Hiwaratjeel

المعونة الأمريكية: حل للأزمة أم إعادة لإنتاج ظروفها؟

إعداد: عبد الباقي الناجي

 

في أبريل من العام 1958، أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية وحدة للعون الاقتصادي بالخرطوم، بعد إعلان الحكومة السودانية بقيادة رئيس الوزراء عبدالله خليل ( 1956-1958) وصولها لاتفاق مع الحكومة الأمريكية حول المعونة الأمريكية. لكن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ إلا بعد انقلاب اللواء إبراهيم عبود ( 1958-1964)، حيث صادق على المعاهدة فوراً، في التاسع والعشرين من نوفمبر 1958؛ أي بعيد استلامه للسلطة بأسبوعين.  خلال ستة أعوام من تفعيل المعونة حصل السودان على دعم مالي و تنموي من الولايات المتحدة بما يتجاوز السبعين مليون دولار أمريكي، موزعاً على أربعة قطاعات:  دعم و تطوير التعليم الأكاديمي و التقني،  البحث والتوسع في الزراعة للتقليل من الاعتماد على القطن، تطوير البنية التحتية بإنشاء الطرق السريعة و إجراء دراسات الجدوى، و تعزيز الصناعة عبر تمويل القطاع الخاص. [1]

بالرغم من الأموال التي تم ضخها في الاقتصاد السوداني، كان برنامج العون الأمريكي، أو ما تم التعارف عليه شعبياً ب” المعونة الأمريكية”، سبباً للشد و الجذب بين الأطراف السياسية بالسودان؛ فقد دعمه حزب الأمة، و عارضه الشيوعيون والحزب الوطني الاتحادي، بينما بقي موقف حزب الشعب الديمقراطي متأرجحاً بين الدعم والرفض.[2]  ويمكن الزعم أن ” المعونة الأمركية” كانت أحد أبواب الخلاف الكبيرة بين الائتلاف الحكومي بين الأمة والشعب الديمقراطي، و أنها لعبت دوراً كبيراً في خلق أجواء التوتر التي سهلت عملية تسلم إبراهيم عبود للسلطة.

لقد ارتبطت ” المعونة الأمريكية” بمبدأ أيزنهاور لملء الفراغ، والذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور ( 1953-1961) أمام الكونغرس الأمريكي في مطلع العام 1957 لمجابهة المد الشيوعي، خصوصاً في المناطق التي تشهد حراكات قومية من أجل الاستقلال.[3]  في هذا المقال، سنحاول فهم علاقة السودان بمبدأ أيزنهاور، و حوجة السودان ” للمعونة الأمريكية”، و مواقف القوى السياسية من ” المعونة الأمريكية” و دوافعها، وعملية التداول حولها،  و نختتم بمحاولة لتقييم هذه المواقف و تأثيرها على السودان.  

 

 

مبدأ أيزنهاور، وسياسة ملء الفراغ:

أحدثت الحرب العالمية الثانية ( 1939-1944) تحولاً كبيراً في موازيين القوى العالمية؛ فصعدت دول، وهبطت أخرى بتأثير الحرب و خسائرها. لكن المنتصر الأبرز من هذه الحرب كان الولايات المتحدة الأمركية، إذ لم تتعرض لخسائر تذكر مثل التي تعرضت لها دول الحلفاء مثل بريطانيا و فرنسا، مما أفسح لها المجال للتربع على عرش العالم بدلاً عن القوى الاستعمارية الكبرى.

لم تكن القارة الإفريقية مثار اهتمام الأمريكان عقب نهاية الحرب، حيث أن  اجتماعات “دومبارتون أوكس” حول إنشاء منظمة دولية للأمن والسلم العالميين، والتي انعقدت في وانشطون في 1944 بين كل من: الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي، الصين، و المملكة المتحدة؛ لم تتطرق مطلقاً للمستعمرات الإفريقية، قبل أن تدخل في أجندة النقاش عند عقد مؤتمر سانفرانسيسكو، والتي أثمرت عن إنشاء عن الأمم المتحدة.[4]

 خلال مؤتمر يالتا الذي جمع بين كل من الولايات المتحدة، والاتحاد السوفياتي، و المملكة المتحدة؛  تم الاتفاق على تكوين أنظمة ديمقراطية عبر انتخابات في المناطق المحررة من دول المحور والنازية.  لكن سرعان ما تحولت الأنظمة في شرق أوربا إلى أنظمة تابعة لموسكو، و بل و تمددت الأحزاب الشوعية في أوربا الغربية، لدرجة حصول بعضها على خمس مقاعد البرلمان، مما جعل  النظام الرأسمالي يشعر بالتهديد في عقر داره.[5] زاد تمدد الشيوعية و تأثيرها على مواقع استراتجية في العالم، مثل الصين و شبه الجزيرة الكورية، من مخاوف الولايات المتحدة. على إثر هذه التطورات أنشأت الولايات المتحدة  حلف شمال الأطلنطي ” الناتو” في العام 1949، بغرض دعم الأنظمة الأوربية الحليفة من خطر الشيوعية-كما يصنفها الغربيون. كان على الولايات المتحدة الموازنة بين عدد من الأهداف المتباينة، بل والمتناقضة في أحايين عدة؛ فبينما كانت تسعى لدعم الحركات القومية في المستعمرات و احتواء هذه الحركات والحيلولة دون تأثير الشيوعية عليها، لم تكن تريد أن تغضب الدول الاستعمارية المتحالفة معها.  لكن  رواج و قبول الشيوعية و خطابها في المستعمرات و سكانها، خصوصاً وأنها قد  تناولت موضوع الاستغلال و السخرة الذي تمارسه القوى الاستعمارية، دفع الولايات المتحدة للعمل على تضمين المستعمرات في خطة مارشال، والتي كانت تهدف لإعادة إعمار الدول الأوروبية المتاثرة بالحرب، لكن المسعى لم ينجح.[6]

