Hiwaratjeel

مستقبل العمل السياسي بالجامعات

نصار علي : الرئيس السابق للمجلس التنفيذي للجمعية التسييرية لطلاب كلية العلوم الرياضية – جامعة الخرطوم 

حاوره : حسان الناصر 

ما بين أم درمان وجامعة الخرطوم كلية العلوم الرياضية والمعلوماتية، يقضي نصار علي معظم وقته، غارقاً في الاشتباكات التقنية المعقدة، قد يكون مسيره ما بين شارع الجامعةوأم درمان أقصر من حجم الاشتباكات التي يسهو فيها على جسر النيل الأبيض، وهو يستقبل جادات أم درمان الضيقة، تتقاطع في تفكيره بعض رياح العمل السياسي والطلابي بالجامعات، و التي تمر هي الأخرى بمنعطفٍ يبدو واضحاً للجميع، فما بين الإغلاق المستمر ومطالب الجامعة الأكاديمية التي انهارت في آخر سنوات سواء بثورتها أو فيروسها الذي أغلق قاعاتها.

إن سؤال مستقبل العمل السياسي يفترض أن هناك ماضي موجود، وحاضر متحرك. إلا أن هذا الافتراض يكذبه الواقع فلا الماضي بجيد حتى يتثنى له تشكيل حاضر، ولا حاضر يدعو المتفائل للتفكير في المستقبل. ولكن لا بأس من التحرك كخطوة للأمام وخطوتين للخلف لنفهم تعقيد العمل السياسي بالجامعات، كتلة مترهلة من الأحزاب السياسية التي أفقرت أبنيتها التنظيمية عبر ابتلاع المنظومة الطلابية، فبإرث (الطلاب وقود الثورة)إلى (الفصائل الطلابية) أزهق العمل السياسي المؤسسي وانقسمت التنظيمات الطلابية إلى شذرات تتبخر رويداً رويداً مع سنوات الجفاف والتحولات.

ضيفنا في هذا الحوار، هو الأستاذ نصار علي، رئيس ثاني دورة لأول جمعية تسييرية منتخبة لكلية العلوم الرياضية جامعة الخرطوم بعد الثورة، وعضو سابق بلجنة استعادة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم. 

سنحاول مع نصار أن نضع بعض النقاط على الحروف بخصوص هذه المسألة ونفتح طريقاً نحو نقاش قد يستمر طويلاً، نشكره على منح منصة حوارات جيل الثورة هذه الدقائق الثمينة من وقته، ونحن نعلم حجم المسؤوليات التي تقع على عاتقه هذه الأيام خصوصاً مع الالتزامات الأسرية والأكاديمية .

مرحباً نصار وشكراً لك على قبول الدعوة لإجراء هذا الحوار، أولاً دعني أبارك لك اجتياز الفصل الدراسي الثامن، لقد علمنا من بعض الأصدقاء اجتيازك له، ومن ثم دعني أقوم بتأطير سريع حول الجامعة كمؤسسة حديثة يقع على عاتقها إصلاح ونقد وبناء عقول لصالح المؤسسات والمجتمع، كيف تنظر إلى الجامعة في السياق السوداني طوال تاريخ المؤسسة في السودان منذ إنشاء (غردون كوليدج)؟

حينما أنشأ المستعمر الجامعة كان الهدف هو تخريج صغار الكتبة والموظفين للمساهمة في تسيير دولاب الدولة وقتها، تطورت الجامعة وتمت إضافة الكليات في التخصصات المختلفة لتصبح أول مؤسسة تعليم أعلى في السودان، الجامعة تبقى شاهداً على فترة التحديث التي حصلت أيام الحكم الاستعماري، أسوةً بالمشاريع الكبرى التي تم إنجازها في تلك الفترة كمشروع الجزيرة وشبكة السكك الحديدية.

طوال تاريخها اكتسبت الجامعة موقعاً مميزاً باعتبارها مؤسسة أكاديمية مرموقة، وكمنتج للفاعلين السياسيين في الفترات المختلفة من تاريخ السودان، ورغم أن الجامعة تراجعت في السنين الأخيرة، إلا أنها لا زالت تحتل مكانة عالية في السياق السوداني.

جامعة الخرطوم في العام 1901م . المصدر : ارشيف الجامعة على ويكبيديا

من خلال النظر إلى هذا التطور التاريخي بين الجامعة والحركة الوطنية التي اكتسبت وعيها ضمن هذا النسق الحداثي ذو السحنة الاستعمارية كيف يمكن النظر إلى تجربة المنظومات السياسية داخل حرم الجامعات، وأعني بالتاريخي الأحداث والتجربة أيضاً؟

 ارتبطت الجامعة عموماً بالتنظيمات الحديثة بشقيها العلماني والإسلامي التي أتت كردة فعل على هيمنة الحزبين الكبيرين الذين يمكن اعتبارهما وجه الممارسة التقليدية للسياسة في السودان، وتاريخياً خرجت الجامعة عدداً من رموز هذه التنظيمات كالترابي ومحمود محمد طه وعلي عثمان محمد طه ومحمد ابراهيم نقد وجوزيف قرنق وغيرهم، كما ارتبطت بواحدة من أكبر الأحداث السياسية في السودان وهي ثورة أكتوبر، بالتالي يمكن النظر للجامعة بوصفها شكلت مصنعاً للكوادر السياسية التي تصدرت العمل السياسي في الدولة السودانية.

