كان هذا المقال مشروعَ تَخرُّج من الأكاديمية العربية للصحافة البديلة، الفوج الثاني 2022م، تحت إشراف الأستاذ محمد حمامة. وينشر الآن لأول مرة على منصة حوارات جيل الثورة.
خلفية:
خلال شهر ديسمبر من العام 2018م، انطلقت مجموعة من الاحتجاجات في العديد من مدن السودان رافضةً زيادة تسعيرة الخبز من جنيه واحد (لقطعة الخبز وزن 75 جرام) إلى ثلاث جنيهات. واتسعت رقعة الاحتجاجات في 25 ديسمبر، مع موكب تجمع المهنيين الذي كان مقررًا له الذهاب إلى البرلمان بسبب ميزانية السنة الجديدة التي لم تشهد زيادةً للحد الأدنى للأجور.
حوّل تجمع المهنيين من خلال صفحته على فيسبوك مسار الموكب من البرلمان السوداني في أم درمان إلى القصر الجمهوري في مدينة الخرطوم، نتيجةً للضغوط الإعلامية التي مارسها الناشطون على مواقع التواصل من أجل أن يتحول مطلب التجمع من زيادة الحد الأدنى إلى المطالبة بسقوط النظام.
قاد تجمع المهنيين بعد ذلك الاحتجاجات من خلال صفحته على فيسبوك، الجسم الذي نال ثقة الثوار بعد رفضهم للجسم الذي شكلته القوى السياسية (منسقية الأحزاب السياسية، وهي عبارة عن تحالف يجمع الأحزاب المعارضة لنظام الحزب الحاكم “المؤتمر الوطني“). وسرعان ما تحولت الاحتجاجات إلى رفض النظام ككل وكان شعار (تسقط بس) هو الرد الذي واجهت به الاحتجاجات أي محاولة لاحتوائها من قبل نظام الرئيس المعزول عمر حسن أحمد البشير.
كانت المواكب الأسبوعية التي يصدرها تجمع المهنيين من خلال (جدول المواكب) وعبر صفحته هي الشغل الشاغل للشباب والشابات في مختلف مدن السودان. وتطورت مع هذه المواكب القدرة التنظيمية للشباب بعيدًا عن التجمع وظهر ما يعرف بالقيادة الميدانية، وكانت هذه القيادة مسؤولةً من القيام بالمناورات والتكتيكات الميدانية ضد عنف النظام و جهاز الأمن.
من خلال القيادة الميدانية، ظهرت أجسامٌ تقوم بالتنسيق بصورة مستمرة وعلى مدار أيام من أجل إنجاح المواكب الرئيسية، فتشكلت بذلك تنسيقيات لجان الأحياء. كان غرض هذه التنسيقيات محدودًا ولم يكن كبيراً خلال الفترة من يناير وحتى أبريل 2019م. واكتفت بالدعاية والإعلان للمواكب عبر المنشورات الورقية والكتابة على الجدران.
تطوّرت هذه التنسيقيات لتصبح أجساماً تنظيمية لها قدرةٌ كبيرةٌ على الحركة والاتصال والتواصل بشكل أفقي، مما عزز الثقة بين اللجان وهذه التنسيقيات ( كانت التنسيقيات جهات أعلى تنظيمياً من اللجان خلال الفترة الأولى من الثورة )، وتحولت إلى جسم فاعل مع 6 أبريل (اعتصام القيادة العامة في الخرطوم) والاعتصامات التي تشكلت في مدن السودان (حوالي 11 اعتصام).
فُضّ اعتصام القيادة واعتصامات الولايات الأخرى في 3 يونيو 2019 م، وسقط حوالي 150 شهيداً وفُقِدّت مجموعة من الناس حتى تاريخ هذه اللحظة، فانتظمت التنسيقيات لتحشيد الرأي العام بالدعوة لمليونية 30 يونيو التي تصادف تاريخَ انقلاب الحركة الاسلامية على السلطة في العام 1989م .
طوال هذه المدة (3-30يونيو2019م)، استمرت المواكب الدعائية الليلية وتتريسُ شوارع الخرطوم في ظلّ انقطاع الإنترنت وملاحقة أعضاء لجان المقاومة أمنيًا، ثمّ تفجرت المواكب في ظهيرة 30 يونيو لتجبر المجلس العسكري حينها على قبول الوساطة الإثيوبية في يوليو 2019م مع المكون المدني وانطلقت المفاوضات لتنتج وثيقةً دستوريةً، لم تكن مرضيةً لشباب وشابات لجان المقاومة والتنسيقيات. وأفضى هذا الاتفاق السياسي إلى انقسامٍ وسط التنسيقيات بين مؤيد ومعارض.