  على كل حال، أولت إدارة الرئيس الأمريكي هاري ترومان ( 1945-1953) اهتماماً  أكبر بالقارة الأفريقية  فترته الثانية، خصوصاً بعد تزايد الخلاف حول الملف الأفريقي و كيفية إدارته ( بصورة مباشرة أم عبر الدول الاستعمارية). في ضوء هذه التعقيدات أعدت وزارة الخارجية ورقة سياسات عن القارة الإفريقية في  أبريل من العام 1950، بعنوان: “مستقبل إفريقيا”. أكدت هذه الورقة على أهمية المحافظة على سمعة الولايات المتحدة كدولة داعمة لمطالب الشعوب الأفريقية في الاستقلال، و حرصاً منها على عدم إغضاب القوى الاستعمارية الحليفة قررت الولايات المتحدة تخصيص الأموال لدعم هذه الشعوب عبر القوى الاستعمارية تحت بند خطة مارشال. [7] وفي أواخر العام 1950،  تم إنشاء ديوان خاص بالشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الأمريكية. و تبع ذلك توطيد  للعلاقات بين الأمريكان و الزعماء القوميين في القارة الإفريقية، مثل الغاني كوامي نكروما، الذي كان بمثابة رئيس وزراء سلطة الحكم الذاتي في غانا ( ساحل الذهب وقتها)،  زار الولايات المتحدة في العام 1951، و اجتمع بمساعد وزير الخارجية الأمريكي جورج مكغيي. وعقب هذه الزيارة، التي ناقشت الشيوعية و الاستقلال، قامت الولايات المتحدة بترفيع حضورها الدوبلماسي في  أكرا، وجعلت منها مركزاً لعمياتها في غرب إفريقيا. [8]

في شمال القارة، كانت مصر قابعة تحت الحكم الملكي، بينما يعيش الشعب المصري في فقر مدقع. وكان نمط الحياة البدخية التي يعيشها الملك فاروق مصدر قلق للأمريكان، حيث رأوا أن هذا السلوك يعتبر باباً لتغلغل الخطاب الشيوعي في مصر، التي كانت مهمة بالنسبة للمصالح الأمريكية.[9] حاول الأمريكان جعل الملك فاروق رجلهم في مصر، لكنهم وصلوا إلى أن مراهنتهم عليه فاشلة، لذلك لم يعارضوا تحرك تنظيم الضباط الأحرار للإطاحة بالملكية في مصر، وهو ما نجح في ثورة يوليو 1952، والتي جاءت باللواء محمد نجيب ( 1952-1954) على رأس السلطة. وقد كانت الولايات المتحدة عبر ملحقيتها العسكرية، تجتمع بعدد من ضباط الجيش المصري لمناقشة ملفات التسليح و التدريب، و خطر الشيوعية في الأعوام التي سبقت الثورة.[10]وقد قضى علي صبري، أحد أفراد تنظيم الضباط الأحرار فترة تدريبية في الولايات المتحدة. والأرجح أن تلك الفترة و التفاهمات حول هذه المواضيع هي ما دفعت الولايات المتحدة لعدم التدخل، بل  ودعم الثورة.  كانت الولايات المتحدة تظن أن بمقدورها السيطرة على التنظيم، وقائده الفعلي جمال عبدالناصر ( 1954-1970)، والذي تبين أنه تقدير خاطئ فيما بعد.  

تزامن صعود الضباط  الأحرار للسلطة، وتعزيز نفوذههم فيها مع انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد دوايت أيزنهاور (1953-1961)، وقام الجيش المصري بابتعاث عشرات الضباط للتدريب بالولايات المتحدة، بما فيهم ستة من عناصر تنظيم الضباط الأحرار.[11] بعد أن  تم التغلب على الشيوعية ، أو احتوائها،  في أوربا الغربية، و استطاعت إدارة أيزنهاور، أن تعمل على وقف إطلاق النار في شبه الجزيرة الكورية. إزالة هذه الهواجس أتاح للإدارة الأمريكية فرصة لتناول ملفي إفريقيا والشرق الأوسط بمزيد من  العمق، و مصر بشكل خاص. [12]

كان الملف المصري أحد أسباب التباين الكبرى، بين الولايات المتحدة  والمملكة المتحدة؛ فقد كانت الولايات المتحدة تضغط على بريطانيا لإعادة تسمية الملك فاروق ملكاً على السودان كوسيلة  لكسب الملك فاروق و إرضائه، لكن بريطانيا رفضت ذلك باعتباره فضاً لاتفاقية 1936، وهو ما يعتبر هزيمة لها.[13] و باستثناء ملف الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في العام 1953، كانت العلاقات بين بريطانيا و أمريكا في أسوأ حالاتها، ووصل الأمر لدرجة تهديد بريطانيا للولايات المتحدة بحرمانها من حق الرسو في مياه المملكة المتحدة. [14]رأت الولايات المتحدة مصر والنظام المصري شريكاً مهماً و رئيسياً لحماية مصالحها في المنطقة، كما أنها رأت أن الوجود البريطاني في مصر يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية في المنطقة، وذلك بسبب تعامل النظام الملكي والجنود البريطانيين مع السكان في مدن القنال، واستخدام العنف المفرط تجاه المواطنين، و تضييق الحياة عليهم عبر قطع التيار الكهربي في الإسماعلية. لم يكن الموقف الأمريكي بسبب حرص على حياة و كرامة المصريين، بقدر ما هو تخوف من وجود قبول ورضا عن الشيوعية وسط المواطنين المقهورين. [15]

كان أمام الولايات المتحدة الأمريكية تحديان أساسيان، يقفان عائقاً أمام اضطلاع مصر بالدور المرسوم لها لحماية مصالح الأمريكان ووقف المد الشيوعي. الأول كان الصراع العربي الإسرائيلي، و الثاني كان الصراع المصري البريطاني.  في الملف الأخير، عملت الدبلوماسية الأمريكية للضغط على البريطانيين لتوقيع معاهدة 1954 بين مصر وبريطانيا، والتي نصت على سحب القوات البريطانية من قناة السويس، وهو ما يتوافق مع المصالح الأمريكية في المنطقة التي تتعارض مع الوجود البريطاني كما أشرنا سابقاً. في الصراع العربي الإسرائيلي، كانت مصر لاعباً مهماً و محورياً حيث يمتد تأثيرها لجميع الدول العربية؛ لذلك سعت الولايات المتحدة لإقناع مصر بالتفاوض على حل سلمي للصراع. قدمت الولايات المتحدة دعماً اقتصادياً وعسكرياً، كما تعهدت الولايات المتحدة بتمويل مشروع السد العالي في أسوان، والذي كان ضرورياً لبرامج التنمية التي تخطط لها الحكومة المصرية. [16]

