Hiwaratjeel

تسييس جهاز الخدمة المدنية في السودان

مقال رأي

إعداد: محمد إبراهيم – طالب اقتصاد وعلوم سياسية 

المُستخلص:

إن الخدمة المدنية تعد بلا شك أحد عناصر الدولة الحديثة والتي لا يمكن الاستغناء عنها، وزادت أهميتها مع تطور الدولة وتشعب وظائفها وتحملها الكثير من المسؤوليات التي كلفت بها نفسها أو فرضها عليها المجتمع. وفي هذا السياق عمل المفكرين قدر جهدهم على وضع نماذج للخدمة المدنية قادرة على أداء ما يتوقع منها، وتعد إسهامات ماكس فيبر وتريفليان-نورثكوت الأبرز في هذا المجال. ورغم إمكانية تطبيق هذه النماذج التي وضعها المفكرين، إلا أننا نرى مدى انتشار داء التسييس داخل أجهزة الخدمة المدنية في عدد مقدر من دول العالم وخاصة دول العالم الثالث، والسودان يقدم مثالاً على ذلك؛ فعندما جثم الاستعمار على صدر البلاد قام ببناء خدمة مدنية حديثة ضمت جانباً سلبياً حافظت عليه الحكومات الوطنية المتعاقبة وآخراً إيجابياً لم يتم المحافظة عليه. فالجانب السلبي تمثل في أن الأهداف التي كانت ترمي الخدمة المدنية إلى تحقيقها كانت أهدافاً استعمارية لا تتضمن مصلحة البلاد، أما الجانب الإيجابي والذي للأسف لم تلتزم به الحكومات الوطنية بعد الاستقلال كان حيادية الخدمة المدنية وبعدها عن المجال السياسي الذي غرقت فيه، مما انعكس سلباً على أداءها.

المقدمة:

لا تعتبر الخدمة المدنية ذراعاً تنفيذياً فقط، تقوم بتنفيذ الخطط الموضوعة  من قبل السلطة؛ فالدور التنفيذي هو ليس الدور الوحيد المنوطة به الخدمة المدنية، فالخدمة المدنية باعتبارها جهازاً فنيا أيضاً، لها دور محوري في صنع السياسات وتقديم النصح للسياسيين بأفضل الطرق لتحقيق الغايات الموضوعة، ومن أجل قيامها بهاتين المهمتين بأفضل وجه يلزمها الاستناد على مبادئ وقواعد ومعايير موضوعية تنظم عملها. إن الخدمة المدنية من حيث جوهرها لا تعد حديثة العهد، إذ انها تضرب بجذورها في أقدم العصور، فأغلب أشكال التنظيم السياسي تحتاج لجهاز إداري يتولى تنفيذ واجبات التنظيم الرسمية، وكل ما طرأ على الخدمة المدنية من تحديث فهو يتعلق فقط  بتبلور مفهومها، وتحديد وترسيخ القيم والمبادئ والقوانين التي ترتكز عليها. لكن هذه المسيرة الطويلة للخدمة المدنية لم تخل من التحديات والمشكلات التي أثرت سلبا على دورها المحوري، وحولتها في بعض الأحيان إلى كابح يمنع حركة الدول والشعوب نحو التقدم والرخاء، ومن بين هذه المشكلات وأعوصها هي مشكلة تسييسها. لذلك تعد قضية مهنية/تسييس جهاز الخدمة المدنية من بين أهم القضايا الشاغلة للفكر الإداري الحديث لارتباط تلك القضية بأداء المنظمات العامة، فجهاز الخدمة المدنية المهني والذي يقوم على أسس تشمل ( الاحترافية، والجدارة، والكفاءة، والنزاهة) قادر على تحقيق الأهداف الموضوعة بفاعلية وكفاءة أكبر من الجهاز الذي تشوبه المحسوبية والولاءات السياسية(١) .يعتبر التسييس أحد أهم الأدوات التي يستخدمها المسؤولين السياسيين لإحكام السيطرة بجهاز الخدمة المدنية لضمان ولائه وانقياده، ويشير المفهوم على نطاق واسع إلى استبدال المعايير والمبادئ التي يقوم عليها اختيار الموظفين والتي تتضمن من بين ما تتضمن (الكفاءة والمهارة والخبرة) بمعايير أخرى تكون ركيزتها الاساسية الولاء والطاعة للمسؤولين السياسيين وبذلك تتعارض عملية التسييس بشكل جوهر مع المبادئ والاسس التي ارساها ماكس فيبر في نموذجه المثالي الخاص بالبيروقراطية المستندة على مبادئ عقلانية(٢)  وكذلك مع اصلاحات نورثكوت-تريفيليان الخاصة بتنظيم الخدمة المدنية لعام  ١٨٥٤.لا تعتبر الدولة مجرد أداة في يد الطبقة البرجوازية لتحقيق أهدافها كما ذهب كارل ماركس (لأننا قد نجد سياسات ترسمها الدولة ولا تتماشى مع مصلحة الطبقة البرجوازية) لكننا يمكننا النظر للدولة كمحصلة توازن نتج لصراعات وتجاذبات طويلة بين الطبقات الطامحة للسلطة، وبهذا فالدولة لا تعد مستقلة عن الطبقات المتصارعة عليها، وانما تعكس سياساتها وضع التوازن بين الطبقات(٣).وبهذا  يمكن أن يعني تسييس الخدمة المدنية عمل جهاز الدولة ككل على ضمان تحقيق مصالح الطبقة التي تميل كفة الميزان لصالحها أو/و يمكن أن يعني معنى أضيق وهو استخدام النظام الحاكم للجهاز كآلية للمحسوبية بغرض الحصول على الدعم السياسي والتشفي السياسي، سيتناول المقال تسييس جهاز الخدمة المدنية من منظور تاريخي باستخدام هذا المعنى الأخير.