مع أزمة كورونا، قادت التنسيقيات حملاتٍ شعبية واجتماعية من أجل تخفيف معاناة المواطنين، وسد الفجوة التي حدثت في توزيع الغاز بالإضافة إلى الدقيق والخبز. وتعاونت معها حكومة الفترة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء (عبد الله حمدوك) رغم العداوة التي كانت تظهرها قوى إعلان الحرية والتغيير اتجاه التنسيقيات والمشادات الإعلامية التي كانت تخرج من حين إلى آخر. لم توقف التنسيقيات مواكبها المطالبة بالتحقيق في فض الاعتصام بالإضافة إلى تكوين المجلس التشريعي و مفوضيات الفترة الانتقالية. حاولت قوى إعلان الحرية والتغيير استمالة لجان المقاومة من خلال مرسوم (لجان الخدمات والتغيير 2020)، والذي سعى إلى تغيير صيغة اللجان الشعبية التي أُسست في العام 1996م كوحدات إدارية منتخبة تعمل وسيطاً بين الأحياء و الهياكل التنفيذية، ولعبت اللجان الشعبية أدواراً مختلفة مثل المراقبة الاجتماعية والضبط الاجتماعي مما عزّز وجود النظام داخل المدن و الأحياء في تلك الفترة . وكان هذا المرسوم يهدف إلى تحويل لجان المقاومة إلى لجان للخدمات بما يفرغها إلى مجرد تابع لحكومة الولاية. رفضت لجانٌ القانون وقبلته أخرى مما أدخل اللجان في فترة اضمحلال .
في هذا المقال سنحاول أن نفهم طبيعة لجان المقاومة بالإضافة إلى نشأتها وعلاقتها مع الحركات السياسية في تاريخ السودان بالإضافة إلى اختلافها عن الحركات الشبابية التي ظهرت خلال فترة الربيع العربي، ومن ثمّ فعاليتها خلال الثورة، وبعد تكوين حكومة الفترة الانتقالية. ولأن طبيعة لجان المقاومة تختلف من مدينة إلى أخرى، سنحاول أن نفهم هذه الاختلافات أيضاً من خلال لقاء بعض الفاعلين في هذه المدن.
نشأة لجان المقاومة
عثمان عبد الله عضوٌ في تنسيقية لجان مقاومة محلية (كرري) وهذه المحلية وحدةٌ إداريةٌ داخلَ مدينة أم درمان، وتعتبر تنسيقية كرري ذات أهميةٍ بسبب نشاطها المستمر طوال فترات الثورة والفترة الانتقالية ثمّ انقلاب البرهان على الحكومة الانتقالية في أكتوبر 2021م. يقول عثمان عبد الله إنّ النموذج الحالي للجان المقاومة ليس تشكيلاً غريباً على الحركة السياسية في السودان وإنّما تطور طبيعي لشكل الممارسة الحديث. ويدافع عثمان عن موقفه هذا رغم اختلافه عن المقولة السياسية التي تتبناها بعض الرؤى في الساحة السياسية تأييداً لاستقلالية لجان المقاومة، والتي تقول إنّ لجان المقاومة شكل منفصل تماماً عن تاريخ الحركة السياسية الحزبية وإنّها نتاج حركة شبابية جديدة.
يعود عثمان إلى كتابات فاروق محمد إبراهيم، عضو الحزب الشيوعي السودان في فترة الثمانينات، والتي يشير فيها إلى أهمية أن يتجه الحزب الشيوعي السوداني إلى بناء قواعد حزبية وسط الجماهير وفي المناطق السكنية. إلا أنّ الحزب لم يهتم كثيرًا بهذه الأطروحات، بحسب عثمان. ثمّ أتت فترة التسعينات. وبخصوص هذا الزمن يشير عثمان إلى أنّ خروج قادة الأحزاب السياسية المعارضة إلى العمل السياسي والمسلح من دول الجوار بسبب السياسات الأمنية للنظام قد زاد من تقارب القيادات الوسيطة داخل الجامعات والحركة الطلابية، ما سمح بأن يكون هناك عمل سياسي بعيداً عن المواجهات السياسية وأصبحت القوى السياسية تمارس عملًا سياسيًا ضمن إطار واحد.
