هذا هو الجزء الأول من دراسة مشتركة بين إنسايتس (INSIGHTS) وحوارات جيل الثورة لتحليل دقيق ومفصل للانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في حق المدنيين في السودان خلال السنة الأولى من حرب الخامس عشر من أبريل بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
يستعرض هذا الجزء حجم وتفاصيل الانتهاكات الموثقة وأثرها على حياة الأفراد والمجتمعات المتضررة. وبالتحديد، يهدف إلى تسليط الضوء على الأنماط الرئيسة للانتهاكات وتحليل تأثيرها على الظروف المعيشية للسكان وفهم الأبعاد الإنسانية للصراع المستمر. في المقابل، سيحلل الجزء الثاني من البحث الدوافع السياسية والاقتصادية وراء هذه الانتهاكات ودورها في زيادة حدة النزاع وتفاقم الأزمة الإنسانية. وارتباط مصالح الأطراف الخارجية الداعمة لقوات الدعم السريع بهذه الانتهاكات، لاستعراض نظرة أشمل حول أثر الديناميات الإقليمية والدولية على الانتهاكات.
إن هذا العمل المشترك بين إنسايتس وحوارات جيل الثورة يعكس التزامًا عميقًا بتقديم تحليل موضوعي مبني على الأدلة. نتقدم بالشكر لكل من ساهم في جمع البيانات وتحليلها، وتقديم الدعم الفكري واللوجستي اللازم لإكمال هذا البحث.
القسم الثاني: الأضرار الواقعة على الجوانب الحياتية المختلفة للمواطنين
أولًا: الأمن الغذائي
نناقش في هذه الجزئية أثر الصراع العسكري وانتهاكات الدعم السريع على الأمن الغذائي. وينطلق نقاشنا من تقارير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، ومجموعة من التقارير الصحفية والأحداث المرصودة من قبل لجان المقاومة وغرف الطوارئ. يبدأ التحليل بمقدمة حول مؤشر التصنيف المرحلي للأمن الغذائي يليه عرض للتطورات في ذات المؤشر مع تصاعد الصراع العسكري، ومن ثم تحليل عام لتدني مستويات الأمن الغذائي خلال الحرب.
كيف تُعرّف المجاعة؟ مقدمة عن مؤشر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)
تعتمد العديد من المؤسسات والدراسات المعنية بقضايا الأمن الغذائي والمجاعة على مؤشر التصنيف المرحلي، بما في ذلك الدراسات التي يستند إليها هذا البحث. يحدد التصنيف المرحلي خمس مراحل مختلفة لأزمات الأمن الغذائي:
- المرحلة الأولى (الحد الأدنى/منعدمة):
تتمكن الأسر من تلبية احتياجاتها الغذائية وغير الغذائية دون اللجوء إلى أي استراتيجيات للتكيف.
- المرحلة الثانية (الشدة):
تتمكن الأسر من توفير الحد الأدنى لاحتياجاتها الغذائية، ولكنها لا تستطيع توفير بعض احتياجاتها غير الغذائية الضرورية دون استخدام استراتيجيات التكيف مع الشدة—إنفاق مدخراتها.
- المرحلة الثالثة (الأزمة):
تدخل الأسر هذه المرحلة إذا كانت تعاني من سوء التغذية بصورة تفوق المعتاد؛ أو إذا كانت قادرة على توفير الحد الأدنى من الغذاء فقط من خلال استخدام استراتيجيات التكيف مع الأزمة—تسييل أصولها الإنتاجية أو وسائل نقلها.
- المرحلة الرابعة (الطوارئ):
تدخل الأسر هذه المرحلة إذا كانت تعاني من سوء التغذية بصورة مهولة، وارتفعت معدلات الوفيات لديها؛ أو إذا اضطرت لتبني استراتيجيات التكيف مع الطوارئ—بيع منازلها أو اللجوء إلى التسول.
- المرحلة الخامسة (الكارثة/المجاعة):
تحدث هذه المرحلة عندما لا يمكن التخفيف من حدة النقص الحاد في الغذاء بأي من استراتيجيات التكيف المتاحة. وتتسم المجاعة بمستويات جوع حرجة ومعدلات وفيات مرتفعة—وفاة شخصين من بين كل 10 آلاف شخص في مجتمع ما.