على الرغم من وجود خدمة مدنية خلال فترة الحكم التركي المصري وفترة المهدية إلا أن ملامح الخدمة المدنية الحديثة تشكلت بعد خضوع البلاد للاحتلال البريطاني المصري عام ١٨٩٨ والذي سعى من خلالها تحقيق هدفه والمتمثل في تكريس بقائه في السودان، لذلك قامت الخدمة المدنية بمهام حفظ الامن، جباية الضرائب، وتحصيل الإيرادات، وتقديم القليل من الخدمات، ولم تكن مهام التنمية والتعمير من ضمن أولوياتها. لم يكن هنالك تماثل تام بين الخدمة المدنية البريطانية والخدمة المدنية السودانية فقد انحصرت جوانب هذا التماثل في الأسس التي يقوم عليها جهاز الخدمة المدنية؛ فقد تشربت الخدمة المدنية السودانية قيم ومبادئ الخدمة المدنية البريطانية فترتب على ذلك التشرب للقيم والمبادئ أن كانت الخدمة المدنية السودانية على درجة عالية من الحياد السياسي ولم تدخل نفسها في تجاذبات سياسية تؤثر سلباً على أداءها، واتخذت من نظام الامتحانات والاختبارات معياراً للتقييم وطريقاً أوحداً لتقلد الوظائف فيها، أما الترقي في سلمها الوظيفي فكان يتم على أساس الأقدمية والجدارة، ظلت على  هذا الحال حتى مطلع عام ١٩٥٦، عندما نال السودان استقلاله.

بعد الاستقلال حدثت مفارقة للخدمة المدنية، فقد لازمها الثبات في الجوانب التي كان ينبغي إحداث تغيير جذري فيها بينما حدث تغيير فيما كان ينبغي أن يدعم ويرسخ بقاؤه، فلم يمثل استقلال السودان انقطاعاً لسيرورة الخدمة المدنية فيما يتعلق بتنظيمها وأهدافها الكولونيالية فقد ظلت الحكومات الوطنية الأولى محافظة عليهما ولم تسع لتغييرهما لتحقيق المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتوافقة مع مرحلة التحرر الوطني، وفي الاتجاه المعاكس لما ينبغي أن يكون، دُشنت التدخلات السياسية في جهاز الخدمة المدنية منذ عهد الحكومات الوطنية الأولى(٤). فرغبة منها في الاستمرار في الحكم وتجنبا لسقوطها الوشيك قامت حكومة إسماعيل الازهري بإنشاء وزارات جديدة كانت في الأصل أقسام داخل وزارات قائمة سلفاً وعينت نواب برلمانيين على راسئها طمعا في الحصول على ولائهم السياسي ،وفي ذلك يقول أحد الوزراء السابقين: “عندما شعرت بخطر سقوطها الوشيك، قامت الحكومة الوطنية الأولى بتكوين وزارات إضافية، وذلك بهدف تعيين بعض نواب البرلمان كوزراء. ومثل هذه الوزارات، في الواقع، كانت مجرد أقسام في الوزارات القائمة، كما في حالة المخازن والمهمات أو النقل الميكانيكي.. وبالإضافة إلى ذلك فإن الصدفة وحدها، هي التي فرضت إضافة وزارة الموارد المعدنية لوزارة الأشغال العامة نتيجة لقربهما الجغرافي من بعضهما، وليس بسبب رفع الإنتاجية وتحسين الأداء والتخطيط العام” (٥) .