يضيف عثمان أن اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا 2005) قد سمحت بأن يكون هناك مجال سياسي مفتوح نسبيًا، بسبب الدستور الانتقالي الذي ضَمِن مشاركة الأحزاب السياسية داخل البرلمان بالإضافة إلى الحريات التي ضمنتها هذه القوى السياسية مما أتاح لها تشكيل حواضن اجتماعية. تقاربت القوى السياسية في تلك الفترة وسرعان ما تبلور هذا التقارب في برنامج سياسي واحد في انتخابات العام 2010م. ورغم خلافات القادة السياسيين حول الأمر إلا أنّ القيادات الوسطى من الشباب قد تحالفت فيما بينها وظهر ذلك في دعم حملة مرشح الحركة الشعبية (ياسر سعيد عرمان) لرئاسة الجمهورية من قبل قيادات الصف الأوسط في معظم الأحزاب السياسية.
نجد أيضًا أن ظهور المجموعات الطوعية قد ساعد في احتكاك الكوادر الحزبية وكوادر العمل التطوعي، وهذا الأمر يعود الى نشاط المجتمع المدني (منظمات المجتمع المدني) في دعم وتعزيز المشاركة السياسية للشباب، بالإضافة الى ظهور المبادرات الاجتماعية والأهلية، مما عزز ثقافة المعارضة عند المجموعات الشبابية الطوعية مثل (شارع الحوادث) والتي كانت تعمل في دعم المرضى وتوفير الأدوية، بالإضافة إلى (مجموعة نفير) التي كانت تعمل في مجال الإغاثة الإنسانية وتحديداً تجاه الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والأوبئة الموسمية .
مع العام 2013م، وبعد انطلاق ثورات الربيع العربي، ظهرت المجموعات السياسية الشبابية التي كانت عابرة للأحزاب إلا أنها أفرادها الذين كانوا منظمين سياسياً ظلّو محتفظين بهوياتهم السياسية، وتشمل هذه المجموعات أسماءً مثل (قرفنا)، و(التغيير الآن) ، و(شرارة) والتي ساعدت في زيادة الرفض الشعبي للنظام.
مع القمع المفرط كما يقول عثمان، اتجه الفاعل السياسي إلى الانتظام المناطقي في الوحدات السكنية بدلًا من الحزبي نتيجة للعنف ومن ثم غياب القواعد الحزبية الممتدة والكبيرة، بالإضافة إلى أنّ الاحتجاجات التي خلفتها انتفاضة 2013م ساهمت في تشكل وعي سياسي في الأحياء التي سقط فيها عدد من الشهداء مثل (بري) و(العباسية) و(شمبات)، والتي أصبحت أكثر الأحياء خروجاً في المواكب طوال فترة ثورة ديسمبر 2018.
خلال الفترة من 2015 وحتى 2018، ظهرت لجان العصيان المدني وسط النقابات والفئات العمالية نتيجة للظروف الاقتصادية والأوضاع المعيشية، مما جعل الحركة الشبابية مسنودة بغطاء نقابي وسياسي. وبنيت الثقة بين الطرفين من خلال الدعوة إلى العصيانات، وكانت هذه الدعوة تتم من خلال نشر الحركة المقاومة للنظام للقصاصات واستخدامها الكتابة على الجدران. شكّل ذلك بؤراً ثورية كانت تنتظر اللحظة الفعلية للخروج، وهو ما تجلى في 25 ديسمبر 2018 عندما دعا تجمع المهنيين لموكب الأجور وغير وجهته من البرلمان إلى القصر نتيجة للدعوات التي انطلقت من أجل إسقاط النظام.
سياقات أخرى للجان المقاومة
كنت في مدينة بورتسودان (تبعد حوالي 1117 كلم عن الخرطوم) للقاء بعض الفاعلين في لجان المقاومة. وهذه المدينة مهمة بسبب وزنها الاقتصادي للأنظمة في الخرطوم؛ إذ أنّها ميناء السودان المطل على ساحل البحر الأحمر، بالإضافة إلى أن المدينة كانت فاعلة خلال فترة الحراك، وهي من أولى المدن التي خرجت. ففي يوم 19 ديسمبر 2018، خرج طلاب مدرسة البحر الأحمر الثانوية بالإضافة إلى طلاب جامعة البحر الأحمر وحاصرت مواكب الطلاب منزل الوالي، منددةً بانعدام الخبز وزيادة سعره من جنيه إلى خمسة جنيهات للقطعة الواحدة في المدينة.