كانت الإدارة الأمريكية، تحدث من  خطواتها و خططها في الملف المصري على الدوام؛ فقد ظنت أن دعمها لمصر سيكون كافياً لإقناع المصريين بالمضي في خطة سلام مع الإسرائيليين، وهو ما أطلق عليه خطة ألفا. لكن التعنت الإسرائيلي، ورفضه لحق العودة والأرض للفسلطينيين، علاوة على تلكؤ الولايات المتحدة في تقديم السلاح لمصر إما عبر المماطلة الإجرائية أو عبر ربطه بوجود خبراء عسكريين أمريكان؛ أثر سلباً على الخطة ألفا. ورغم أن الخطة ألفا، لم يكن ليكتب لها النجاح من الأساس حيث أن الولايات المتحدة لم تكن عازمة على الضغط على الإسرائيليين، لكن استمرار العدوان الاسرائيلي على مصر باجتياح غزة في مطلع العام 1955، و مقتل عشرات الجنود المصريين؛ دفع عبد الناصر للبحث عن السلاح شرقاً، حيث حصل على صفقة الأسلحة التشيكوسوفاكية الشهيرة، والتي تضمنت مئة طائرة ميغ، مئتي عربة مدرعة، بالإضافة لوعود من الاتحاد السوفياتي بتمويل السد العالي .[17] توجه المصريين شرقاً، و تبعات  مؤتمر باندونغ لدول الحياد الإيجابي في العام 1955، الذي عزز مكانة عبد الناصر وسط دول الحياد الإيجابي كتب النهاية للخطة ألفا، و دفع الأمريكان لتبني سياسة جديدة تجاه مصر، وهي العملية أوميغا التي بدأت في مارس من العام 1956. كانت سياسة عصا و جزرة بامتياز، حيث أرادت أن تستخدم تمويل المشاريع التنموية مثل السد العالي، و صفقات السلاح مع الشركات الخاصة كوسيلة للضغط على مصر في الوصول لاتفاق سلام.[18] جمدت الولايات المتحدة تعهداتها بتمويل السد العالي، وضغطت على شركات السلاح لخنق النظام اقتصادياً وعسكرياً لضمان رضوخه، وهو تقدير خاطئ لعبدالناصر و شخصيته كما أشرنا سابقاً.  من المعلوم أن السد العالي، كان محورياً لمشاريع التوسع الزراعي والصناعي في مصر بسبب توفيره للمياه والطاقة اللازمتين لإنفاذ هذه البرامج؛ لذلك سعى عبدالناصر لإيجاد مصادر بديلة للتمويل، و بدأ بتأميم قناة السويس في يونيو 1956.[19] كان تأميم قناة السويس، والانتخابات الأمريكية التي يحتاج فيها المرشحون للدعم اليهودي سبباً في تغيير أيزنهاور لموقفه و تصوره للدور المصري في احتواء المد الشيوعي، و هو ما أثمر ميلاد مبدأ أيزنهاور لملء الفراغ في السابع من يناير من العام 1957. ساهمت الظروف الإقليمية بعد العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر- نوفمبر من العام 1956 على نشأة هذه السياسة الجديدة،  والتي أدت لهزيمة بريطانيا و فرنسا سياسياً، مما مهد لفراغ قد يستفيد منه الاتحاد السوفياتي، كما أن التعاطف العربي مع مصر أقنع الإدارة الأمريكية بضرورة اتخاذ سياسة أكثر تطرفاً تجاه عبد الناصر الذي لم تعد أهدافه و مصالحه تتوافق مع المصالح الغربية ( التي اجتمعت مجدداً بعد العدوان الثلاثي – رغم الخلاف على استخدام العنف). نتيجة لهذا، وضع أيزنهاور خطة لدعم الأنظمة  العربية المحافظة والمتحالفة مع الولايات المتحدة والعالم الغربي، عبر الدعم الاقتصادي والعسكري ( إن دعت الضرورة)،  للحد من المد الناصري الذي بات رديفاً للمد الشيوعي من حيث التهديد للمصالح الغربية.[20] و من هنا  يظهر السودان في المشهد.

 

 

الحالة الاقتصادية للسودان:

كما هو معلوم، منذ بداية مشروع الجزيرة تجريبياً في مطلع العشرينيات و تحقيقه نتائج مرضية؛ عملت بريطانيا على تطوير و تمدد زراعة القطن في السودان، للاستفادة منه في تغذية مصانع الغزل و النسيج في المملكة المتحدة. [21] ظل القطن هو المحصول الرئيسي الذي يعتمد عليه الاقتصاد السوداني، وقد  كان مغرياً نظراً للتكلفة المنخفضة، والعائد العالي، مما جعل المملكة المتحدة تهمل بقية أجزاء القطر السوداني. [22]عقب الحرب العالمية الثانية، و تحرك الشعوب نحو الاستقلال، كانت مسألة الاقتصاد  والتنمية موضوعاً للنقاش والسجال بين المسؤولين، فكان فريق يرى التخطيط المركزي سبيلاً لمعالجة عدم المساواة الاقتصادية التي تزايدت بسبب الجفاف الذي ضرب دارفور في الأربعينيات و المجاعة بجنوب السودان. و رأى فريق آخر أن يتم تقسيم السودان لمناطق اقتصادية مستقلة يتناسب فيها النشاط الاقتصادي والمشاريع التنموية مع طبيعة المنطقة. [23]

في مطلع الخمسينات، كان السودان بحاجة لمسح اقتصادي شامل لتحديد موارد البلاد و كيفية الاستفادة منها في وضع خطط التنمية للمستعمرة التي تسعى لنيل استقلالها. نجاح المسح كان بحاجة لأن يكون من جهة مستقلة، وهو ما كان  يستوجب تقديم  طلب للبنك الدولي للإنشاء والتعمير لإرسال فريق خبراء لإجراء هذه المهمة، كجزء من برنامج  النقطة الرابعة.  لعبت التجاذبات السياسية بين شريكي الحكم في السودان ( بريطانيا -مصر) دوراً رئيسياً في عرقلة هذا التوجه، إضافة لبعض الترتيبات الفنية الأخرى. وقد كانت بريطانيا رفضت أن يستفيد السودان من خطة مارشال التي سبق ذكرها، بحجة انتهاك سيادتها على السودان. [24]

