Hiwaratjeel

جدوى العقوبات الأمريكية مرهونة بتعاون الإمارات

كتابة: ياسر زيدان
ترجمة: عبدالباقي الناجي
مراجعة: محمد الكامل

الأمير محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات (يمين) الفريق محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع ( يسار)

مقدمة وحدة الترجمة:

منذ تشكله بخغرافيته السياسية الحديثة، جذب السودان انتباه الباحثين والكتاب من متخلف الأجناس. فقد وفّر السودان بواقعه المضطرب، وأرضه الشاسعة مواضيع للبحث في كل المجالات. وقد شكّلت البلاد، دراسة حالة لمن يبحث في الحرب الباردة،  وأرضاً خصبة لدارسي الاقتصاد السياسي، ونموذجاً لتحليل العلاقات الخارجية، وأبحاث السلام والتنمية- على سبيل المثال لا الحصر. ولم تبخل أرض البلاد يوماً عن توفير سؤال بحثي لدراسته. أنتج هذا الاهتمام عدداً من المؤلفات، والمراجع القيمة مثل مؤلفات تيم نبلوك، ويوشيكو كوريتا، ومحمود ممداني، وأليكس دي فال  وغيرهم. وقد حظيت بعض المؤلفات باهتمام الباحثين والمترجمين السودانيين، مما سهل وصولها للعامة.

لكن جاذبية السودان ليست السبب الوحيد  لإنتاج المعارف والعلوم المرتبطة به بلغات غير العربية.  فقد تمظهر التدخل الخارجي السافر في الشأن السوداني في حصول الأجانب على معلومات حساسة وحصرية، لا تتوافر لدى السودانيين، بفضل شبكة العلاقات  التي تمكن الأجنبي من الحصول على المعلومة و طرحها وتقديمها  للجمهور قبل غيره.  كما أن صناع القرار السودانيين يفضلون أحياناً تقديم معلومات، أو أخبار  للصحفيين أو دبلوماسيين أجانب  مقابل توطيد علاقتهم أو تحسين صورتهم لدى العالم الغربي.  وقد تبين هذا في عديد من المقالات والأوراق التي تصدر عن دور نشر و صحف غربية. لهذه الأسباب، وجدنا أن ذلك، بالإضافة لكثرة المواد المكتوبة عن السودان بغير اللغة العربية وجودتها، يتحتم علينا أن ننشئ وحدة للترجمة تبحث في  هذه المواد، و تترجمها من لغتها الأصلية إلى لغة أصحاب الشأن ( اللغة العربية).

يصبح هذا الواجب أكثر إلحاحاً ونحن نشهد دخول بلادنا في حرب ضروس سُفكت فيها دماء الآلاف من أبناء شعبنا وهجر وأفقر فيها الملايين. تظهر قتامة هذا الواقع جلياً حين نلاحظ أن السوادنيين يعانون من ويلات حربٍ يدار جُلّ أمرها خارج السودان، من التمويل والتسليح وحتى التحركات السياسية والدبلوماسية. يعلمنا هذا الواقع درساً صعباً، هو أن أمرنا وشأننا من شأن العالم من حولنا، وأن الفاعل السياسي الساعي في درب التحرر مجبر على إدراك العوامل الخارجية وفهمها ووضعها في الحسبان.

وعليه، ستعكف وحدة الترجمة، في الفترة المقبلة، على البحث في المقالات  والمواد المكتوبة باللغة الإنجليزية التي  تعالج الدور الخارجي  في الحرب الدائرة بالسودان.

قامت الولايات المتحدة الأمركية، في شهر سبتمبر الماضي، بفرض عقوبات على عدد من قادة قوات الدعم السريع المدعومة من مجموعة فاغنر الروسية. ظلت هذه القوات في حالة قتال مع القوات المسلحة السودانية منذ الخامس عشر من أبريل الماضي. على إثر هذه الأحداث، أصدرت وزارة الخارجية الأمركية قيوداً على التأشيرات بوجه اللواء عبدالرحمن جمعة -قائد قوات الدعم السريع بغرب دارفور- بسبب تورطه في انتهاكات لحقوق الإنسان.