يقول أحمد (اللورد)، وهو عضو فاعل خلال فترة الحراك الأولى ومنسق اللوجستيات في المجموعة التي كونت نواة لجان المقاومة في المدينة، إنّ اللجان تشكلت في المدينة من خلال العضوية الفاعلة داخل القوى السياسية بالجامعة. وسابقًا كانت الجبهة الديمقراطية، وهي تنظيم يجمع بين الطلاب الشيوعيين والديمقراطيين، تعمل على بناء ما يعرف بلجان المقاومة في الأحياء، لكن لجان المقاومة التي تشكلت لم تكن امتدادًا لفكرة الشيوعيين لأنها قامت على تحالف بين خريجي الجامعة السياسيين من مختلف التنظيمات بالإضافة إلى العضوية الفاعلة في الجامعة من التنظيمات السياسية اليسارية.
يضيف أحمد أنّ المدينة في الأساس كانت تعتمد في العمل السياسي على الجامعة. فجميع الاحتجاجات التي كانت تخرج كان مكان انطلاقها الجامعة، عدا تلك المرتبطة بأحداث 29 يناير 2005م حيث كانت خارج الجامعة نسبة إلى احتجاجات الأهالي في أحد أحياء المدينة، لكنّ (اللورد) أوضح أن الحراك الذي حدث خلال فترة الثورة (2018م) لم يكن متصلاً بأي حدث تاريخي سابق في المدينة، ويعود ذلك الى أن الشباب المنخرطين فيه لم يكونوا جزءاً من أي نشاط سياسي خارج أسوار الجامعة، ويشير أحمد الى أن التقنيات في الحراك كانت لا مركزية، وموزعةً على أحياء المدينة. وسهلت طبيعة المدينة المقسمة إلى قطاعات على لجان المقاومة أن تقوم بعملها في دعوة المواطنين، بالإضافة إلى المواكب الليلية التي كان عددها مختلفاً من منطقة إلى أخرى، إذ كان الفاعلون ذوو القدرة السياسية يسكنون في أحياء معينة ولم يكونوا متوزعين بالتكافؤ على الأحياء، لذلك نجد أنّ القطاع الشرقي أكثر فعالية من الجنوبي مثلًا، كما أن الاستقطاب السياسي داخل الجامعة يقوم على المعرفة الشخصية فعضو تنظيم سياسي طلابي من القطاع الشرقي مثلاً لا يمكنه أن يستقطب إلا من الدائرة التي يعرفها ويمكنه التواصل معها، وهذا ما انعكس على انتشار المنظومات السياسية الطلابية في الأحياء السكنية.
مع تطور الحراك، دخلت مجموعات شبابية وأصبحت أكثر قدرة وفاعلية في الحراك الميداني إلا أنها، بحسب حديث أحمد، لم تكن تمتلك القدرة التنظيمية أو الخبرة السياسية بسبب حداثة سنها، ما أتاح الفرصة للسياسيين داخل اللجان ليتجهوا بصورة أكبر إلى العمل السياسي بدلًا من الميداني ويدخلوا لجان إدارة الولاية والترتيبات السياسية مع المركز في اختيار الوالي والشؤون التسييرية للولاية، الأمر الذي انعكس على الموقف من المنظمين سياسيًا على مستوى الميدان.
التنسيقيات و قوى إعلان الحرية والتغيير
في 25 أبريل، وبعد عزل الرئيس عمر البشير، ظهرت خلافات بين التنسيقيات وقوى إعلان الحرية والتغيير أو ما يعرف حينها (تنسيقية قوى إعلان الحرية والتغيير). وظهر هذا الخلاف حادًا في مدينة (الأُبيض) في وسط السودان. وتأتي أهمية هذه المدينة في أن تنسيقياتها من أكثر التنسيقيات تنظيمًا بالإضافة إلى أن الولاية التي تضم المدينة كانت تحت حكم الوالي (أحمد هارون). لذلك كانت الاحتجاجات فيها تعتبر استثناءاً جعل من المدينة رمزًا لكسر شوكة النظام في أذهان الثوار حينها.
اتجهنا إلى الأبيض التي تبعد عن الخرطوم حوالي 427 كلم، والتقينا هناك بمنسق لجنة الاتصال في تنسيقية الولاية خلال فترة أبريل 2019م، إلا أنّه رفض ذكر اسمه الحقيقي واكتفى باسمه الحركي (عوض) في جلسة تجمع مجموعة من أصدقائه الذين شاركوا في بداية الحراك، بسوق (أبو جهل)، وهو سوق شعبي للمحاصيل والمنتجات الغذائية المحلية كانوا يتخذون من مقاهيه الشعبية مركزًا للاجتماعات حتى سقوط النظام.
