمكن تحقيقه.

قلة العائد المالي خلقت وضعاً غير جاذب بالمرة في التوجه للدراسة بكليات التربية في الجامعات وفي العزوف عن الالتحاق بسلك التعليم، فقط حوالي ما يزيد قليلاً عن ربع المعلمين لمرحلة الأساس و ست أعشار معلمي المرحلة الثانوية لديهم شهادات جامعية (بكالوريوس)، ونسب منخفضة منهم خريجي كليات التربية.

المعلم رأس العملية التعليمية فالكتب لا تنطق من نفسها. التعليم عملية بناء معقدة وطويلة وبناء لمهارات الإنسان بصورة منهجية. فلو كان لدينا أفضل مناهج ولا تجد من يستوعب أهدافها وينقلها للطلاب ويتأكد من تحقق هدف الدرس و كيفية معالجة ما لم يصل، فنحن نقوم بخداع أنفسنا. فحتى المهارات الأساسية كالقراءة مثلاً، حسب إفادة السيد وزير التربية والتعليم فحوالي %40من طلاب المستوى الثالث ابتدائي لا يستطيعون قراءة كلمة واحدة و %60 من طلاب السنة الثانية لا يستطيعون إجراء عمليات الجمع والطرح البسيطة. لدينا نقص كبير في تدريب المعلمين، وما يزيد عن ثُلث المعلمين لم يتلقوا أي تدريب،وهو أمر لا يستقيم.

هذه المشاكل يجملها قلة الصرف على التعليم وانحسار أهميته في سلم اهتمام الحكومات المتعاقبة. وهي إشكاليات كبيرة، لكن يمكن إحراز تقدم معقول فيها في مدى زمني منظور لو التزمنا برسم سياسات عامة تضع التعليم في مكانه السليم، وفهم أهميته.لنتقدم اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً.

تعاني العملية التعليمية في السودان من مشكلات عديدة أبرزها وجود عدد كبير من الأطفال في سن الدراسة خارج المدارس. و على الرغم من أن الدستور السابق لجمهورية السودان كان ينص على أن الدولة تكفل مجانية التعليم والزاميته في مرحلة الأساس إلا أن الإحصائيات تؤكد على ارتفاع نسب الأمية في السودان، الذي من أسبابه تدهور التعليم الحكومي بسبب ضعف التمويل خاصة في الأرياف و الأطراف و ازدياد المدارس الخاصة التي يصعب على أغلبية المواطنين إلحاق أبناءهم بها، مما أدى إلى ظهور ثنائية Quality vs. Quantity فهل يوجد حلول في المدى القريب لهذه الإشكالية؟

ثلثا السودانيون يعيشون على حافة الفقر وليس لديهم فرصة إلحاق أبنائهم في مدارس خاصة. في كل 10طلاب في مرحلة التعليم العام، 9 منهم في مدارس حكومية. لو استصحبنا ما يزيد عن 3 ملايين طفل خارج مقاعد الدرس (ما يقل قليلاً عن نصف كل الطلاب في مرحلة التعليم الأساسي الآن) واستطعنا استيعاب بعضهم فنسبة الطلاب في الحكومي ستزيد بصورة كبيرة. لا مندوحة إذاً من الاهتمام بالتعليم الحكومي والحرص على تحقيق المسطور في الدساتير من مجانية التعليم الأساسي،خاصة والسودان لديه معدل نمو سكاني عالي، مما يحتاج للتوسع المستمر في كل الخدمات بما فيها التعليم.

لا أريد تكرار الحديث عن وجوب زيادة الصرف على التعليم لتحسين البيئة التعليمية من منشآت واجلاس للطلاب ومواد مساعدة في التعليم، والكتب المدرسية، والمنهج الجيد، والتأهيل للمدرس، وتوفير وضع مادي يكفيه ليعيش وأسرته وغيرها من اجراءت مطلوبة. هذه معادلة في غاية البساطة: زيادة الصرف ترفع من الجودة إذا تم توظيفها بصورة سليمة وعادلة في كل القطر. يمكننا الرجوع إلى مؤشرات الأداء المختلفة التي يمكن القياس بها مثل تقارير الموجهين ونسب توفر الكتب في الولايات وعدد الطلاب الذين يتشاركون في نفس الكتاب وعدد المعلمين المتدربين ونتائج قياس الطلاب من المقدرة على القراءة ونتائج الامتحانات الموحدة مثل امتحان الشهادة السودانية، لكشف الولايات الأكثر ضعفاً ومن ثَم اعطاءها أولويات في المعالجات وتكثيف العمل فيها.

لدي قناعة بحوجتنا لرفع الوعي بتكاملية أدوار المدرسة والأسرة والمجتمع المحلي في عملية التعليم. مجالس الأباء لديها دور ومصلحة كما أجهزة الدولة في وضع آليات لمراقبة جودة التعليم المقدم لأبنائهم وأقلاه مراجعة دورية لأداء المعلمين في مدارسهم. وهذا النوع من العمل غير مكلف مادياً و يحتاج لعملية تنظيم وتنسيق أكثر من أي شئ آخر. نحتاج لأفكار إبداعية لأنشطة غير صفية مثلاً لجعل المدرسة الحكومية جاذبة للأطفال بتكاليف قليلة، يمكن تمويلها ولو بجهد شعبي من المجتمع حول المدرسة وكمثال مبادرات كثيرة لتوفير مكتبات صغيرة في المدارس تحتوي على كتب تناسب المراحل العمرية للأطفال.

كما علينا التزام وواجب في توفير أساتذة مؤهلين لذوي الاحتياجات الخاصة. بعض الولايات لا يوجد بها حتى أستاذ واحد متخصص، والأمم تُقاس بالعناية بأضعف أفرادها.

رفع جودة التعليم ستنعكس في رضى الوالدين عن تعليم أبنائهم وتقليل التسرب من الدراسة. سمعت من بعض الآباء أن لا فرق بين من ذهبوا من أبنائهم للدراسة ومن لم يذهب مما يدفع بعضهم للتشكيك في جدوى العملية برمتها. وهو أمر لا يمكن لومهم عليه؛ لانخفاض جودة العملية التعليمية المعلومة للجميع. وهو أمر لا يتم إلا ببذل جهد كبير للتحول من التعليم القائم على التلقين لتمليك مهارات تساعد في بناء مجتمع مزدهر. ما يجب عمله كثير وكثير جداً. علينا التحرك اليوم قبل الغد. القوة البشرية الشابة التي نملكها إذا لم تُدرب جيداً، و تتحول لطاقة بناء؛ ستتسرب لتكون في الجانب الآخر، وهي تكلفة باهظة سيدفع كل فرد في المجتمع ثمنها.

عن المحرر

Scroll to Top