ولكن رغم ما ابتدعته حكومة الازهري من تسييس للخدمة المدنية لم يغنها في نهاية الأمر عن السقوط، وأصبحت سنتها في التسييس منهجاً اتبعته جميع الحكومات المتعاقبة المدنية والعسكرية على حد سواء؛ فقد قامت الحكومة العسكرية الأولى التي ترأسها الفريق ابراهيم عبود(١٩٥٨-١٩٦٤) بتشكيل لجنة برئاسة رئيس القضاء سميت بلجنة (تنسيق العلاقات بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية) وذلك لوضع الأسس اللازمة لتحقيق المشاركة الشعبية إلا أن مخرجات هذه اللجنة مثلت طعنة في كبد الديمقراطية والمشاركة الشعبية ونهاية لما بقي من حياد في جهاز الخدمة المدنية، فمن ضمن ما أوصت به اللجنة هو إنشاء مجالس المديريات (التي حلت عملياً بدل المجالس المحلية) يقف على رأسها حكام المديريات الذين كانوا عسكريين ويعين أغلب أعضائها ليس على أساس الجدارة ولكن على أساس الولاء السياسي للنظام العسكري.

واستمراراً لمسلسل التسييس لم تقم الحكومة الانتقالية التي جاءت نتيجة لنجاح ثورة ٢١ أكتوبر ١٩٦٤ في إسقاط نظام عبود بمحاولات جادة لإصلاح لما أصاب الخدمة المدنية من علل موروثة من الانظمة السابقة ومن أخطر تلك العلل هي تسييسها، بل إن تلك الفترة تميزت بضلوع جهاز الخدمة المدنية في المعترك السياسي بشكل سافر وذلك بشكل طوعي وتعسفي، فمن ضمن من شارك بفاعلية في إسقاط نظام عبود كان العاملين بالخدمة المدنية من إداريين وموظفين وعمال(عن طريق الاحتجاجات والإضرابات) ورغم أن هذا يعد شيئا إيجابياً من حيث تعبير الأفراد الصريح برفضهم لنظام الحكم السلطوي ورغبتهم في الديمقراطية إلا أن هذا يعد في الجهة المقابلة خروجاً عن مرتكزات الخدمة المدنية(٦)، ولكن للأسف لم يقف الإمر عند هذا الحد فقد ابتدرت  حكومة الثورة ما يطلق عليه ” سياسة التطهير السياسي في الخدمة المدنية” استجابةً لمطلب الشارع الثائر. إلا أن هذه السياسة لم يوضع لها ضوابط موضوعية فقد خول لرؤساء المصالح تطهير مصالحهم من العناصر المسيسة، كما أن عبء إثبات البراءة كان يقع على عاتق المتهم، وكذلك كانت الاحكام تصدر من لجان شكلتها المصالح الحكومية دون الرجوع للقضاء؛ مما جعل تلك السياسة وسيلة للتشفي السياسي. وعلى هذه المنوال سارت بقية الحكومات المتعاقبة، فقد قام نظام مايو بإفراغ الخدمة المدنية من كل من يشتبه بانتمائه لأحزاب معارضة له، كما أنه هو الذي استحدث قانون الإحالة للصالح العام كأداة قانونية يزال بها كل العناصر المسيسة من الخدمة المدنية، استمر الحال دون تغيير أثناء الفترة الانتقالية التي اعقبت سقوط نظام مايو، إلا أن هذه الظاهرة وصلت في عهد نظام الإنقاذ حد الزُبى، فخلال ثلاثين عاماً لم يتوان نظام الإنقاذ باجتثاث كل من يعبر عن رأيه السياسي المعارض، أو انتمائه لأحزاب سياسية منافسة له. وفي المقابل قام بملء الشواغر الوظيفية بمقدمي فروض الولاء السياسي، ويمكننا هنا الاستشهاد بما قاله أحد الموظفين، و الذي كان يعمل في إحدى المؤسسات الإنتاجية والذي أُحيل للصالح العام دون أسباب موضوعية: “وفي إطار تسييس الخدمة تم إحالة قرابة أربعمائة موظف للصالح العام من بينهم المدير العام للمصلحة ونائبه وستة من القياديين، وتم ترفيع موظف بالمصلحة من الدرجات الدنيا إلى وظيفة المدير العام متخطين في ذلك ما يقرب عن أربعة من رؤسائه لأنه موال للنظام كليا”. ما ذكره هذا الموظف يعتبر نقطة في بحر مما تم من تسييس خلال فترة الإنقاذ(٧).

