مستوى النزاع بين المركز و إقليم دارفور: أسباب نشوء الصراع و استمراره
عبدالباقي الناجي
تناولنا في المقال السابق، وهو ثاني المقالات المرتبطة بملف أزمة إقليم دارفور، المستوى الاجتماعي للنزاع وأسبابه، والعوامل المؤثرة فيه، و تاريخ هذا النزاع. و قد كان ختام المقال، والذي تناول حرب العرب مع المساليت، تمهيداً ورابطاً للمقال الثالث.
بدأت السلسلة بتقسيم مستويات الصراع في درفور إلى ثلاثة مستويات، مستوى اجتماعي قاعدي، ومستوى تتصارع فيه نخب الإقليم على حكمه، ومستوى يتصارع فيه الإقليم مع الحكومة المركزية على صيغة أفضل لتوزيع السلطة والثروة، وفي مقالنا اليوم، سنتطرق إلى المستويين الثاني والثالث للحرب والصراع في الدارفور، مع تركيز أكبر على الصراع بين الإقليم والحكومة المركزية، لننظر في أسبابه ودوافعه، وكيف تفاعلت هذه العوامل، و ما خلفته من آثار، وأسباب استمرار و تطاول أمد النزاع بالرغم من الاهتمام الدولي الذي حظيت به قضية دارفور.
إرث من التنمية غير المتوازنة:
بلا أدنى شك، تقف التنمية غير المتوازنة على رأس هرم الأسباب المؤججة للحرب، فبالرغم من أن سكان الإقليم يمثلون حوالي ربع سكان السودان، إلا أن الحظ التاريخي للإقليم من التنمية كان بسيطاً، خصوصاً عند مقارنته بمناطق شمال السودان ووسطه. فعلى سبيل المثال، وعند النظر إلى القطاع الصحي، نجد أنه لدى الإقليم 14% فقط من مؤسسات الرعاية الصحية الأولية]1[، و يحظى الإقليم بخدمات 8% فقط من كوادر التمريض العاملة بالسودان، و 5% من الأخصائيين، بينما لا تتعدى نسبة الإطباء( بمختلف تخصصاتهم و مستوياتهم) حاجز ال4% ]2[.
بالطبع لم تكن حكومة الإنقاذ وحدها الملامة، فالأزمة لا تعود فقط إلى سياسات وبرامج اتخذتها الإنقاذ كالبرنامج الثلاثي (1999-2002) الذي يتضمن اختلالاً في توزيع مشاريع التنمية و توزيع الثروة [3]، فدارفور لم تحظ بتنميةٍ تذكر حتى في عهد الحكومات الوطنية، فلم تصل شبكة سكك الحديد إلى نيالا إلا في عام 1960، و كذلك تأخرت المشاريع الزراعية بالإقليم لتبدأ بعد عام 1968 [4]. ولكن، ولنقل الحقيقة كاملةً، و ليس تبرئةً لساحة الحكومات الوطنية (الحزبية-العسكرية) التي عجزت عن إصلاح التشوهات في التنمية؛ فإن وزر التنمية غير المتوازنة، يقع بشكل كبير على عاتق الاحتلال البريطاني، فالسودان وخغرافيته السياسية الحالية (قبل انفصال جنوب السودان) لم يكن لأحد من السودانيين يد فيه، بل صنعه المستعمر[5]، وقد تشكلت أغلب ملامح وسمات الدولة السودانية الحديثة في فترة الاستعمار البريطاني، بما في ذلك العديد من الاختلات في توزيع السلطة والثروة، ولذلك نجد جذور الفوارق التنموية بين أقاليم السودان ومناطقه المختلفة في تلك الفترة، التي نمى فيها الاستعمار مناطق بعينها بحسب جدواها الاقتصادية بالنسبة له. فالاستعمار البريطاني لم يضع البنى التحتية ولم يؤسس المشاريع في “الشمال النيلي” حباً فيه، بل وفق ما اقتضته المصالح البريطانية، فعلى سبيل المثال قام مشروع الزيداب الزراعي، و مشروع الجزيرة، ومشاريع