كان تمويل بريطانيا لأي مسح اقتصادي سيؤثر على استقلالية العمل، وبالفعل قامت بريطانيا بعمل مسح اقتصادي للمحافظات الجنوبية، التي ظلت معزولة عن المناطق الشمالية بأمر قانون المناطق المقفولة. لم يضع المسح في الاعتبار ربط المشاريع المقترحة بباقي السودان، بل عمل على خلق الجنوب كوحدة اقتصادية مستقلة أو أقرب للتكامل مع شرق إفريقيا، وهو ما طالب به بعض المثقفون الجنوبيون في تلك الفترة. [25]

عجز الاقتصاديون عن دمج نتائج فريق بحث قناة جونقلي في وحدة واحدة مع الاقتصاد السوداني. عشية الاستقلال، كان السودان أمام خيارات صعبة، إما المضي في استكمال الخطط الموضوعة من أواخر الأربعينيات من: توسيع لمشروع الجزيرة ( امتداد المناقل)، و إنشاء خزان الرصيرص، أو تمويل مشاريع جديدة غير مأمونة المخاطر. تشجعت الحكومة السودانية في تبني الخيار الأول، معولة على ارتفاع أسعار القطن عالمياً، والبيانات الاقتصادية المتوفرة لدى وزارة المالية. لم يكن في تقدير الحكومة أنه من الصائب المجازفة باستخدام الموارد المحدودة في إنشاء مشاريع تنموية جديدة؛ خصوصاً و أن النتائج التجريبية لزراعة القطن في مشروع الزاندي أثبتت فشلها بعد أن أنتج قطناً رديئاً لم يجد مشترياً سوى الحكومة نفسها ( مصلحة السجون). ولم تعمل الحكومة على التوسع في الصمغ العربي، نظراً لتشبع السوق العالمي به، مما يجعل زيادة الانتاج خصماً على العائد  المرجو. [26]

هكذا ذهب السودان نحو الاستقلال، وهو يعنمد خطة تنموية مبنية كلياً على تصدير القطن، على فرضية أن أسعار القطن ستواصل في متسوياتها المرتفعة، ووفرة البيانات حول القطن يسهل عملية التخطيط.  لكن سرعان من انهارت أسعار القطن عالمياً، و تكدس الانتاج مما جعل تمويل المشاريع التنموية الأخرى مؤجلاً، إلى حين ارتفاع أسعار القطن أو حصول السودان على أموال. وخلال عامين من الاستقلال تناقصت الاحتياطات الأجنبية من 62 مليون جنيه إلى 8 ملايين فقط. [27]  في ظل هذه الظروف، ومع تصاعد التوترات في جنوب السودان، كان السودان بحاجة ماسة للدعم الخارجي، وهو ما قد حاول السودان الحصول عليه عبر ” المعونة الأمريكية”.[28]

 

 

الطريق إلى الأزمة الاقتصادية:

إن النظر للظروف الاقتصادية والأزمة، بمعزل عن السياق الذي خلقها يجعل الصورة مشوهة و منقوصة و مضللة. إن تكييف الاقتصاد السوداني من قبل المستعمر البريطاني  نحو الاعتماد كلياً على القطن لم يكن محض صدفة؛ فقد كان هذا دأب القوى الاستعمارية كلها، بربط المستعمرات اقتصادياً بها عبر محاصيل نقدية بعينها. [29]يقوم النشاط الاقتصادي على انتاج محصول نقدي معين،  وتصديره للدولة المستعمرة كمادة خام، ويعود فائض القيمة من هذا المحصول بشكل كلي للدولة الاستعمارية، وهو ما كان يحدث في أمريكا اللاتينية عبر زراعة البن مثلاً.[30]

لم يكن للعاملين في جهاز الدولة، من كبار الموظفين، والذين بيدهم صنع القرار، و صناعة السياسات  أن يتبنوا نموذجاً اقتصادياً أو تنموياً غير الذي سنته القوى الاستعمارية. تدرب وتتلمذ هؤلاء الموظفين على يد المؤسسة التعليمية التي كانت تخرج السودانيين لأجل إدارة شؤون الدولة الاستعمارية؛ فما كان لهم أن يخرجوا عن طوعها، ولا عن التجربة التي تعلموها ممن هم فوقهم على رأس العمل قبل السودنة. علاوة على ذلك، كان لكبار الموظفين مصالح خاصة مع أصحاب كبار الملاك، و أصحاب الأراضي حيث عملوا كمترجمين،  ومستشارين قانويين وغيرها من المصالح التي تحتم عليهم الاستمرار في هذا النمط الاقتصادي.

تشير الأرقام و الإحصائيات إلى تضخم أعداد المشاريع المروية، والمزروعة قطن بشكل خاص، بصورة جنونية بعد الاستقلال؛ فقد قفز عددها من 400 مشروع في العام ال1950، إلى حوالي 2000 مشروع بنهاية الخمسينات،[31] وتضاعفت المساحة المزروعة قطناً في  النيل الأبيض عشرة أضعاف، لتصل إلى 200 ألف فدان في 1959، بعد أن كان القطن يزرع في 20 ألف فدان في العام 1950. [32] هذا التزايد و التضخم لا يتناسب مع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي مرت بها البلاد. كان معظم ملاك المشاريع الزراعية، من الزعماء الطائفيين أو كبار التجار الذين هم بطبيعة الحال قادة و رعاة حزبي الأمة والشعب المكونين للائتلاف الحكومي. تقاسمت هذه الطبقة الرأسمالية المكاسب مع السلطات الاستعمارية في النشاط الاستخراجي المرتبط بزراعة القطن. وفي ظل العائدات الضخمة التي كانت تجنيها هذه المشاريع، لدرجة استرداد بعضها لرأس المال في عام واحد، لم يكن للحكومة السودانية، كممثل لمصالح هذه الطبقات، أي مصلحة في التراجع عن هذا النمط. و عملت الحكومة، عبر التشريعات و جهاز الدولة، على دعم المشاريع الخاصة وملاكها على حساب الدولة والمزارعين والعمال. [33]على سبيل المثال، عند  حدوث أزمة القطن، أصدرت الحكومة قراراً بييع قطن القطاع الخاص، قبل بيع الأقطان التابعة للحكومة. وقد كانت لجان التحكيم في النزاعات بين المزراعين  وملاك المشاريع ميالة لصالح الملاك، مما يضاعف الفوائد للملاك و يقللها على المزارعين ( قد تمت الإشارة لهذا الموضوع باستفاضة في المقال الثاني من السلسلة).[34]  جدير بالذكر أن الحكومة كانت تتساهل مع الملاك لدرجة عدم تحصيلها لضرائب الأرباح منهم، بينما كانت تماطل في تسليم المزارعين أرباحهم لفترات تصل لعامين.[35]