ما بين الجامعة كسلطة تابعة والمنظومة الطلابية كجزء تابع للأحزاب السياسية هل يمكن القول بأن المنظومة الطلابية واقعة في ورطة التبعية للمنظومات السياسية الحزبية؟ وهل هذه التبعية خصم أم جزء من واقع سياسي واجتماعي؟

نعم يمكن القول بذلك من مشاهدة تاريخ العلاقة بين الأحزاب السياسية والتنظيمات الطلابية، حيث اعتمدت الأحزاب على عضوية التنظيمات الطلابية لشغل المناصب الحزبية بعد التخرج، هذه التبعية فرضتها عدة ظروف. أولاً فشلت التنظيمات الحديثة في اقتحام القواعد التقليدية للحزبين الكبيرين، ولم يكن لها مجال سوى أفراد الطبقة الوسطى الناشئة في السودان التي تركزت بصورة رئيسية في الجامعات وخريجيها، ويتجلي هذا بصورة واضحة عند النظر لنتيجة انتخابات ١٩٨٦ (نسبة فوز أحزاب كالجبهة الاسلامية والحزب الشيوعي في دوائر الخريجين مقارنة لنسبة فوزهم في الدوائر الجغرافية). ثانياً تمتعت الجامعات بقدر معقول من الحريات السياسية، بل وكانت في فترات المنابر الوحيدة للعمل السياسي، حيث كانت المخاطبات والمناشير وغيرها خارج أسوار الجامعة كفيلة بإيداع صاحبها في زنازين الأمن، ورغم أن العمل السياسي داخل الجامعات لم يخلُ من العنف والاعتقالات، إلا أنه وبصورة كبيرة كان أقل خطورةً من العمل خارجها. هذه التبعية جزء لا يتجزأ من العمل السياسي في السودان منذ مؤتمر الخريجين وحتى هذه اللحظة.

كيف يمكن فهم الحراك الطلابي (بعيداً عن مسألة مقاومة الشمولية) في جانب عملي سياسي، ماهي القيمة المضافة للمؤسسة الأكاديمية كالجامعة ؟

للأسف الحراكات الطلابية ظلت رهينة هذا المربع (مقاومة الشمولية)، والمتابع لتاريخنا القريب والبعيد يجد أن اللحظات الكبرى وازدهار العمل السياسي الطلابي دائماً ما كان مرتبطاً بمعارضة سلطة شمولية، الناظر لاتحاد جامعة الخرطوم على سبيل المثال، يجد أنه في فترة النظام المايوي ذي النزعة العلمانية واليسارية في السبعينات، كان اتحاد طلاب جامعة الخرطوم من نصيب الإسلاميين، وفي فترة نظام الإنقاذ كانت القوى المعارضة للنظام هي المسيطرة على المشهد، للأسف عدم استقلالية العمل الطلابي حتى ولو نسبياً أدى إلى تحوله لساحة معارضة السلطة القائمة فقط مع إهمال الجوانب الأخرى، حتى التوثيق للتجربة لا يوازي غنى وتاريخ العمل السياسي بالجامعات، أما من ناحية الإضافة المعرفية، والانتاج المعرفي المضبوط، فإن المحصلة تقارب الصفر، وبالتالي لا يمكن القول أنه أثر بشكل ملحوظ على الجامعات كمؤسسات إنتاج معرفة أكاديمية.

الشرطة تقمع احتجاجات بيع جامعة الخرطوم في العام 2016م . المصدر : سودان تيربون

هل يمكن أن نقول بأن المنظومة السياسية داخل الجامعات قد أصبحت فقيرة من خلال أدوات عملها، فهناك تطور كبير خلق فجوة ما بينها وبين الواقع، وهل هذه معضلة السياسي أيضاً في العموم؟