يوفر مؤشر التصنيف المرحلي وصفًا ومقياسًا موحدًا لأزمات الأمن الغذائي، ولكن طرق تقديره متنوعة وتختلف باختلاف الباحثين. ومنها مثلًا دراسة أسعار السلع الغذائية، ومعدلات هبوط الأمطار، والمسوحات الإحصائية عقب الحصاد. من المهم كذلك الانتباه إلى أن القياس يتم على مستويين، هما: مستوى العوائل ومستوى المناطق الجغرافية، فالمراحل الموصوفة أعلاه تصف ما يحدث على مستوى العوائل، ولا تعمم على مستوى المناطق الجغرافية ما لم يعاني 20% على الأقل من سكان المنطقة من أعراض مرحلة ما.
يستند التحليل المقدم أدناه إلى تقارير التصنيف المرحلي والمعهد الدولي لأبحاث السياسات الغذائية (IFPRI). ومن المهم الإشارة إلى أن هذه التقارير هي توقعات وليست قياسات فعلية. وتقيم التقارير حالة الأمن الغذائي في 10 ولايات، مستفيدة من البيانات والنتائج التي توصلت إليها مؤسسات أخرى مختلفة. وتسلط التقارير الضوء على الدور المركزي لعوامل مثل الحرب والأزمات الاقتصادية والإنتاج الزراعي الضعيف والنزوح في تشكيل تقييمات الأزمة.
تقديرات التصنيف المرحلي خلال الفترة من 2022 إلى 2024
يستعرض هذا القسم تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي والتغيرات التي طرأت عليها من 2022 إلى 2024. واُختير هذا الإطار الزمني لتحليل تأثير اندلاع الحرب، ومقارنة الوضع بين عامي 2022 و2023، فضلاً عن دراسة التطورات على مدار العام التالي، من خلال مقارنة عامي 2023 و2024.
- يونيو – سبتمبر 2022
خلال فترة التوقعات الأولى التي تتوافق مع موسم الجفاف، كان من المتوقع أن يواجه حوالي 11.7 مليون شخص أزمة غذائية خلال الفترة ما بين يونيو وسبتمبر 2022، ويمثل ذلك حوالي 24% من المواطنين المعنيين. تضمنت هذه الأرقام 3.1 مليون شخص في مرحلة الطوارئ، و8.6 مليون شخص في مرحلة الأزمة. ومن بين 187 منطقة اشتملها البحث، يمكن أن تكون 14 منطقة في مرحلة الطوارئ، وتم تصنيف 138 منطقة في مرحلة الأزمة. وتوقع التقرير أن تكون ولايات غرب، وشمال، ووسط دارفور ذات أعلى نسب من الأشخاص المحتاجين إلى إجراءات عاجلة، بنسب تبلغ 42%، و36%، و35% على الترتيب.
- يونيو – سبتمبر 2023
خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر 2023، 42% من السكان، وهم حوالي 20.3 مليون شخص، في المرحلة الثالثة أو أعلى من التصنيف المرحلي. حيث أن 6.3 مليون شخص في مرحلة الطوارئ، و14 مليون في مرحلة الأزمة. ومن بين 187 منطقة قُيِّمَت، توجد 55 منطقة في مرحلة الطوارئ و129 منطقة في مرحلة الأزمة. وتعكس النتائج زيادة كبيرة في حجم حالة انعدام الأمن الغذائي المتوقعة، مع وجود 8.6 مليون شخص إضافي يحتاجون إلى إجراءات عاجلة لإنقاذ الأرواح وسبل العيش مقارنة بالفترة نفسها من العام 2022. وكانت المناطق ذات النسب الأكبر من أصحاب الحاجة ماسة للإجراءات العاجلة هي تلك المتأثرة بالقتال المباشر، مثل غرب دارفور (62%)، والخرطوم (56%)، وجنوب كردفان (56%)، وشرق ووسط وجنوب دارفور (53%)، وشمال كردفان (45%)، وشمال وغرب دارفور (43%). وكذلك المناطق التي تستضيف أعدادًا متزايدة من النازحين مثل البحر الأحمر (32%)، والنيل الأزرق وسنار (31%)، والقضارف (30%)، والجزيرة (29%)، والشمالية (27%)، والنيل الأبيض (26%).