زراعة القطن الأخرى لتلبية احتياج بريطانيا من القطن طويل التيلة، في صناعة المنسوجات الخفيفة، وكذلك أقيمت سبعة مشاريع على ضفاف النيل بالمديرية الشمالية، لتلبية احتياجات البلاد من الغذاء، و توفير علف حيوان لفرق الخيالة التابعة لجيش الاحتلال [6]. وربما كان الحال ليكون معاكساً، والمهمش هو “الشمال النيلي” لو كان المستعمر يحتاج هو و أسواقه للماشية وما يمتاز به إقليم دارفور من موارد، ويلاحظ كذلك وجود فروقات تنموية بين مناطق الشمال النيلي نفسها، فالعديد من هذه المناطق يموت أطفالها غرقاً وهم في طريقهم لأقرب مدرسة، وأن الناس لا زالت تموت في الشمال بسبب انعدام أمصال العقارب والثعابين. ولم يزرع الاستعمار البريطاني ألغام الحرب عبر خلقه لاختلالات تنموية فحسب، بل زاد الطين بلةً بربطه لملكية الأراضي على أساسٍ قبلي، لكسب ود القبائل، و القضاء على آثار و نفوذ المهدية [7]، وهو أمرٌ تم تناوله بإسهابٍ في مقال سابق[8].
و بالرغم من أن أرقام التنمية في شرق السودان من الأسوأ، إن لم تكن أشد سوءاً من إقليم دارفور، لم يشهد الشرق تمرداً مماثلاً. فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل الأرقام و الإحصائيات التي تعكس التنمية غير المتوازنة مضللة؟ بالطبع هي ليست كذلك، لكن غياب التنمية في دارفور تفاعل بشكل قوي مع الصراع على الموارد (أرض-مرعى- ماء) الذي دفع القبائل مثل الفور لتكوين وحدات الدفاع الذاتي المسلحة، بالإضافة لعامل صراع الحكومة المركزية مع الحركة الشعبية، والتي كانت حاضرة بقوة في دعم التمرد في دارفور؛ مما أسهم في اشتعال الحرب في دارفور.
اختلال في التنمية وفي توزيع السلطة.. ومن ثم تمرد على الدولة:
إذا كانت التنمية غير المتوازنة (سوء توزيع الثروة) سبباً في إشعال الحرب، فإن أشكالاً من الإقصاء و الحرمان من السلطة لعبت أيضاً دوراً فاعلاً كذلك في الصراع. فلم يحظ الإقليم بتمثيل وزاري في الحكومة الاتحادية إلا بعد أكثر من عقد من الاستقلال عقب تعيين أحمد إبراهيم دريج، والذي نجد من خلال ارتباطه مع قضايا الإقليم قد تركزت فاعليته السياسية في صناعة موزنات تنموية/ سياسية، إلا أن عمليات الجفاف و التصحر قد أخلت بالموازنات الإجتماعية، مما عمل على تغيير الوضعية السياسية ما بين المركز و الإقليم. وتطلب تمثيل دارفور في مجلس السيادة عقدين آخرين بتعيين علي حسن تاج الدين، أي بعد ثورة مارس-أبريل 1985 [9]، واتسمت فترة نميري بملامح مشابهة فلم يكن خروج أعضاء الاتحاد الاشتراكي الدارفوريين من اجتماع تعميم تجربة الأقاليم عام 1980 سوى اعتراض على تجاوز رغبات أبناء دارفور في الحصول على إقليم منفصل إدارياً، كما هو الحال في الجنوب، وفي ذلك الوقت كان الإقليم الغربي يضم دارفور و كردفان معاً [10]، وحتى بعد رضوخ نظام نميري لمطالب أهل الإقليم، تم تعيين الحاكم من خارج الإقليم، ليتراجع نميري عن ذلك سريعاً بعد احتجاجات دامية شهدها الإقليم، ليُحكم الإقليم أخيراً عبر أحد أبنائه، أحمد إبراهيم دريج، في عام 1981 [11].