 نعم، وتراجعت بشكل كبير أمام أشكال أخرى في المجال العام. من ينظر إلى الجامعة اليوم بجد أن التنظيمات السياسية التي لطالما تصدرت العمل العام داخل أسوارها قد تراجعت لصالح أشكال أخرى من الممارسة كالجمعيات الطلابية والروابط، الأدوات القديمة كالملصقات وأركان النقاش فقدت كثيراً من ألقها في الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تطور الإعلام البديل ووسائل التواصل الإجتماعي، الطلاب اليوم منفتحون على محتوى غير مرئي ومسموع غير مسبوق في تاريخ البشرية، وتبدو الأدوات القديمة أمام هذا المحتوى ضعيفة وبدائية. كذلك الحمولة المرتبطة بالأركان (واجهات للمعارضة وأدوات للتحريض السياسي) تجعل عملها في وضع بدون عدو واضح كالفترة الحالية شيئاً في غاية للصعوبة، الإغلاق المتكرر للجامعات، وانقطاع الخبرات بين الدفع زاد من صعوبة الأمر، لا بد من مراجعة محتوى وطرق تقديم هذه الوسائل إن كانت تسعى لخلق مزيد من التأثير، وما ينطبق على السياسة داخل أسوار الجامعة ينطبق على السياسة خارجها، فاليوم هنالك عزوف عام عن العمل السياسي المنظم، وعدم ثقة شديدة خصوصاً بين أفراد الأجيال الشابة في الأحزاب والتنظيمات كمؤسسات قادرة على صنع التغيير المنشود.

 مع التحولات التي حدثت بعد ديسمبر وإغلاق كورونا، هل المنظومة السياسية بالجامعات مواجهة بواقع مختلف أم أن هذه المرحلة طبيعية؟ وماهي التحديات التي تواجهها هذه المنظومات حالياً؟

الواقع مختلف تماماً كما ذكرت في الإجابة على السؤال السابق، الانقطاع الطويل وأشكال الفاعلية الجديدة كلجان المقاومة والروابط والأجسام المهنية المختلفة تضع المنظومة التقليدية للممارسة في السودان ككل -لا فقط الجامعة- في محك حقيقي، إما التطور أو الفناء، نحن في خضم مرحلة تشكل لجديد غير معروف، كل المعروف أن القديم لم يعد صالحاً، وهي المعضلة التي ذكرها غرامشي في اقتباسه الشهير، ولا يمكن التنبؤ بالمستقبل بأي درجة معقولة، كل الذي يمكن قوله أن الممارسة السياسية هي جزء لا يتجزأ من كل مجتمع طالما هنالك مصالح متناقضة للمجموعات المكونة له، كيفية التعبير عن هذه التناقضات، ومدى قدرة التنظيمات على إقناع أفراد المجتمع بقدرتها على تحقيق مصالح كلية أو جزئية لهم هو مربط الفرس، برأيي هذا هو التحدي الحقيقي، ويتطلب شجاعة في نقد التجربة الحالية.

 ماهي المعالجات النظرية التي نتوقعها من المنظومة الطلابية وهل هناك تقاليد ستمكنها من القيام بهذا الواجب النظري؟

التقييم الصادق والنقد لتجربة العمل السياسي داخل الجامعات حتى تاريخ هذه اللحظة، كما أشرت مسبقاً للأسف ظل المنتوج المعرفي ضعيفاً داخل الحركة السياسية الطلابية بالإضافة لضعف التوثيق للأحداث، لذلك سيكون الأمر عسيراً للغاية.

 السياسي الحركي  الأداتي سيطر موخراً على مفاصل العمل السياسي الطلابي وغابت العقول المفكرة،إلى أي مدى يعتبر هذا خصماًعلى الحركة السياسية الطلابية وماهو مستقبل التفكير داخل أروقة المنظومات؟

لا أعتبر ذلك -في حال حدوثه فعلاً- خصماً على العمل السياسي الطلابي، في نهاية الأمر السياسة ممارسة عملية خصوصاً في سياق كالجامعة، الأولوية يجب أن تكون دائماً لقضايا داخل الجامعة، ثم القضايا خارجها التي تتقاطع مع القضايا التي بداخلها، ومحاولة تحقيق أكبر مكاسب للطلاب، لكن ذلك لا يعني إهمال الجانب النظري، ولكن التجربة دائماً هي الأساس، بالنسبة للجزء الثاني لا أعتقد أني -كشخص خارج هذه المنظومات- مؤهل للإجابة على مثل هذا السؤال

هل سنشهد موت العمل السياسي المنظم في الجامعات؟

لا أعتقد، حتى في ظل فقدان العمل السياسي المنظم لكثير من بريقه في الفترة الأخيرة، ولكن الإرث السياسي الطويل بالجامعات كفيل باستمرار التجربة، وضخ دماء جديدة داخل التنظيمات.

كيف تتوقع نهاية الحقبة الحالية من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للعمل السياسي بالجامعات؟

سيقل دور التنظيمات السياسية في الجامعات، وستتراجع أمام التنظيمات الطلابية الأخرى كالروابط والجمعيات، وأعتقد أنه في حالة عودة الاتحادات الطلابية فإنها ستشهد مقاعد لأفراد غير منظمين سياسياً بنسب غير مسبوقة.

عن المحرر

Scroll to Top