كانت الفئات الأكثر تضررًا هم الأشخاص من المجتمعات المضيفة والنازحين من قبل حرب 15 أبريل، الذين تقطعت بهم السبل في المناطق المتضررة من القتال المباشر، والنازحين من جميع الولايات، الذين تأثرت سبل عيشهم بسبب القتال في ولاية الخرطوم وبعض الولايات في إقليمي دارفور وكردفان وأجزاء من ولايات النيل الأزرق.
- أكتوبر 2023 – فبراير 2024
تشير التوقعات للفترة من أكتوبر 2023 إلى فبراير 2024 إلى أن حوالي 17.7 مليون شخص قد يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهذا يشمل 4.9 مليون شخص في مرحلة الطوارئ و12.8 مليون شخص في مرحلة الأزمة. كما ذكر التقرير حدوث زيادة كبيرة في عدد الأشخاص المتأثرين بانعدام الأمن الغذائي مقارنة بالتقديرات السابقة في يونيو 2023، حيث ارتفع عدد الأشخاص الذين يواجهون هذه المشكلة بمليوني شخص.
إذن، نلاحظ تحول أعداد الأشخاص الذين يتوقع أن يعانوا من أزمة غذائية حادة في السودان من 11.7 مليون شخص في 2022 إلى 20.3 مليون شخص في 2023 ومن ثم إلى 17.7 في 2024. كما نلاحظ توسع رقعة المناطق التي تواجه توقعات بأزمات غذائية حادة إلى مناطق جديدة في وسط وشرق السودان، إذ أدى توسع ساحات القتال إلى انخفاض معدلات الأمن الغذائي في مناطق كالخرطوم بينما أدت حركة النزوح الجديدة إلى انخفاض معدلات الأمن الغذائي في المناطق المستضيفة للنازحين.
أسباب تدني مستويات الأمن الغذائي بعد الحرب
ترى تقارير التصنيف المرحلي أن الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع هي أحد العوامل الرئيسة التي أدت إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي. أيضًا تشير التقارير إلى عدة أسباب لتفاقم أزمة الأمن الغذائي عقب الحرب، ومعظمها مرتبط بالأثر الاقتصادي الذي سببته الحرب على الأساليب المعيشية للناس، وأثرها على الاقتصاد الكلي، والضرر الذي أحدثته في البنى التحتية الزراعية، والضغط الذي أحدثته حركة النزوح على الخدمات الأساسية والسلع.
إضافة إلى الأسباب التي ذكرتها التقارير، من المهم ملاحظة الانتهاكات التي مورست على المدنيين والضرر الذي تعرضت له البنى التحتية الزراعية بشكل مباشر ومقصود؛ أي الضرر الذي لم يكن مجرد نتيجة عرضية للاشتباكات.
نناقش فيما يلي مجموعة من الأسباب الأساسية التي ساهمت في تدني مستويات الأمن الغذائي، استنادًا على تقارير التصنيف مرحلي وتقارير لجان المقاومة وغرف الطوارئ في بعض المناطق المتضررة، وتصريحات المسؤولين الحكوميين.
- الضرر الواقع على سبل العيش والاقتصاد القومي
أفادت تقارير التصنيف مرحلي بأن الصراع العسكري أدى إلى تعطيل فرص كسب العيش الرسمية وغير الرسمية والعمل المؤقت في قطاعي الزراعة والإنشاءات في ولاية الخرطوم. ولكونها المركز التجاري الرئيس في البلاد، والذي تتركز فيه العمليات المصرفية والجمركية وتدفقات التجارة الخارجية والداخلية بشكل كبير؛ فقد أدى الصراع المستمر في الخرطوم إلى تدهور الاقتصاد، وشل النظام المالي، وأثّر على التجارة الدولية -الاستيراد والتصدير- وعطّل طرق التجارة المحلية وسلاسل التوريد.