واستمر هذا الحال كذلك خلال فترة حكم الإسلاميين، فرغم أن الجبهة الإسلامية ضمت العديد من أبناء دارفور، إلا أن ممارسات حكومة الإنقاذ دفعت أبناء الإقليم المنتمين للجبهة الإسلامية لتشكيل خلايا سرية للدفاع عن مصالحهم، و إصلاح الحركة الإسلامية. فتشكلت أول خلية في الفاشر عام 1993 ]12[. ومما أثار حفيظة و حنق أبناء الإقليم هو إبعاد الشفيع محمد أحمد من الأمانة العامة للحزب، و استبداله بالدكتور غازي صلاح الدين ]13[. ورأى آخرون من أبناء الإقليم أحقية و أفضلية الدكتور علي الحاج علي على عثمان محمد طه بمنصب نائب رئيس الجمهورية بعد مقتل الفريق الزبير محمد صالح ]14[. ولعل هذه الخلافات وحالة الاستياء وبوادر التمرد على السلطة التي ظهرت في أبناء الإقليم هي من دفعت العديد من أبناء الإقليم للانضمام للدكتور حسن الترابي عند وقوع المفاصلة عام 1999. وقد شكل المنقشون من المؤتمر الوطني من أبناء دارفور نواة حركة العدل و المساواة، وهو بالطبع ما دفع الحكومة لربطها بالمؤمتر الشعبي.
لم يكن الإقصاء عبر الإبعاد من المناصب فحسب، فقد كانت ردة الفعل على تمرد داوود يحيى بولاد، بعد استبعاده من هياكل السلطة عام 1990، سيئة الأثر و ذات دور سلبي جدا في تطور الأزمة. فقد تم القضاء على تمرد بولاد بالاستعانة بقبائل بني هلبة العربية، و قد عمل مسلحو بني هلبة بمعية القوات الحكومية فيما بعد على حرق عدد من قرى الفور التي ينتمي لها بولاد [15]. وكان ذلك إيذاناً بانتشار مزاعم انحياز الحكومة للمكون العربي في دارفور. وقد ساهمت قرارات الحكومة ، والتي عُدت في صالح المكونات العربية، في دعم هذا الادعاء؛ فعلى سبيل المثال جعل التقسيم الإداري الجديد (نظام الولايات الثلاث) الفور أقلية في كل ولاية، و هو ما لم يعجبهم، و لم تكن نظرة المساليت، إحدى القبائل الأفريقية، للحكومة حسنة؛ فقد اعتبروا الهيكلة الجديدة للإدارة الأهلية، و التي أسفرت عن وجود ثمانية أمراء عرب مقابل خمسة فقط من المساليت، في المنطقة المعروفة تاريخياً بدار المساليت، مظهراً آخر من مظاهر تفضيل الحكومة للمكون العربي [16].
لم تكن هذه المرة الأولى التي تستعين فيها الحكومة المركزية بالميليشات القبلية، فقد استعانت حكومة الصادق المهدي بمليشيات البقارة لقتال متمردي جنوب السودان، إلا أن الأمر تطور في عهد الإنقاذ ليصبح قتالاً بين أبناء الإقليم الواحد، و رغم أن هذا يشابه إلى حد كبير دعم الحكومة للقبائل الجنوبية في مواجهة التمرد إبان الديموقراطية الثانية، فإن الفرق يكمن في أن القبائل هي التي طلبت من الحكومة دعمها لا العكس، كما ذكر محمد أحمد محجوب ]17[.