لم تكن للمعونة الأمريكية أن تخرج من ذات النشاط الاستخراجي الذي صممه الاستعمار البريطاني؛ فقد كانت التقارير و الدراسات حول إفريقيا، تنظر إليها كمصدر للمواد الخام من معادن و محاصيل ضرورية كمدخلات إنتاج في الصناعات الأمريكية.[36]

من الأزمة الاقتصادية لتوقيع المعونة الأمريكية:

كان السودان من الدول المنضوية تحت لواء دول الحياد الإيجابي، وقد عقّد  إعلان مبدأ أيزنهاور في السابع من يناير من إقدام السودان على تقديم طلب للعون الأمريكي، نظراً لما يعد خرقاً للحياد الإيجابي.  كانت الولايات المتحدة تعمل على تفكيك كتلة الحياد الإيجابي، والتي مثلت مركز ثقل لجمال عبدالناصر، لكن الحالة السودانية كانت معقدة وشائكة.  و مما عقد تحصل السودان على المعونة، الائتلاف الحكومي بين حزبي الأمة والشعب؛ حيث يصطف الأول خلف القوى الغربية و مصالحها، بينما كان الثاني كوكباً يدور في فلك النظام المصري.  كان رئيس الوزراء عبدالله خليل، سكرتير حزب الأمة من أشد المتحمسين لمشروع المعونة.  في العشرين من فبراير من العام 1957، ألمح عبد الله خليل للسفير الأميريكي بالخرطوم لوويل بينكرتون أن حكومته ستتقدم بطلب للدعم الأمريكي، لكن دون أن تعلن عن ذلك. [37] و رغم أن منصور خالد أشار في مذكراته أن عبد الله خليل لم يكن يسعى للحصول على دعم عسكري نظراً لقوة و عدم حوجة الجيش السوداني لأي دعم؛ فقد أكدت المراسلات بين السفارة الأمريكية والخارجية  اجتماع عبدالله خليل مع مدير إدارة التعاون الدولي  جون هوليستر، في الثامن من مارس من العام 1957 و مناقشته سبل حصول الجيش السوداني على دعم عسكري لتعزيز فعاليته.[38] و تعضد وثائق وكالة الاستخبارات المركزية التي كشفت عن تحالف عسكري سري بين هايلي سيلاسي و خليل، بحصول السودان على دعم عسكري إثيوبي في حال تعرض البلاد لهجوم مصري من  احتمالية طلب خليل للعون العسكري من الأمريكان.  في الثالث عشر من مارس من ذات العام، زار ريتشارد نيكسون مساعد الرئيس الأمريكي السودان في خضم جولة على عدد من الدول الأفريقية المستقلة، وعلى رأسها غانا التي نالت استقلالها حديثاً. في اجتماعه مع نيكسون، أرسل عبدالله خليل تطمينات أن السودان سينضم لمشروع أيزنهاور،  وأنه قادر على الحصول على  دعم في حزبه في هذا  المسعى. كان الخلاف واضحاً حول مبدأ أيزنهاور، ليس بين الحكومة والمعارضة فحسب؛ بل داخل الائتلاف الحكومي نفسه كما أشرنا. تبدى هذا الأمر عند زيارة  السفير جيمس ريتشاردس، مساعد الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، في العشرين من أبريل من العام 1957. [39]

جمدت الحكومة السودانية المفاوضات حول ملف المعونة بعد تلك الزيارة، لمنع الائتلاف الحاكم من الانهيار، وهو ما يعني فشل حزب الأمة في تمرير قانون الانتخابات الجديد الذي يضعه في أفضلية، وهو ماقد ناقشناه في المقال السابق.[40]  بالتزامن مع تحرك عبدالله خليل نحو المعونة، لم يرد أن يترك العلاقة تتدهور مع المصريين. فمنذ أن تم إعلان مبدأ أيزنهاور، صرح خليل بعدم رغبته في الإضرار بمصر،  وأتبعها بزيارة. في فترة لاحقة من ذات العام أرسل خليل موفداً لمصر لسماع موقفها من مبدأ أيزنهاور، وفي سبمتبر أعلنت الحكومة السودانية استئناف مفاوضات مياه النيل. ورغم أن الخطوة أثارت الاستغراب، إلا أن عبدالله خليل على ما يبدو كان يريد أن يبقي كل الخيارات مفتوحة خصوصاً في ظل العراقيل التي تواجه المعونة الأمريكية.[41] و على الأرجح أنه ظن بأن خطوة كهذه كفيلة بثني النظام المصري عن تقديم الدعم المادي لحزب الشعب الديمقراطي و الحزب الوطني الاتحادي في الانتخابات المزمع عقدها في فبراير – مارس من العام التالي( 1958).

في السادس والعشرين من نوفمبر، تقدم عبدالله خليل رسمياً بطلب للمعونة الأمريكية،  واستمرت المفاوضات حولها حتى فبراير من العام 1958. ورغم اقتراب المفاوضات من نهايتها، إلا أن التوقيع عليها قد تم تأجيله لما بعد الانتخابات. وفي خواتيم مارس من ذات العام، تم وضع اللمسات النهائية في المعاهدة، قبل أن تعلن الحكومة السودانية رسمياً عن الاتفاق في الثالث من أبريل. [42] في السادس عشر من أبريل اجتمع خليل مع مسؤول المعونة الأمريكية، وقد أبدى النواب بالبرلمان اعتراضهم على إجازة الاتفاقية عن طريق مجلس الوزراء.  كان علي عبدالرحمن، رئيس حزب الشعب الديمقراطي، من أبرز الرافضين  للمعونة، بل أن بعض التقارير أشارت لأنه كان يغري الأعضاء بمبالغ مالية للتصويت ضد المعونة.[43] تدخل السيد علي الميرغني، و بعد اجتماعاته مع قادة حزب الأمة و زعماء حزب الشعب الديمقراطي، و في الثاني من يوليو 1958، اجتمعت الكتلة البرلمانية لحزب الشعب، و اتفقت على التصويت للمعونة، بعد إزالة الغموض عن بنودها. وتمت إجازة المعونة في البرلمان في الثالث من يوليو، و أجيزت بصورة نهائية في السابع من ذات الشهر. [44]