أيضًا أشارت التقارير إلى أن المدنيين في مناطق الاشتباكات معرضون لخطر انعدام الأمن الغذائي نتيجة لقيود الحركة والحصار، وأن الوصول الإنساني يظل تحديًا كبيرًا في تقديم المساعدة للمتضررين من الصراع.
قاد الصراع العسكري إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان داخل السودان، وإلى البلدان المجاورة مثل تشاد وجنوب السودان ومصر. وتسبب تدمير البنى التحتية الأساسية والنهب واسع النطاق في تفاقم نقص الخدمات والسلع الأساسية، وأدى الصراع إلى اضطرابات في دفع الرواتب ونشاط المستهلك وسلاسل التوريد، وبالتالي زيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. وكان التأثير أكبر على السكان خارج القطاع الزراعي، حيث أنهم واجهوا صعوبة في الوصول إلى الأسواق بسبب ارتفاع التكاليف. وتفاقم الوضع أكثر عندما انجرفت ولاية الجزيرة إلى الصراع في 15 ديسمبر 2023، مما أدى إلى نزوح ما يقرب من 300 ألف شخص وإحداث أزمة إنسانية واسعة النطاق. وبحلول نهاية عام 2023، امتد الصراع إلى مناطق إضافية في دارفور وكردفان، مما أدى إلى مزيد من النزوح وصعوبة الوصول إلى السلع والخدمات الأساسية وفقدان سبل العيش والأصول لسكان تلك المناطق.
2. الضرر الواقع على مناطق الإنتاج الزراعي
ذكرت تقارير التصنيف مرحلي أن إنتاج المحاصيل الأساسية معرض للخطر بسبب الحرب؛ إذ صعبت الحرب عملية الحصول على البذور والمدخلات الزراعية والتمويل، بالإضافة إلى قيود الوصول إلى الأراضي الزراعية وحركة الماشية.
نلاحظ كذلك تضرر الإنتاج في المناطق الزراعية في السودان، خصوصًا في ولايات الجزيرة وسنار بصورة كبيرة، بسبب إتلاف قوات الدعم السريع للبنى التحتية الزراعية وتخريبها، ونهبها للآليات الزراعية وأدوات التحضير الزراعي والأسمدة والتقاوي، بجانب محاصيل العديد من المزارعين في هذه الولايات.
فقبل الهجوم على ولاية الجزيرة منتصف ديسمبر، كانت المنطقة تستعد لفلاحة 300 ألف فدان من القمح في الموسم الشتوي. وتوقفت هذه الخطط بسبب الوضع الأمني وسرقة الأصول الخاصة بالمشروع، بما في ذلك نهب نحو 120 جرارًا زراعيًا من القرى الواقعة وسط المشروع الزراعي. إضافة إلى حوادث النهب والانتهاكات التي تمت بحق سكان الولاية، وأغلبهم مزارعون، إذ ذكرت لجان مقاومة الحصاحيصا سرقة 1800 سيارة بواسطة قوات الدعم السريع، وتحدثت لجان المقاومة في ود مدني عن زيادة كبيرة في انتهاكات جنود الدعم السريع ضد المدنيين في مدن وقرى الولاية، مع نهب نحو 12 قرية ومدينة وسرقة سيارات المواطنين والهواتف النقالة والذهب من المنازل.
ألقت هذه الانتهاكات بظلالها كذلك على الموسم الزراعي الصيفي، فكشف تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل عن انخفاض الإنتاج الزراعي في منطقتي المسلمية والمناقل في الجزيرة نتيجةً لهذه الأحداث، إذ ذكر أن ما زرع حاليًا في منطقة المناقل الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية يبلغ 27.652 فدان من القطن والذرة والفول السوداني والخضروات، بينما كانت المساحة المزروعة في الموسم السابق 123.699 فدان. أي أن الإنتاج انخفض بحوالي 80%. بينما بلغت نسبة المزروع في قسم المسلمية الواقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع 6% فقط من إنتاج الموسم السابق، إذ زرع 3.500 فدانًا من القطن والذرة والفول السوداني والخضروات مقارنة ب 55.900 فدانًا في الموسم السابق.