لكن هل كانت هذه المزاعم حقيقية؟ أم أنها تفتقد للدقة؟ فإذا نظرنا إلى استعانة الحكومة بالمليشيات العربية، فسنجد أن ذلك تزامن مع عدم مقدرة الحكومة على مواجهة التفلتات بواسطة القوات المسلحة بسبب انشغالها في الجبهة الجنوبية بمكافحة تمرد الحركة الشعبية، و لم يكن بمقدور القوى الشرطية أن تغطي الريف و الحضر، فتم تخصيصها للحضر، مما فتح الباب أمام الاستعانة بالمليشيات العربية [18]. ولا يمكن النظر إلى مشاركة المكونات العربية في حملات الحكومة بمعزل عن التهميش الذي ظل يعاني منه عرب دارفور؛ فإن كانت دارفور هامشاً، عرب دارفور هم هامش الهامش. وقد وجدوا، أي عرب دارفور، في مشاركتهم بمكافحة التمرد فرصة لحصد امتيازات و حقوق الأرض وخلق تعاون مع الحكومة يمكنهم من الخروج من دائرة التهميش. ومما يدلل على أن النظرة للتكتلات بمنظور عرقي تصور قاصر؛ فقد تحالف المعاليا، وهم قبيلة عربية، مع المتمردين من قبيلة الزغاوة في العام 2003 ضد الرزيقات، وهي قبيلة عربية، بسبب فشل مساعيها للحصول على دار من إدارة الرزيقات، و بالمثل فقد شارك القمر، وهم من غير العرب، في صف الحكومة لصد متمردي الزغاوة [19].
و بالعودة لقضية بولاد، و قبل الحكم عليها بمنظور عرقي، يجب الالتفات لأمرين مهمين؛ أولهما أن بولاد كان ينتوي أن يترك الجبهة الإسلامية و ينضم للحزب الاتحادي الديمقراطي عشية الانقلاب، فالأرجح أن ذلك حرمه من العديد من الاعتبارات التي قد يحظى بها بقية أبناء التنظيم ]20[، و ثانيهما أنه قاد تمرداً عبر الحركة الشعبية التي كانت عدو حكومة الإنقاذ اللدود، و لطالما أعربت عن رغبتها في إسقاط نظام الخرطوم، ويمكن النظر إلى ردة فعل الإنقاذ على أي محاولة لقلب الحكم عبر ما جرى لضباط تنظيم الخلاص الوطني، الذين أعدموا قبيل العيد بعد فشل محاولتهم الانقلابية.
على ضوء مزاعم الانحياز الحكومي للعرب، عملت القبائل الافريقية، و على رأسها الفور، للتسلح في وجه الخطر العربي. و قد كان ذلك بعد اجتماع عام 1996 ضم ثلاثة من أبناء الفور، على رأسهم المحامي عبدالواحد محمد نور ]21[، الذي سيصبح فيما بعد قائداً لأبرز حركات التمرد بالبلاد. قد خلص الاجتماع إلى استنفار الفور من أجل تمويل سلاح مليشيات الدفاع الذاتي ضد العرب، ولكن سرعان ما أن تم جمع الدعومات و الأموال، تم طرح فكرة أن العدو هو الحكومة و ليس العرب ]22[. و لعل لقائد التمرد في جنوب السودان، جون قرن قرنق، دورٌ في هذا التحول. فقد نصح قرن عبدالواحد بتغيير اسم حركته من جبهة تحرير دارفور إلى جيش تحرير السودان، كما دعمه بالسلاح و التدريب [23].