بالتزامن مع مباحثات حزبي الشعب والوطني الاتحادي في القاهرة أواخر العام 1958، طلب نواب حزب الشعب أن يتم تخصيص المعونة للبنود التي تمت المصادقة عليها في البرلمان أو إلغائها كلياً.[45] وبعد التقارير الواردة من القاهرة عن تنسيق بين إسماعيل الأزهري و علي عبدالرحمن حول سحب الثقة من الحكومة عند انعقاد الجلسة البرلمانية في 17 نوفمبر 1958؛ طلب رئيس الوزراء عبدالله خليل، وبمشاركة من قادة حزب الأمة،  من الجيش استلام السلطة.  [46]وبالفعل، تسلم اللواء إبراهيم عبود السلطة، و أجازالمعونة في التاسع والعشرين من نوفمبر، مؤكداً أن المعونة لم تكن تحد من سيادة السودان، و أن البرلمان المنحل أخطأ في حصر ميادين التعاون. [47]

تجدر الإشارة إلى أن المعونة الأمريكية لاقت رفضاً و غضباً شعبياً شديداً. و انتظمت العاصمة عدد من المظاهرات وصل عددها آلاف المتظاهرين.[48] واستخدمت الجبهة المعادية للاستعمار المنشورات للتعبئة العامة ضد المعونة، بالإضافة للمظاهرات التي دعا لها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، كما أن العمال دخلوا في إضرابات عامة للمطالبة بفض الائتلاف الحاكم و تشكيل حكومة وطنية ترفض هذه المعونة. [49]

 

 

احداث مهمة في مسيرة المعونة الأمريكية

مواقف القوى السياسية ودوافعها:

في ملف المعونة الأمريكية، تباينت مواقف القوى السياسية. عارض الشيوعيون المعونة بشكل واضح، و حشدوا للمظاهرات الرافضة لها. ولعل موقف الحزب الشيوعي أكثر المواقف المعارضة وضوحاً و منطقية؛ حيث أن مبدأ أيزنهاور يستهدفهم تحديداً، و يعمل على القضاء على الشيوعية. كان من شأن المعونة أن تفاقم الفوارق الطبقية بين العمال، والطبقات العليا و ذلك عبر الاستمرار في نفس النمط الاستخراجي الذي يحصد فوائده فئة قليلة من ملاك المشاريع. بالفعل، استفاد ملاك المشاريع الكبيرة، ومن هم قادرون على تقديم ضمانات بامتلاكهم أصول مالية،  من الأبحاث الزراعية والبنية التحتية التي قامت بها أموال المعونة، مما سهل لهم الاستفادة من التمويل الزراعي الذي شهد تمدداً أفقياً بسبب دخول الزراعة الآلية المطرية، و قد تم تجاهل القطاع التقليدي بشكل كامل، وفي الفترة بين عامي 1960-1994، كانت حوالي 60 % من القروض المقدمة من البنك الزراعي ممنوحة لمن يملكون ألف فدان فأكثر.[50] و تثبت ورقة السياسات التي أعدت عن أفريقيا بوزارة الخارجية، ورؤية الخبراء العسكريين الأمريكان أن أفريقيا مصدر للموارد الطبيعية والمعادن الخام التي لا ينبغي أن يظفر بها الاتحاد السوفياتي؛ نظرة الولايات المتحدة للقارة كأرض للنشاط الاستخراجي.[51] كما أن تعامل الحكومة مع نقابات العمال، ورفضها للاعتراف باتحادهم النقابي، و تمسكها بعدم تكوين نقابات في المشاريع الخاصة، كان يعني ضمنياً إضعاف تأثير الشيوعيين وسط العمال و الطبقة العاملة. [52]وقد كان حصول الخبراء الأمريكان، المعنيين بالمشاريع المرتبطة بالمعونة، على حصانات دوبلماسية أمراً مثيراً للريبة والشكوك؛ فقد كان يعني ضمنياً إعفاءهم من أية مسؤولية في بلد تنتهك فيه حقوق العمال بصورة ممنهجة. [53]

ضم التكتل المعارض، الحزب الوطني الاتحادي بزعامة إسماعيل الأزهري.  انشغل الحزب الوطني الاتحادي في فترة حكمه (1954-1956) إلى تثبيت دعائم نظامه، و إزالة كل ما من شأنه التأثير على إضعاف سلطاته، فعمل على قمع الحركة العمالية بذريعة أنها بؤرة للشيوعية، و استعان بالسلطات البريطانية من أجل تحقيق ذلك؛ مما يعني عملياً عدم رفضه للقضاء على الشيوعية.[54] لكن الحزب الوطني الاتحادي، وفي سبيل تعزيز حكمه، قبل أن يتحول لمقاعد المعارضة، عمل على استرضاء ملاك المشاريع و كبار التجار، عبر منحهم التسهيلات ، وذلك لضمان أصواتهم ومواقفهم. [55]لكنه ومع ذلك، خسر السلطة لصالح الأحزاب الممثلة لهذه المصالح.[56] كانت الأزمة الاقتصادية التي لن تحل إلا عبر المعونة الأمريكية، سبباً كافياً للوطني الاتحادي لرفضها؛ فإسقاط المعونة يعني عملياً سقوط الحكومة، وهو ما يمثل انتصاراً شخصياً لإسماعيل الأزهري، وفرصة للانتقام. [57]و كانت لبعض التيارات المؤثرة في الحزب مواقف رافضة للمعونة، من منطلق أنها تبعد الحزب عن حركة التحرر الوطني، في العالم الثالث، التي يقودها النظام المصري بقيادة جمال عبدالناصر.  [58]

كان موقف حزب الشعب الديمقراطي غاية الغرابة، فرغم دعمه الصريح لمصر، إلا أنه كان في جانب الحكومة. كان التزامه بالموقف الرافض للمعونة يعني انتصار المعارضة بقيادة إسماعيل الأزهري، وهو ما يعتبر فشلاً ذريعاً؛ إذ أن الحزب بالأساس نشأ نتيجة انشقاق عن الحزب الوطني الاتحادي. [59] و انقسم حزب الشعب الديمقراطي لتيارين متابينين، أحدهما رافض للمعونة، وآخر مؤيد لها. في الجانب الرافض للمعونة كان رئيس الحزب على عبدالرحمن، ومجموعة من الاتحاديين، بينما كان السيد علي الميرغني من الأطراف الداعمة للمعونة؛ هو ما يفسر تدخله قبيل التصويت على المعونة لإقناع الأصوات الرافضة للمعونة داخل الحزب الذي يرعاه. [60]ربما يفسر رفض مصر لتقديم المساعدات للحزب ضمن الأسباب التي دفعته لتبني موقف معاد لمصر ( بقبول المعونة)،[61] لكن المصلحة الاقتصادية المتوقعة من المعونة كانت في مصلحة السيد علي الميرغني. [62]