وبصورة مشابهة، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية جملة من العقوبات بحق اللواء عبدالرحيم حمدان دقلو، قائد ثاني قوات الدعم السريع، وشقيق قائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي”؛ لدور قوات الدعم السريع في عمليات التصفية العرقية وانتهاكات حقوق الإنسان في السودان. ورغم أن ما سبق يشير إلى حدوث نقلة في سياسة الولايات المتحدة تجاه الحرب في السودان، فإن على واشنطون القيام بالمزيد لإيقاف العنف.

أصدرت الولايات المتحدة، في مطلع يونيو الماضي، عقوبات على القوات المسلحة والدعم السريع على حد سواء، مما يشير إلى تبني واشنطون لسياسة تساوي بين الطرفين المتحاربين. لكن حزمة العقوبات الحالية، والتي استهدفت الدعم السريع دون الجيش، تنبئ بتغير طفيف في موقف الولايات المتحدة. لم تستطع الولايات المتحدة تجاهل حليف فاغنر بالسودان، بعد أن بلغت جرائمه مستويات غير مسبوقة. ويتذكر العديد من المشرعين الأمريكيين جرائم الإبادة بدارفورعام 2003.

لم تتمكن قوات الدعم السريع من فك من ارتباطها بمليشيا الجنجويد سيئة السمعة التي قتلت الآلاف بدارفور، تحت قيادة حميدتي،  رغم حملات العلاقات العامة الباهظة لتحسين صورتها في الكونغريس. بيّنت الولايات المتحدة عبر حزمة العقوبات الجديدة، أنها لن تقف مكتوفة الأيدي، بينما تعيث مليشيا الجنجويد بشكلها الجديد فساداً في البلاد، و تكرر من ارتكبته قبل عشرين عاماً بإقليم دارفور. ورغم ما تمتلكه الولايات المتحدة من تحفظات إزاء الجيش السوداني، يظل الفرق جلياً بين جيش نظامي وميليشيا أسرية تساندها مجموعة فاغنر، وتدير معها مناجم ذهبٍ مرتبطة بروسيا.

لكن هذه العقوبات المفروضة على الدعم السريع، تفقد للفعالية لسبب واحد وبسيط، وهو أنها لن تضعف الدعم السريع عسكرياً بصورة معتبرة، ولن تردعه عن الانتهاكات وذلك بسبب ]أنها لا تمس[ الشبكات المالية الواسعة التي يديرها الدعم السريع من الإمارات العربية المتحدة.

أوكل حميدتي لشقيقه الأصغر، القوني حمدان دقلو، إدارة مجموعة من شركات الظل بدبي؛ متبنياً الاستراتجيات المالية لمجموعة فاغنر. في ذات الوقت، تواجه الولايات المتحدة صعوبات في إقناع شريكها الخليجي بالالتزام بتطبيق العقوبات المفروضة على فاغنر والكيانات الروسية، في ظل تقارير تبيّن استمرار أنشطتهما في الإمارات رغم العقوبات الأمركية. 

زار مسؤولون كبار من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي دولة الإمارات هذا الشهر ( سبتمبر) لحثها على إيقاف إعادة تصدير البضائع ذات الاستخدامات الثنائية (مدنية و عسكرية) لروسيا. على واشنطن أن تتبع ذات المنهج للضغط على الإمارات العربية المتحدة للكشف عن امبراطورية  الدعم السريع المالية، وأن تستهدف الكيانات التي تمول الجرائم ضد الإنسانية بالسودان.

إضافة إلى ذلك، يجب على أن تزيد من ضغطها على الإمارات المتحدة لتوقف شحنات الأسحلة المرسلة إلى قوات الدعم السريع. فقد كشف تقرير حديث لصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية عن وصول عشرات من شحنات الأسلحة الإماراتية إلى للدعم السريع عن طريق مطار أم جرس، شرقي تشاد. علاوة على هذا التقرير، أظهرت بعض اللقطات من السودان حيازة الدعم السريع على أسلحة متطورة. فقد بيّنت العلامات الملصقة بإحدى الطائرات المسيرة التي أسقطها الجيش أنها  صربية الصنع، وأنها بيعت إلى الإمارات المتحدة. كما كشف أحد مقاطع الفيديو عن امتلاك الدعم السريع لمدافع كورنيت المضادة للدروع، والذي حصل عليه الدعم السريع من فاغنر مقابل الذهب. استخدمت قوات الدعم السريع هذين السلاحين، في هجمة حديثة جنوب الخرطوم.