أثر العوامل الخارجية:
بالنظرإلى دور قرنق والجيش الشعبي، يجب أن نضع في اعتبارنا العوامل الخارجية ضمن أسباب اشتعال الصراع، و استمراره. فعلى سبيل المثال لا يمكن إغفال دور الحرب التشادية –التشادية عند محاولتنا لفهم الصراع بمستوياته المختلفة، فقد كان لهذه الحرب أثرٌ مدمرٌ على الإقليم، حيث زادت من تدفق السلاح بمعدلات عالية، و تسربه إلى أهالي الإقليم، مما جعل أعداد ضحايا النزاعات القبلية ضخمة جداً، وصعب على نظام المصالحات تداركها ]24[؛ فقد كان للهجرات و موجات اللجوء، بسبب الحرب التشادية في بداية السبعينيات، والتي تحولت فيما بعد ساحة صراع بين القوى الإقليمية، دورٌ في تأجيج في تفجر الأزمة في دارفور ]25[. إضافة للضغط على الموارد، الذي شكلته موجات الهجرة و اللجوء، فقد كان التداخل القبلي بين البلدين وبالاً على استقرار الإقليم. فقد دعم عرب دارفور أبناء عمومتهم من التشاديين في حربهم ضد حكم حسين هبري، وبالمقابل حصلت مليشيات الفور على دعم و تسليح من حكومة هبري بحجة التصدي للمجموعات العربية، مما نقل الصراع من تشاد إلى داخل الإقليم ]26[. ولعل أوضح مثال على التداخل القبلي بين البلدين، هو مشاركة زغاوة دارفور إلى جانب زغاوة تشاد في تمرد ديبي، إلا أنهم عادوا لدارفور بعد خلافات مع ديبي، وبسبب ضغط المانحين بتقليص قوات الجيش ]27[، وبلا شك فإن علاقة القربى و الدم هي التي دفعت ديبي لدعم التمرد، رغم امتناعه في بادئ الأمر نظراً لما تشكله الخرطوم من أهمية؛ فقد كان عماد أبرز حركتين متمردتين في دارفور من أبناء الزغاوة.
بذكرنا للعامل التشادي، لا يمكن إغفال دور العقيد معمر القذافي، رئيس الجماهرية الليبية في هذه المأساة. وسابقاً، تدخل القذافي السودان بدعمه للجبهة الوطنية في تمردها ضد حكم جعفر نميري في السبعينيات، إلا أن دوره في أزمة دارفور كان كارثياً، عبر تدخله المستمر في الحرب التشادية فلم يبخل العقيد بالدعم المادي واللوجستي على أي طرف وقف بصفه، بداية بغوركوني عويدي، مروراً بدعم الفيلق الإسلامي بقيادة الشيخ ابن عمر المعارض لحسين هبري، و من ثم دعم إدريس ديبي المنشق عن حسين هبري، وأدى ذلك إلى انتشار السلاح الذي كان يدخل لدارفور عبر الفارين من المعارك، أو مباشرة من ليبيا إلى قواعد المتمردين في دارفور. واستمر الدور السلبي للقذافي بعد حرب 2003 ولم يكتف القذافي بدعم فصائل التمرد السودانية بالتعاون مع حكومة ديبي [28]، بل عمل على عرقلة أي مفاوضات للحل تجعل من دوره في المشهد هامشيا، كما حدث في الدوحة. ولم يكن القذافي وحده الذي يخاطب ود الحركات المسلحة ليضغط بها على الخرطوم؛ فقد وجد الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ضالته في دعم التمرد، من أجل دفع الخرطوم لفك تحالفها مع أديس أبابا.
لكن بالمقابل كان لاستمرار النزاع عوامل أخرى غير التي كانت سبباً للنشوئه ولظهور الخلاف بين المركز والإقليم، تراوحت هذه العوامل بين عوامل ارتبطت بفاعلين خارجيين، وأخرى أكثر ارتباطاً بالشأن الداخلي، وطبيعية الفاعلين الداخليين في الإقليم والتعامل السياسي مع الأزمة.
تعد ظاهرة التدويل الذي حظيت به قضية دارفور إحدى الأسباب المهمة والتي ارتبطت بفاعليين خارجيين، فقد كان تعاطي المجتمع الدولي مع الأزمة، أحد أبرز أسباب استمرار الصراع. و لعل أزمة دارفور هبطت كهدية من السماء بالنسبة للمجتمع الدولي، بعد فضيحة غزو العراق في 2003 و ما تبعها من مآس، ليلمع للعالم جانبه الإنساني الذي اتسخ بعد غزو العراق. لم يكن التدويل مشكلة بقدر ما كانت أساليبه؛ فقد صاحبت حملة التدويل عملية تضليل واسعة بقيادة ائتلاف انقاذ دارفور فيما يتعلق بأرقام الضحايا، والغريب في الأمر أن أعداد الضحايا لم تكن في اتجاه معين، فهي ترتفع حينا و تنقص أحايين أخرى، حسب المزاج العالمي [29]. بالإضافة للتلاعب بالإرقام، فإن فرضية الإبادة الجماعية [30]، و أخذها كحقيقة مسلمة، دون النظر إلى جذور القضية، و البحث في حقيقة هذه الفرضية، لم يكن أمراً في صالح القضية؛ فعلاوة على أنه يصور الأطراف المتمردة (ذات الأصول الأفريقية) على أنهم ضحايا ليس إلا، فقد عملت الفرضية على اعتبار أن كل المكونات العربية في دارفور مسؤولة عن هذه المأساة، بالرغم من أن بعضها لم يحمل السلاح قط [31].