نصت الوثيقة الدستورية (والتي حددت الإطار العام لعمل حكومة ثورة ديسمبر والتي شكلت عقب سقوط نظام الإنقاذ) في الفصل الثاني عشر بإنشاء مفوضيات تختص كل منها بقضية معينة فكانت من ضمن هذه المفوضيات مفوضية إصلاح الخدمة المدنية إلا أن هذه المفوضية مثلها مثل بقية المفوضيات لم تر النور، وجمع محاولات (والتي كانت من ضمنها التعاقد مع خبيرة اجنبية) كانت محاولات فردية غير مستندة لسياسة عامة تبنتها الحكومة الانتقالية(٨) .

وأحدث حلقة في سلسلة التطهير والتمكين السياسي هو ما قام به الجنرال عبد الفتاح البرهان الذي قاد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ على حكومة الفترة الانتقالية المدنية، فقد صدر عقب ذلك الانقلاب جملة من القرارات المتعلقة بفصل العديد من القيادات في الخدمة المدنية على المستوى المركزي والولائي ليس لأسباب تتعلق بالمهنية، وإنما لارتباطهم السياسي بالأحزاب التي شكلت الحاضنة السياسية للحكومة المنقلب عليها(٩) . من هذا الاستعراض التاريخي لمسيرة الخدمة المدنية يمكننا إرجاع التسييس لأسباب الاتية:-

١/ رغبة الأنظمة السياسية المتعاقبة في تدعيم بقائها وتنفيذ سياستها، لذلك تقوم بتوزيع الوظائف على مناصريها .

٢/ ما تلبث حتى تزول هذه الانظمة وتأتي أنظمة جديدة تسعى لاستئصال كل ما له علاقة بالأنظمة السابقة دون أسس موضوعية.

من خلال هذا العرض التاريخي لمسيرة الخدمة المدنية في السودان يمكننا النظر لمدى الفروق بين واقع الخدمة المدنية في السودان والنماذج التي ساهم بها العلماء والمصلحون الإداريين ومن بين تلك الإسهامات يمكننا التطرق الي النموذج المثالي للتنظيم الإداري (البيروقراطية) لماكس فيبر وكذلك الى إصلاحات تريفليان-نورثكوت.

البيروقراطية:

تتكون كلمة البيروقراطية من شقين: الأول بيروBureau” ” وتعني المكتب، والشق الثاني”Cracy” وتعني القوة؛  فيصبح بذلك المعنى الكامل للكلمة سلطة المكتب أي السلطة المستمدة من القوانين، ويرتبط المفهوم بالتنظيم الإداري داخل المؤسسات والتنظيمات. يعود مفهوم البيروقراطية من حيث المعنى والمضمون إلى زمن بعيد، فمنذ عام ١٦٥ق.م كان الموظفون في الصين يتم اختيارهم على أساس الجدارة وترقيتهم كانت تتم حسب الاقدمية والكفاءة. في عام ١٧٩٨ اكتسب المفهوم معنى محدداً في القواميس الأكاديمية الفرنسية، فقد أصبح يعني “النفوذ والقوة” اللذان يمارسهما رؤساء الهيئات الحكومية، أما القاموس الألماني فقد عرفها في عام ١٨١٣ بأنها السلطة التي تمنح للأقسام الحكومية وفروعها وتمارسها على الموظفين، ويعتبر كل من: موسكا، وروبرت ميشليز، وماكس فيبر أول الذين تناولوا البيروقراطية بشكل علمي، إلا أن فيبر يعد أول من تناولها بشكل منظم وبنى لها نموذجا مثالياً (١٠) . فالبيروقراطية عند فيبر هي تنظيم تسلسلي وعقلاني معقد؛  فكل تنظيم كبير يتطلب نظاماً دقيقاً من تقسيم العمل وكفاءة ومهارة العاملين. وتعد البيروقراطية أحد أنواع التنظيم التي انتشرت خاصة في المجتمعات الصناعية . لا تشير البيروقراطية إلى التنظيمات الحكومية فقط، وإنما توجد أيضاً داخل التنظيمات الربحية وغير الربحية.