كذلك، نهبت قوات الدعم السريع كمية كبيرة من المساعدات الإنسانية في الولاية. حيث أنها اقتحمت أحد المستودعات الرئيسة لبرنامج الأغذية العالمي بعد سيطرتها على مدينة ود مدني—يكفي لإطعام نحو 1.5 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد لمدة شهر. كذلك نهبت قوات الدعم السريع حصصًا -مخصصة لنحو 20 ألف طفلًا يعانون من سوء التغذية، والأمهات المرضعات- تقدر بأكثر من 2500 طن من المواد الغذائية المنقذة للحياة.
3. حصار الأحياء السكنية
لقد تأثر الأمن الغذائي في السودان بشدة بسبب الحصار والتجويع المتعمد، وخاصة في مناطق مثل أمدرمان. ومن الأمثلة البارزة الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع على أحياء بانات والفتيحاب والمهندسين، والذي قيد الوصول إلى الغذاء والإمدادات الأساسية لعدة أشهر. في الفتيحاب، حيث تسكن حوالي 70 ألف نسمة، بدأت قوات الدعم السريع في منع شحنات الغذاء في يوليو 2023. بلغ الحصار ذروته في أكتوبر، عندما عطلت قوات الدعم السريع وصول المواد الغذائية بالكامل؛ مما ترك العديد من الأسر بدون طعام لفترات وصلت إلى ثلاثة أيام. استمر الحصار حتى شن الجيش السوداني عدة عمليات عسكرية، وفتح ممرات جديدة لحركة السكان والسلع.
ثانيًا: البنى التحتية
نناقش في هذه الجزئية الضرر الذي ألقته الحرب والانتهاكات المصاحبة لها على البنى التحتية. يركز القسم على قطاعات التعليم والصحة والمياه والبترول، مع الإشارة إلى أن نقاش الضرر على البنى التحتية الزراعية تم في الجزئية السابقة.
- قطاع التعليم
بعد مرور عام على الحرب في السودان، توقفت عملية التعليم لأكثر من 11 مليون طفل في السودان، (1) بينهم 3.6 ملايين يواجهون خطر العودة إلى الأمية. تعرضت مئات المدارس في مناطق الاشتباكات للتدمير أو استخدمت كملاجئ للنازحين، أو مسارح للعمليات العسكرية، مثل مدرسة المصباح بأمبدة التي تحولت إلى منصة لمضادات الطيران، وخمس مدارس أخرى استُخدمت كثكنات عسكرية.
بلغ إجمالي عدد مؤسسات التعليم العالي المتضررة أو المخربة خلال الصراع 104 مؤسسة (2). وتأثرت جميع الجامعات في ولاية الخرطوم. وفي دارفور، أدت الاشتباكات إلى إحراق بعض المؤسسات بالكامل.
في بعض المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، مثل محليات أبو زبد وبابنوسة، تم تدمير البنية التحتية للعديد من المدارس وسرقة جميع الأثاثات المدرسية. في المناطق الآمنة، تحولت المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، ما زاد من تعقيد استئناف العملية التعليمية.
ينتظر أكثر من مليون طالب عقد امتحانات الشهادة الثانوية بعد تراكم دفعتين. الوضع الأمني غير المستقر يجعل تحديد مواعيد الامتحانات أمرًا صعبًا. الطلاب الذين هاجروا إلى دول مجاورة يواجهون صعوبات بسبب اختلاف النظم التعليمية.
2. قطاع الصحة
أكد وزير الصحة السوداني، هيثم محمد إبراهيم، أن الحرب ألحقت أضرارًا كبيرة بالقطاع الصحي، حيث بلغت خسائر المستشفيات والمراكز الصحية نحو 11 مليار دولار. (3) وأشار إلى أن قوات الدعم السريع قامت بتخريب متعمد للمؤسسات الصحية في الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار، مما أدى إلى خروج العديد من المستشفيات الرئيسة عن الخدمة.