بلا شك، فإن التدويل لم يكن ليصبح بهذا الشكل، لو كانت العلاقات الخارجية لحكومة الإنقاذ أفضل. فغياب أصدقاء وحلفاء دوليين، لم يحرم حكومة الإنقاذ من الاستفادة من الصمت الذي مارسه المتجمع الدولي تجاه أزمات مشابهة في القارة، مثل ما حدث في الكونغو و أنقولا، بل مهد الطريق للحملة الدولية التي ساهمت فيما بعد بإصدار مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الجمهورية، وقتها، عمر البشير.
عوامل داخل الحركات المسلحة:
و قد كان لتركيبة الحركات المسلحة أثر في استمرار الصراع، فقد شهدت أول و أكبر حركتين مسلحتين، حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، انشقاقات عدة، على أن أبرزها كان لأسباب قبلية، فقد انشق جبريل عبد الكريم من حركة العدل و المساواة، بعد أن استفرد الزغاوة بجميع المناصب القيادية في الحركة ]32[. وقد عمل مناوي، والذي ينحدر من قبيلة الزغاوة، بعد انشقاقه عن حركة عبد الواحد المنتمي للفور، على الاستفادة مما حدث، ليقوم بإشراك جميع الإثنيات في قيادة حركته، بما فيهم العرب ]33[.
بالطبع، لم تكن الدوافع القبلية وحدها السبب في انشقاق الحركات؛ فالعمل الاستخباراتي و سياسة فرق تسد التي انتهجتها حكومة الإنقاذ أسهمت في ذلك[34]. ولكن الحكومة فتحت على نفسها باباً لم تستطع إغلاقه، فأصبحت ثقافة حمل السلاح من أجل المناصب و مفاوضة الحكومة [35] عمل من لا عمل له. وكذلك لعبت الحكومة على وتر حب “العربة البيضاء” الذي يعتري العديد من قادة الحركات المسلحة [36]. على أي حال نهج استرضاء النخب بالمناصب لم يكن صنيعة الإنقاذ، فقد تنازل دريج عن موقعه في جبهة نهضة دارفور، و انضم لحزب الأمة في الستينيات، مقابل الحصول على منصب وزاري [37]. ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول د.الحاج آدم “المتهم الهارب”، حسب ما سمته صحف الخرطوم وقتها، إلى نائب لرئيس الجمهورية، بينما رفاقه يقضون فترتهم بالسجون[38].
و بالرغم من أن الحديث عن أسباب عدم فعالية الاتفاقيات تحتاج لمقال منفصل؛ إلا أنه يلزم الإشارة إلى أن عدم إشراك الفاعلين و أصحاب المصلحة الحقيقيين، في أي عملية تفاوضية لن يقود سوى إلى إطالة أمد الأزمة. و يظهر ضرر عدم إشراك المصلحة الحقيقيين في سياسات وخيارات ولقاءات و حوارات حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي. فعلى سبيل المثال، لم تكن مسألة إجراء التعداد الشامل (إنساني، حيواني، نباتي) هما يؤرق الرجل الأول في الإقليم، لدرجة أنه لم يتحدث عنها في أي حوار أجري معه في الفترة الأخيرة (بعد انقلاب الخامس و العشرين من أكتوبر) رغم وقوع حوادث نفوق ماشية بالمئات، و رغم الحوجة الماسة للبيانات الإحصائية للتخطيط لمستقبل الإقليم [39].