كانت قيادة حزب الأمة أكثر الأطراف حماساً للمضي في هذه الاتفاقية. أولاً، كانت المعونة الأمريكية ضرورة ملحة لاستكمال المشاريع التنموية التي تم تجميدها، وهو أمر يحسب للحكومة التي يقودها حزب الأمة إن عادت هذه المشاريع. كان حزب الأمة يفسر قبول المعونة كونها ضرورة ملحة حتى لا يفقد السودان استقلاله السياسي و عودته للاستعمار. [63]لكن الراجح أن حزب الأمة أراد عبر هذه المعونة أن يحافظ على الدولة بشكلها ذاك، و مواصلة النشاط الاستخراجي بما يخدم مصالحه. وهذا التفسير يعضده رفض العرض السوفييتي بشراء القطن السوداني مقابل سلع سوفييتية. وقد كان حزب الأمة يسيطر على وزارة المالية، حيث يتم المصادقة على مشاريع المعونة، في تضارب واضح للمصالح. و قد سبق المصادقة على المعونة تقدم السيد عبدالرحمن المهدي بطلب لقرض قيمته ثلاثمئة ألف جنيه استرليني بضمان المعونة، لكن الأمر رفض من قبل الأمريكان. [64]كان سريان المعونة يعني ضمناً بقاء الحكومة التي يقودها حزب الأمة، و بالتالي استمراره في ملف التطبيع مع اسرائيل، و ضمان بيع القطن السوداني كوسيلة لكسر المقاطعة العربية على إسرائيل. [65]

 

 

خاتمة:

مما سبق يتبين أن مواقف الأحزاب  من المعونة، سلباً أم إيجاباً، كانت له دوافعه المختلفة، لكن بعضاً منها افتقد للموضوعية. على سبيل المثال، كانت مخاوف تهديد النظام المصري، كما سوّق الاتحاديون، مبالغاً فيها؛فرغم أن السياسة ساوت بين الخطر الناصري والشيوعية لكن دوايت أيزنهاور لم يكن ليتعامل مع مصر بصورة عنيفة، وهو أمر ظهر منذ الخلاف بينه وبين مجلس الأمن القومي حول استخدام العنف للحد من الشيوعية.[66] وفي الجانب الرافض للمعونة، ادعى رئيس الوزراء عبدالله خليل أن الأصوات الرافضة للمعونة كانت مأجورة و مشتراة من مصر. ورغم أن المكونات المؤيدة لمصر كانت حاضرة، لكن الأصوات الوطنية، التي لم ترتبط بمصر لا بيعاً ولا شراء، رفضت المعونة.

 

لقد شهدت المعونة الأمريكية تغييراً كبيراً عما كان عليه مبدأ أيزنهاور، لكن هذا التغير يختلف تماماً عن تغير سياسات الولايات المتحدة تجاه النظام المصري؛ ففي مصر كانت حكومة عبدالناصر تتبنى نموذجاً اقتصادياً و تنموياً جديداً يختلف عما كان في العهد الملكي يقوم على الإصلاح الزراعي و خلق قاعدة صناعية،  بينما كانت الحكومة السودانية مواصلة في نفس النموذج الاقتصادي الذي خلقه المستعمر، وهو ما يجعل أي تعديلات على  اتفاقية المعونة مجرد إجراء شكلي.

صحيح أن المعونة الأمريكية ضخت ملايين الدولارات في الاقتصاد السوداني كما أشرنا سابقاً، لكنها كانت موجهة بشكل رئيسي نحو استخراج  المواد الخام، وتنمية القطاع الخاص على ذات طبيعة المشاريع المروية، وخلق شبكة مستفيدة من المعونة من داخل الحكومة إما عبر العاملين بوزارة المالية و كبار الموظفين أو ملاك المشاريع والرأسماليين الساعين للاستفادة من هذا التمويل؛ مما يزيد الفوارق بين الطبقات. وبالفعل استمرت الأنشطة الاستخراجية، وتزايدت شبكات المصالح في الدوائر الحكومية المتعتمدة على تنفيذ المعونة ومشاريعها، وهو ما يؤكده تصنيف نظام اللواء إبراهيم عبود ضمن أنظمة الضباط المحافظين الذين يتسلمون السلطة دون إحداث تغيير في بنيتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.[67] مما يطرح سؤالاً ملحاً: هل كانت المعونة الأمريكية حلاً للأزمة الاقتصادية، أم إعادة لإنتاج ظروفها؟

المصادر والمراجع:

[1]  F. Dennis Conroy, United States Economic Aid to Africa: 2. Aid Program in the Sudan, African Studies Bulletin, Vol. 7, No. 1 (Mar., 1964), Cambridge University Press

[2] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[3]  Ray Takey, The Origins of the Eisenhower Doctrine: The US, Britain and Nasser’s Egypt 1953-57, 1ed.( London, Palgrave Macmillan,2000)

[4]  Herman J. Cohen, U.S Policy Toward Africa: Eight Decades of Realpolitik, 1ed. (Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2020)

[5] Herman J. Cohen, U.S Policy Toward Africa: Eight Decades of Realpolitik, 1ed. (Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2020)

[6] Herman J. Cohen, U.S Policy Toward Africa: Eight Decades of Realpolitik, 1ed. (Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2020)

[7] Herman J. Cohen, U.S Policy Toward Africa: Eight Decades of Realpolitik, 1ed. (Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2020)

[8] Herman J. Cohen, U.S Policy Toward Africa: Eight Decades of Realpolitik, 1ed. (Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2020)

[9] James Barr, Lords of The Desert: The Battle Between the United States and Great Britain for Supremacy in the Modern Middle East, 1ed. (New York, Basic Books, 2018)

[10] حسن حمودة، أسرار حركة الضباط الأحرار و الأخوان المسلمين، ط1 (القاهرة، الزهراء للإعلام العربي، 1985)

[11] حسن حمودة، أسرار حركة الضباط الأحرار و الأخوان المسلمين، ط1 (القاهرة، الزهراء للإعلام العربي، 1985)