تعرض الإمداد المركزي للدواء لنهب كامل يتجاوز 500 مليون دولار، كما تم نهب وتدمير مخازن الأدوية وسلاسل التبريد، وسُرقت أكثر من 200 عربة إسعاف و79 عربة نقل أدوية. فقد القطاع الصحي العديد من الكوادر الطبية، حيث قتل 50 طبيبًا وعاملًا صحيًا في مختلف الولايات.
أعلن وزير الصحة عن خطة للتدخل تتضمن أربعة محاور: الإمداد الدوائي، وتشغيل المؤسسات الصحية، صحة الأمومة والطفل، ومكافحة الأوبئة والطوارئ الصحية. تعاني تسع من أصل 18 ولاية من صعوبات كبيرة في تلقي الخدمات الصحية نتيجة التوترات الأمنية—أُغلقت بسبب الحرب أكثر من 2800 صيدلية، و41 شركة دوائية، و90% من مصانع الأدوية.
تنتشر الأوبئة الموسمية مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا في عدة ولايات، وتحتاج البلاد إلى دعم مالي يقدر بـ 178 مليون دولار لتقديم الرعاية الصحية اللازمة.
3. قطاع المياه
تعرض قطاع المياه في السودان لأضرار جسيمة نتيجة الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ووفقًا لوزارة الخارجية السودانية، تم إيقاف العمل بمحطة مياه المنارة مؤقتًا لقياس أثر السموم على المياه بعد تعرضها للقصف من قبل قوات الدعم السريع.(4) تعد محطة مياه المنارة من المحطات الرئيسة في منطقة أم درمان، خاصة محلية كرري، ويؤدي توقفها إلى تعريض كل المحلية للعطش.
في فيديو متداول نشره ناشطون، يظهر قصف قوات الدعم السريع بـ 13 دانة، سقطت منها ثمانية داخل حوض تنقية المياه؛ مما أدى إلى إيقاف العمل بالمحطة. (4)
كذلك سقطت قذيفة أخرى بمحطة مياه بحري، مما أسفر عن إصابات بين القائمين على تأمين المحطة، بحسب الصفحة الرسمية لهيئة مياه ولاية الخرطوم على فيسبوك. (5)
4. القطاع الصناعي
أورد تقرير حكومي تحصلت عليه إنسايتس تضرر 3,493 منشأة صناعية كبيرة ومتوسطة في الخرطوم — يقدر ذلك بـ 90% من إجمالي المنشآت في الخرطوم. شملت القطاعات المتضررة قطاع الصناعات الغذائية، والغزل والنسيج، ودباغة الجلود، والأثاث ومواد البناء، والصناعات الكيميائية والهندسية وغيرها.
وتضرر إثر ذلك 99,540 عاملًا في هذه القطاعات، خصوصًا قطاع الصناعات الغذائية الذي يعمل فيه 29,070 عاملًا، وقطاع الصناعات الهندسية الذي يعمل فيه 24,210 عاملًا، وقطاع الصناعات البتروكميائية الذي يوظف 13,710 عاملًا.
وفي ولاية الجزيرة، دمرت 126 منشأة صناعية كبيرة، و3,131 منشأة صناعية صغيرة موزعة في قطاعات مثل الأغذية، والتبغ، والأخشاب والطباعة والنشر، والمعادن الأساسية، والمطاط واللدائن وغيرها. وتضرر من ذلك 23,358 عاملًا في مختلف القطاعات، خصوصًا قطاع صناعة الأغذية والمشروبات الذي يوظف 10,084 عاملًا، وصناعة المنسوجات الذي به 6,659 عاملًا.