المصادر و المراجع:
1- وزارة الصحة الاتحادية، التقرير الإحصائي السنوي (2020)
2-المصدر السابق
3-الكتاب الأسود، اختلال ميزان تقسيم السلطة و الثروة في السودان، مؤلف مجهول
4-اقتصاد الحرب و حروب الاقتصاد:دارفور نموذجاً، خالد التجاني النور، نشر ضمن مؤلف بعنوان: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان (2013)
5-محاضرة آفاق السلام في السودان، محمد أبو القاسم حاج حمد، المجمع الثقافي أبوظبي (2004)
6- صراع السلطة و الثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، تيم نبلوك (2019)
7-دارفور:منقذون و ناجون، السياسة و الحرب على الإرهاب،د. محمود ممداني (2010)
8- راجع: الحرب و السلام في دارفور: المستوى الاجتماعي للصراع في دارفور، حوارات جيل الثورة (2022)
9- اقتصاد الحرب و حروب الاقتصاد:دارفور نموذجاً، خالد التجاني النور، نشر ضمن مؤلف بعنوان: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان (2013)
10- أزمة دارفور، نظرة في الجذور و الحلول الممكنة، د. عبدالوهاب الأفندي (2009)
11-المصدر السابق
12- المصدر السابق
13- المصدر السابق
14-دارفور، و أزمة الدولة في السودان، عبدالجبار محمد دوسة(2013)
15- أزمة دارفور، نظرة في الجذور و الحلول الممكنة، د. عبدالوهاب الأفندي (2009)
16- المصدر السابق
17- الديموقراطية في الميزان، محمد أحمد محجوب (1986)
18- دارفور: عواقب التفاعل بين جذور الأزمة وتداعيتها، بروفيسر الطيب زين العابدين، نشر ضمن مؤلف بعنوان: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان (2013)
19- دارفور:منقذون و ناجون، السياسة و الحرب على الإرهاب،د. محمود ممداني (2010)
20- أزمة دارفور، نظرة في الجذور و الحلول الممكنة، د. عبدالوهاب الأفندي (2009)
21- المصدر السابق
22-المصدر السابق
23- المصدر السابق
24- دارفور:منقذون و ناجون، السياسة و الحرب على الإرهاب،د. محمود ممداني (2010)
25- أزمة دارفور، نظرة في الجذور و الحلول الممكنة، د. عبدالوهاب الأفندي (2009)
26-المصدر السابق
27-المصدر السابق
28-الدور الإقليمي في الأزمة: ابتكارات خلاقة و صراعات معطلة، د. أليكس دو فال، نشر ضمن مؤلف بعنوان: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان (2013)
29- دارفور:منقذون و ناجون، السياسة و الحرب على الإرهاب،د. محمود ممداني (2010)
30- المصدر السابق
31- أزمة دارفور، نظرة في الجذور و الحلول الممكنة، د. عبدالوهاب الأفندي (2009)
32-الحركات المسلحة في دارفور: التركيبة و الأدوار، د. محمد الأمين خليفة، نشر ضمن مؤلف بعنوان: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان (2013)
33-المصدر السابق
34- المصدر السابق
35- السلاح و السياسة في دارفور:تداعيات الأزمة على الساحة السياسية، نموذجا، د. محمد محجوب هارون، نشر ضمن مؤلف بعنوان: دارفور: حصاد الأزمة بعد عقد من الزمان (2013)
36-ندوة المشكلة السودانية و مأساة دارفور، و أفاق الحلول، د.شريف حرير، النادي السوداني دنفر (2018)
37- دارفور:منقذون و ناجون، السياسة و الحرب على الإرهاب،د. محمود ممداني (2010)
38-مقال للكاتب عثمان ميرغني، صحيفة التيار (2011)
39– موقع دارفور 24 (2022)