[12]  Herman J. Cohen, U.S Policy Toward Africa: Eight Decades of Realpolitik, 1ed. (Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2020)

[13] James Barr, Lords of The Desert: The Battle Between the United States and Great Britain for Supremacy in the Modern Middle East, 1ed. (New York, Basic Books, 2018)

[14] Roby C. Barret, The Greater Middle East and the Cold War: US Foreign Policy Under Eisenhower and Kenedy, 1ed. ((London I.B. Tauris, 2007)

[15] James Barr, Lords of The Desert: The Battle Between the United States and Great Britain for Supremacy in the Modern Middle East, 1ed. (New York, Basic Books, 2018)

[16] Roby C. Barret, The Greater Middle East and the Cold War: US Foreign Policy Under Eisenhower and Kenedy, 1ed. ((London I.B. Tauris, 2007)

[17] Ray Takey, The Origins of the Eisenhower Doctrine: The US, Britain and Nasser’s Egypt 1953-57, 1ed. (London, Palgrave Macmillan,2000)

[18] Ray Takey, The Origins of the Eisenhower Doctrine: The US, Britain and Nasser’s Egypt 1953-57, 1ed. (London, Palgrave Macmillan,2000)

[19] Ray Takey, The Origins of the Eisenhower Doctrine: The US, Britain and Nasser’s Egypt 1953-57, 1ed. (London, Palgrave Macmillan,2000)

[20] Herman J. Cohen, U.S Policy Toward Africa: Eight Decades of Realpolitik, 1ed. (Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2020)

[21] تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ترجمة الفاتح التجاني، محمد علي جادين، ط 2( الخرطوم، دار المصورات للنشر، 2019)

[22] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[23]  Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[24] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[25] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[26] Alden Young, Transforming Sudan: Decolonization, Economic Development and State Formation, 1 ed. (Cambridge, Cambridge Press University, 2018)

[27] روبرت أو. كولينز، تاريخ السودان الحديث، ترجمة مصطفى مجدي الجمال، (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2015)

[28] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[29] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، “انتخابات 1958: كيف ألبسوا الاستبداد رداء الديموقراطية”، حوارات جيل الثورة، 4 آذار\ مارس 2024

[30] محمد عادل زكي، الاقتصاد السياسي للتخلف مع إشارة خاصة إلى السودان وفنزويلا، ط1 ( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،2012)

[31] تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ترجمة الفاتح التجاني، محمد علي جادين، ط 2( الخرطوم، دار المصورات للنشر، 2019)

[32] تيسير محمد علي، زراعة الجوع في السودان، ترجمة محمد علي جادين، ط 1( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1994)

[33] تيسير محمد علي، زراعة الجوع في السودان، ترجمة محمد علي جادين، ط 1( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1994)

[34] محمد الكامل، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، ” عنبر جودة: لمَ قتل مئتا مزارع خنقاً تحت أول حكومة ديمقراطية في السودان؟”، حوارات جيل الثورة، 16 شباط \ فبراير 2024

[35] تيسير محمد علي، زراعة الجوع في السودان، ترجمة محمد علي جادين، ط 1( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1994)

[36] Herman J. Cohen, U.S Policy Toward Africa: Eight Decades of Realpolitik, 1ed. (Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2020)

[37] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[38] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[39] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[40] عبدالباقي الناجي، تاريخ السودان: عن الأنظمة وسياساتها، “انتخابات 1958: كيف ألبسوا الاستبداد رداء الديموقراطية”، حوارات جيل الثورة، 4 آذار\ مارس 2024

[41] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[42] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[43] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[44] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[45] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[46] فيصل عبدالرحمن علي طه، ” الظروف والأحداث التي سبقت انقلاب 17 نوفمبر 1958 (6)”، سودا نايل، 7 شباط\ فبراير 2022

[47] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[48] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[49] محمد سليمان، اليسار السوداني في عشرة أعوام 1954-1963، ط1 (ود مدني، مكتبة الفجر، 1971)

[50] تيسير محمد علي، زراعة الجوع في السودان، ترجمة محمد علي جادين، ط 1( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1994)

[51] Herman J. Cohen, U.S Policy Toward Africa: Eight Decades of Realpolitik, 1ed. (Colorado, Lynne Rienner Publishers, 2020)

[52] محمد سليمان، اليسار السوداني في عشرة أعوام 1954-1963، ط1 (ود مدني، مكتبة الفجر، 1971)

[53] محمد سليمان، اليسار السوداني في عشرة أعوام 1954-1963، ط1 (ود مدني، مكتبة الفجر، 1971)

[54] فيصل عبدالرحمن علي طه، السودان على مشارف الاستقلال الثاني، ط 2 (2020)

[55] تيسير محمد علي، زراعة الجوع في السودان، ترجمة محمد علي جادين، ط 1( القاهرة، مركز الدراسات السودانية، 1994)

[56] محمد أبوالقاسم حاج حمد، السودان: المأزق التاريخي و آفاق المستقبل ( جدلية التركيب)، ط 2 ( بيروت، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، 1996)

[57] Abdel Salam Sidahmed, Politics and Islam in Contemporary Sudan (London, Routledge, 2007)

[58] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[59] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[60] فدوى عبدالرحمن علي طه، تاريخ السودان المعاصر1954-1969: دراسة تاريخية توثيقية، ط 2 ( الخرطوم، دار مدارات للنشر والتوزيع،2022)  

[61] أماني الطويل، العلاقات السودانية المصرية:جذور المشكلات وتحديات المصالح:قراءة وثائقية، ط1 ( بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012

[62] Abdel Salam Sidahmed, Politics and Islam in Contemporary Sudan (London, Routledge, 2007)

[63] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[64] Moritz A. Mihatsch, Dependence after independence: Sudan’s bounded sovereignty 1956–1958, Journal of Eastern African Studies, Vol. 15, No.2 (March 2021)

[65] Elie Podeh, Andrew Felsenthal, Israel and Sudan: The Origins of Clandestine Relations (1954-1964), Israel Studies, Vol 28, No. 2 (May, 2023)

[66] Ray Takey, The Origins of the Eisenhower Doctrine: The US, Britain and Nasser’s Egypt 1953-57, 1ed.( London, Palgrave Macmillan,2000)

[67] حسن الحاج علي، الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: الجيش والسلطة في السودان، في الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديموقراطي في الوطن العربي، تحرير: محمد جمال باروت (الدوحة، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات،2019)

عن المحرر

Scroll to Top