| النشاط الصناعي | المنشآت الكبيرة | المنشآت الصغيرة | العمالة |
|---|---|---|---|
| الأغذية والمشروبات | 85 | 2.235 | 10.084 |
| التبغ | 1 | - | 200 |
| المنسوجات | 5 | 3 | 6.649 |
| الجلود | 3 | 17 | 608 |
| الأخشاب | 2 | 33 | 107 |
| الطباعة والنشر | 3 | 3 | 97 |
| الكيماويات | 11 | 7 | 599 |
| المطاط واللدائن | 5 | - | 238 |
| المنتجات التعدينية غير المعدنية | 3 | 72 | 555 |
| صناعة المعادن الأساسية | 1 | 1 | 399 |
| تشكيل المعادن | 4 | 506 | 1.535 |
| المركبات | 2 | - | 1.605 |
| الأثاث | 1 | 254 | 682 |
| المجموع | 126 | 3.131 | 23.358 |
5. قطاع البترول
منذ اندلاع الحرب في السودان واجه قطاع النفط تحديات كبيرة. استهدفت قوات الدعم السريع خطوط أنابيب النفط ومصافي التكرير في مناطق مختلفة؛ مما أثر على الإنتاج والبنية التحتية. وعلى الرغم من الضمانات التي قدمها الجيش، استمرت هذه التهديدات، ولم تؤثر على الأمن فحسب، بل على الاستقرار الاقتصادي أيضًا.
أكد وزير الطاقة والبترول، محيي الدين محجوب، (6) عدم قدرة السودان على الوفاء بالتزاماته في نقل النفط من جنوب السودان بسبب تخريب خط الأنابيب في مناطق سيطرة الدعم السريع. وشمل هذا التخريب تدمير خطوط الأنابيب في ولاية النيل الأبيض.
وتحولت تصرفات قوات الدعم السريع من الاشتباكات العسكرية إلى حقول النفط في دارفور وكردفان، مستهدفة المصافي ومنشآت الإنتاج. ومن بين هذه المنشآت مصفاة الجيلي لتكرير البترول، شمالي مدينة بحري، والتي استولى عليها في وقت مبكر من الصراع بسبب موقعها الاستراتيجي؛ ما أثر بشدة على قدرة تكرير النفط في السودان. وهي من بين أكبر المصافي في السودان، وترتبط بخط أنابيب بطول 1610 كيلومتر لتصدير النفط الخام إلى بورتسودان على ساحل البحر الأحمر. وتشمل طاقتها الإنتاجية اليومية -البالغة 100 ألف برميل- أيضًا إنتاجًا كبيرًا من البنزين وغاز الطهي. وتعرضت المصفاة لأضرار جسيمة، خاصة في مستودعات النفط ومكاتب الشركة. واستهدفت الهجمات مراكز التحكم ومستودعات المنتجات الاستراتيجية وأجزاء من خطوط الأنابيب، مما أدى إلى خسائر يومية تقدر بنحو 5 ملايين دولار.
كما أثر الصراع بشدة على حقول النفط في جميع أنحاء البلاد. تعرض حقل بليلة النفطي في غرب كردفان، والذي ينتج 16 ألف برميل يوميًا، لأضرار جسيمة، كذلك نهب مكاتب الشركة وتدمير المنشآت على يد قوات الدعم السريع. توقفت عشرة حقول نفطية في ولاية غرب كردفان، وهي الدفرة والنيم وأم إدارة وموجا وبرسايا، عن الإنتاج بسبب أعمال تخريبية. وفي دارفور، هاجمت قوات الدعم السريع حقل سفيان النفطي بشرق دارفور، ونهبت مستودعات الشركة، ودمرت محطات توليد الكهرباء، وألحقت أضرارًا بمعدات حقول النفط؛ ما تسبب في توقف الإنتاج. ووقعت هجمات مماثلة في حقول شرف وأبو جابرة والزرقاء أم حديد، حيث دمرت الحرائق أكبر الآبار بشكل كامل.
وتحدث وكيل وزارة النفط السوداني السابق، وليد الأسد، بالتفصيل عن الخسائر الكبيرة التي لحقت بقطاع النفط، بما في ذلك حقول الإنتاج وخطوط الأنابيب ومصفاة الخرطوم. وانخفض الإنتاج في حقل هجليج، وهو الحقل التشغيلي الوحيد المتبقي، من 35 ألف برميل في اليوم إلى 18 ألف برميل، (6) في حين توقفت جميع عمليات الحفر والصيانة؛ ما أدى إلى خسائر إنتاج يومية قدرها 2 مليون دولار. وأدت التحديات اللوجستية التي تفاقمت بسبب الصراع إلى انسداد خطوط الأنابيب وتضررها، حيث يخسر السودان مليون دولار يوميًا من رسوم عبور نفط جنوب السودان.