وضع فيبر النموذج المثالي أو النمط المثالي للتنظيم البيروقراطي، وهو بناء عقلي قام بتكوينه على أساس ملاحظة عدة سمات في الواقع، وهو نموذج مثالي حيث يصعب أن نجد له شبيهاً في الواقع، وكان هدفه من هذا النموذج هو مقارنة الأفعال والمواقف على أرض الواقع، وقد تكون هذا النموذج من عدة خصائص ومن بين هذه الخصائص والتي تهمنا في هذا السياق هي أن تقوم السلطة العليا بتعيين الأفراد الذين تتوفر فيهم متطلبات العمل، وذلك عن طريق الاختبارات الخاصة، ويستثنى من ذلك كبار الموظفين الذين يتم انتخابهم (١١).

إصلاحات تريفليان-نورثكوت:

لا تعد إصلاحات تريفليان-نورثكوت عملاً علمياً بحتاً إلا أنها تصب في معين محاولات الإصلاح. كانت الهند حتى عام ١٨٥٨ تحكم بواسطة شركة الهند الشرقية، بعد تفويضها من قبل الحكومة البريطانية، وقد ظهر مصطلح الخدمة المدنية في الهند أساسا للتفرقة بين الموظفين المدنيين والعسكريين في الشركة. ونسبة لظروف العمل في الهند لم ينجذب للعمل في الشركة في بادئ الأمر سوى قليلي الكفاءة والخبرة إلا أن تشعب العمل وتطلبه لمؤهلات عالية اضطرا الشركة إلى إنشاء كلية في هيليبري لتدريب وتحسين جودة الموظفين، وفي نفس الاتجاه تخطت الحكومة مديري الشركة، لتبني أسلوب الاختبارات لاختيار الموظفين بدلاً عن طريقة الترشيحات، وذلك عندما أدركت الحكومة الحاجة إلى طبقة أفضل من الموظفين. في بادئ الأمر لم يتحمس المدراء لطلب الحكومة لهم باعتماد أسلوب الاختبارات وفتح المجال أمام كافة المتقدمين؛ خوفاً على مصالحهم الشخصية الطبقية، ولم تبدأ عملية الإصلاح إلا مع صعود تشارلز تريفليان إلى قمة الخدمة المدنية.

انحدر تريفليان من أسرة أرستقراطية، ودرس في كلية هيليبري ثم شغل عدداً من الوظائف في شركة الهند الشرقية. ومن خلال عمله في الشركة رأى تريفليان حجم المحسوبية في الشركة، والآثار المترتبة عليها؛ لذلك أصبح مناضلاً لاجتثاثها، وداعياً لتبني الجدارة والأهلية معياراً للتوظيف (١٢) . لم تكن رغبة تريفليان هي الدافع الوحيد لإصلاح الخدمة المدنية، بل تآزرت معها عوامل أخرى من ضمنها: نهوض طبقة وسطى متعلمة، وكذلك تأثيرات حركات الإصلاح الداعية للصلاح العام، بالإضافة إلى تزايد أفكار الفضيلة في المجتمع الفيكتوري (١٣)  .

إلتقى تريفليان بستافورد نورثكوت، الذي كان يعمل سكرتيراً لوليام غلادستون وزير الخزانة، وبطلب من غلادستون صاغا معاً في عام ١٨٥٤ تقرير(نورثكوت-تريفيليان) الذي تضمن عدة مطالب من بينها إنهاء التعيينات لاعتبارات غير موضوعية (المحسوبية، الولاء السياسي أو لغيرها من الأسباب ) واعتماد نظام الامتحانات والإختباريات شرطاً للولوج إلى سلك الخدمة المدنية، كما طالبا أيضا بفصل الواجبات الروتينية عن الوظائف الإدارية العليا وغيرها من المطالب (١٤).

 وقد استوحيا نظام الامتحانات هذا من امتحانات الماندرين المطبقة في الإمبراطورية الصينية في القرن السابع الميلادي، ،وترتب على ذلك التقرير إنشاء لجنة الخدمة المدنية في عام  ١٨٥٥للإشراف على هذه الامتحانات وإصدار شهادات التأهيل و تعيين الإداريين (١٥) .