يذكر عوض أنّهم قد بدأوا، بعد اعتصام الثوار في ميدان الحرية (ميدان في وسط الأبيض)، في تنسيق العمل الإعلامي، إلا أنّ قوى إعلان الحرية والتغيير في الولاية بدأت بمحاولة السيطرة على المنصة الإعلامية وتبعتها محاولة السيطرة على الخطاب السياسي الذي يصدر. يضيف عوض أنّ ذلك كان صدمةً لهم مما تسبب في انقسام وسط اللجان الإعلامية والتنسيقية، ففقد حاولَ بعض أفراد القوى السياسية الذين كانوا جزءًا من حراك أن يكونوا في صف أحزابهم السياسية.
يضيف أيضاً أن المشكلة كانت في البداية بدخول القوى السياسية وشبابها داخل التنسيقيات في الأحياء بالرغم من أن تجربة جامعة كردفان في الحراك المطلبي الذي سبق الثورة كانت قويةً جداً. فمنذ مقتل الطالب بكلية الهندسة (أبوبكر حسن) في العام 2016م، لم تتوقف الجامعة عن الحراك الطلابي فتشكلت بعض الأجسام الطلابية. وقد كانت هذه الأعوام بالنسبة للطلاب مهمة في تكوين وعي سياسي مكنهم من الاقتراب من تحقيق اتحاد الطلاب بعيدًا عن القوى السياسية. وعندما تفجرت الثورة، كانت هناك قاعدة اجتماعية شبابية تقوم على أساس الثقة التي تشكلت من العمل السياسي خلال سنوات داخل الجامعة، فتمكنت من تكوين لجان الأحياء.
يشير عوض إلى أنهم خاطبوا تنسيقية قوى إعلان الحرية والتغيير المركزية إلا أنهم لم يجدوا أي رد، ويضيف أن بعض الفاعلين في الخرطوم قالوا لهم إلى إنّ هذه السلوكيات فردية وليست توجهاً مركزياً من قبل الأحزاب السياسية. ويضيف أحد الشباب الذين كانوا ضمن هذه الجلسة أنهم في إحدى الاجتماعات التي كان من ضمن أجندتها مناقشة العلاقة مع الحرية والتغيير، وصلوا الى فض العلاقة بشكل كامل، وترتب على ذلك رفضهم للحكومة الانتقالية في الولاية وسياساتها.
رأي الأكاديميين
يشير البروفيسور عطا البطحاني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، والذي أجمل نقاشه في مقاله ( The Role of Local Resistance Committees in Sudan’s Transitional Period, 2021) المنشور قبل أربع أعوام، إلى أنّ الأثر التراكمي للاحتجاجات الطلابية والقوى الشبابية عمل في المساعدة على تكوين لجان المقاومة والتنسيقيات في الأحياء والمدن، على الرغم من أننا لا يمكننا أن ننسب لجهة واحدة أو فاعلين بعينهم تكوين هذه اللجان خصوصًا أنها مرت بمجموعة من المراحل. فقد كانت الفكرة موجودة في الوسط السياسي في الفترة ما بين العام 2010 والعام 2012 إلا أنها تعززت مع قمع المظاهرات في العام 2013م. وبسبب الحوار السياسي بين النظام والمعارضة في العام 2014م، والذي رفضه قادة المعارضة، بدأت القوى الفاعلة في تكوين المجموعات الشبابية والتي ظهرت في حملات المقاطعة لانتخابات 2015م .
يقول عطا إنّ السياسات الحكومية الاقتصادية القاسية والتدابير لرفع الدعم عن الخبز والوقود في العام 2018م، جعلت من اندلاع المظاهرات، وإقامة حواجز الطرق، وإحراق إطارات السيارات، أمورًا مألوفة تتم بإيعاز من تجمع المهنيين السودانيين، الذي تولى مسألة تنظيم وتنسيق الاحتجاجات السلمية في ديسمبر 2018. وفي يناير 2019، برزت قوى الحرية والتغيير كتنظيم جامع للأحزاب والقوى المعارضة. ومع ذلك، تعتبر لجان المقاومة المحلية صانعة التغيير الحقيقية.