ورغم كل ذلك، لم تصدر الولايات المتحدة أي إدانة أو شجب نحو شحنات السلاح التي أرسلتها الإمارات إلى الدعم السريع. وقد أكدت ليندا توماس- قرينفيلد، سفيرة الولايات المتحدة بالأمم المتحدة،  في حوارمع برنامج ” نيوزآور” تدفق السلاح إلى السودان عبر دول الجوار، رغم امتناعها عن تسمية بلدان بعينها. ولم تمتلك قوات الدعم السريع هذه الأسلحة المتقدمة عندما حاولت الانقضاض على السلطة في أبريل الماضي، والآن، باتت قوات الدعم السريع قادرة على مهاجمة القواعد العسكرية المحصنة، ومحاصرة الأحياء السكنية بفضل هذه الأسحلة المتطورة. 

يطيل استمرار حصول الدعم السريع على الأسلحة المتقدمة أمد النزاع بالسودان، ويمكنه من إضافة مزيد من الانتهاكات لسجلاته. إن إيقاف هذه الإمدادات من شأنه تغيير الموازين على أرض المعركة بصورة معتبرة، لأنه سيحد من قدرات الدعم السريع على مهاجمة سلاح المدرعات، وبقية قواعد الجيش. كما أن هذه الخطوة ستجمد مشروع فاغنر بالسودان، والذي يستفيد من ذهب السودان في تمويل العمية العسكرية روسيا بأوكرانيا.

تمتلك الولايات المتحدة النفوذ الكافي للتأثير على دولة الإمارات، وإثنائها عن التحالف مع حميدتي، ودفعها للعمل على متابعة مصالحها الاستراتيجية الأخرى بالمنطقة. تظل دولة الإمارات شريكاً أمنياً واقتصادياً رئيسياً للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، رغم الفتور في العلاقات الثنائية مؤخراً. 

تمتلك الإمارات مصالح محورية في مواني السودان وأراضيه الزراعية. فقد أماطت الإمارات اللثام، قبيل الحرب بأشهر معدودة، عن مشروع تبلغ قيمته 6 مليار دولار أمريكي على البحر الأحمر بشرق السودان. شمل المشروع ميناء جديداً، ومطاراً، إضافة لطريق بري يربط هذه المنشآت بمنطقة زراعية بشمال السودان.

يمكن لدولة الإمارات المحافظة على مصالحها بالسودان دون دعم حميدتي و مليشياته، فسودان مستقر وآمن هو البيئة الأمثل لنجاح هذه الاستثمارات. تجدر الإشارة إلى أن سكان شمال وشرق السودان،، يناصبون قوات الدعم السريع عداءً شديداً؛ لنزوح العديد من ضحايا الدعم السريع إلى هذه المناطق عقب أحداث العنف الأخيرة. فقد دمرت الإمارات العربية المتحدة صورتها العامة في السودان، ومصالحها الاستراجية طويلة الأمد بسبب دعمها للدعم السريع.

” علينا اتخاذ خطوات آنية، بدلاً من زيادة التهديدات”، كانت هذه دعوات جو بايدن، عضو مجلس الشيوخ حينها، وهو يدعو إلى توقف فوري للإبادة الجماعية بدارفور في العام 2007. إنّ الولايات المتحدة الأمريكية بحوجة ماسة للاستماع لآراء أعضاء الكونغريس المطالبين باتخاذ تدابير تجاه متركبي الانتهاكات تجاه السودانيين، مع دخول الحرب لشهرها السادس.

إنّ تعيين مبعوث خاص للسودان ضروري للتأكيد على الدور الفاعل للولايات المتحدة، ولتنسيق الجهود بين إدارتي إفريقيا والشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية. لكن أهم التدابير التي يجب على الولايات المتحدة اتخاذها هو منع قوات الدعم السريع من تمويل وتسليح حملات الإبادة عبر الشركات التي تديرها بالوكالة في دولة الإمارات. يجب على جو بايدن التحرك، حتى لا تركتب إبادة جماعية أخرى أمام عينيه.

ترجم هذا المقال عن النسخة الأصلية المنشورة باللغة الإنجليزية في موقع Foreign Policy  في سبتمبر من العام 2023

رابط المقال:

U.S. Sudan Sanctions Won’t Work Without the UAE’s Help 

عن المحرر

Scroll to Top