ويستفيد السودان اقتصاديًا من عائدات نفط جنوب السودان، والتي يتم تسهيلها عبر خط الأنابيب السوداني إلى بورتسودان. ومع ذلك، فإن الاضطرابات اللوجستية الناجمة عن تحركات قوات الدعم السريع أعاقت نقل نفط جنوب السودان، مؤثرة على اقتصاد البلدين. إضافة إلى ذلك، عرقلت قوات الدعم السريع الاتصالات اللوجستية وخطوط أنابيب النقل بين حقول النفط في جنوب السودان والميناء، وسيطرت على محطات الضخ الرئيسة في شرق الخرطوم؛ مما أدى إلى توقف العمليات.
خاتمة
نلاحظ أن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع أثرت على جوانب مختلفة من حياة المواطنين، كما أوضح التقرير. وتتجلى هذه الانتهاكات بشكل خاص في مجالات الأمن الغذائي والوصول إلى الخدمات الأساسية، في بلد يعاني بالفعل من انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة بسبب الهجمات العسكرية. بالإضافة إلى ذلك، أدت التكتيكات العسكرية المستخدمة إلى الهجرة القسرية والنزوح واللجوء، مما أدى إلى تفاقم الأزمة.
ويشير تحليل أنماط الجرائم والانتهاكات إلى أن هذه الأفعال لم تكن عشوائية، بل كانت مدفوعة بمصالح اقتصادية، مما يشير إلى وجود “سوق اقتصادية للحرب”. وفي وقت كان فيه الوصول إلى الإمدادات والمعدات العسكرية محدودًا، تحولت العمليات العسكرية إلى ولاية الجزيرة، حيث حقق الدعم السريع أهدافًا اقتصادية مكنته من جذب مقاتلين جدد في صفوفه، ويطلق على هذا الشكل من المقاتلين “الكسيبة”.
إذن ديناميكيات الحرب والانتهاكات المرتبطة بها مدفوعة بمصالح اقتصادية، وهو ما يتضح جليًا عند فهم طبيعة العمليات العسكرية وتأثيرها على اقتصادات المجتمعات المحلية، وخاصة في الولايات التي تشهد نزوحًا، حيث تشكل هذه المناطق أيضًا مراكز إنتاجية رئيسة، سواء في الزراعة أو النفط أو الصناعة أو الثروة الحيوانية.
المراجع:
- Altaghyeer (2024). “عام على الحرب: مدارس السودان ثكنات عسكرية”. Altaghyeer. Available at: https://www.altaghyeer.info/ar/2024/04/24/%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%AB%D9%83%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1/ (Accessed: 22 July 2024).
- Ministry of Higher Education and Scientific Research – Sudan (2023, August 27). “بيان توضيحي حول أضرار مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في فترة الحرب”. [Image attached] [Status update]. Facebook. Available at:
https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=676211941206674&id=100064536226447&mibextid=oFDknk&rdid=fucf9haXqEnhSXr6 (Accessed: 22 July 2024).
- Cgtn (2024). “مقابلة خاصة: وزير الصحة السوداني: الحرب تلحق أضرارا كبيرة بالقطاع الصحي و11 مليار دولار حجم الخسائر”. CGTN. Available at:
- Sudantribune (2023). “الخارجية : قوات الدعم السريع قصفت محطة مياه رئيسية في أم درمان”. Sudan Tribune. Available at: https://sudantribune.net/article278523/ (Accessed: 23 July 2024).
- Sudanakhbar (2023). “سقوط دانة باستراحة التشغيل الجديدة بمحطة مياه بحري”. Sudan Akhbar. Available at: https://www.sudanakhbar.com/1371833#google_vignette (Accessed: 23 July 2024).
- Ajnet (2024). “السودان.. الحرب تدفع صناعة النفط في البلاد إلى حافة الانهيار”. Al Jazeera Net. Available at: https://www.ajnet.me/ebusiness/2024/5/28/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A5%D9%84%D9%89 (Accessed: 23 July 2024).