من خلال تناولنا لهذه النماذج والإصلاحات التي صاغها العلماء والإداريين، ورغبة منهم في بناء أجهزة إدارية على مستوى عال من الكفاءة والفاعلية، يتضح لنا مدى الفجوة بينها وبين واقع الخدمة المدنية في السودان عقب تحقيق الاستقلال وحتى الأن (خاصة في موضوع الكفاءة وعدم التسييس).  

كما ذكرنا سابقا عندما حل الاستعمار البريطاني المصري ضيفاً ثقيلاً على البلاد قام ببناء جهاز إداري حديث يحقق له تمام السيطرة على البلاد، وبرغم من حداثة هذا الجهاز (من حيث المبادئ وشكل التنظيم) إلا أن أهدافه التي كان يرمي إلى تحقيقها لم تكن تتلاقى مع المصالح الحقيقة للبلاد.

 عقب الاستقلال وعندما تولت الحكومات الوطنية المتعاقبة دفة السيطرة على البلاد لم تغيير الأهداف التي وضعت للخدمة المدنية في عهد الاستعمار، وبالمقابل لم تحافظ على المبادئ والمعايير التي ورثتها من الحكم الاستعماري والتي تشكل حجر زاوية في كفاءة الخدمة المدنية، فقد بدأت الاختراقات السياسية للخدمة المدنية منذ الحكومة الوطنية الأولى وحتى عقب انقلاب الفريق البرهان في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ واتخذت هذه الاختراقات شكلين: الشكل الأول هو توظيف أو تمكين العناصر المؤيدة للنظام، أما الشكل الثاني فهو نقيض الشكل الأول حيث يتم تطهير الخدمة المدنية من الداعمين للنظام السابق والمعارضين للنظام الحالي حتى وإن كانوا كفاءات.

النتائج والتوصيات:

إن أهمية الخدمة المدنية شيء لا جدال فيه؛ فهي ملازمة لأغلب أشكال التنظيم السياسي، وتعتبر حلقة وصل داخل النظام السياسي. وقد زادت أهميتها وعظمت مع سطوع نجم الدولة الحديثة، والتي فُرض عليها أن تقدم قدراً هائلاً من السلع والخدمات العامة.

 ومن أجل قيامها بهذه المهمة كان عليها بناء جهاز خدمة مدنية يتسم بالكفاءة العالية؛  قام المفكرون والمصلحون الإداريون بتقديم مساهمات بارزة في هذا السياق، ومن أبرز تلك المساهمات مساهمة تريفليان-نورثكوت  اللذان قاما بكتابة تقرير يتعلق بإصلاح الخدمة المدنية بطلب من وزير الخزانة البريطاني غلادستون عام ١٨٥٤،  وأهم ما جاء فيه هو اعتماد نظام الامتحانات والاختبارات معيارا للتوظيف. أما ماكس فيبر فقد سلك مسلكاً علمياً للوصول إلى نفس الغاية التي كان يريد كل من تريفليان-نورثكوت الوصول إليها،  والتي تتمثل في بناء أجهزة إدارية تتواكب مع متطلبات العصر؛  فقد قام فيبر بوضع نموذج مثالي لما ينبغي أن يكون عليه شكل التنظيم الاداري،  وأهم ما تضمنه والذي يهمنا في هذا السياق هو اعتماد تعيين الموظفين بناءً على كفاءتهم وجدارتهم.

 بالرغم من الاعتراف بأن الفصل بين السياسية والإدارة هي الحالة الأمثل إلا أن الممارسات الفعلية في أرض الواقع لا تعكس ذلك، والسودان يقدم لنا مثالاً تاريخياً وحياً على ذلك. فبعد أن نال السودان استقلاله مباشرةً حافظت الحكومات الوطنية الأولى بما كان يجب تغييره وهي الأهداف الكولونيالية للخدمة المدنية، وفي المقابل لم تحافظ على ما ورثته من مبادئ ومعايير حاكمة للخدمة المدنية، فشُرعت التدخلات السياسية في الخدمة المدنية منذ عهد تلك الحكومات وحتى الأن، فأضحت بذلك الخدمة المدنية ضحية للمناكفات السياسية بين الأنظمة السياسية المختلفة، وهو ما انعكس سلبا على أداءها.

 

 لبناء خدمة المدنية فعالة وقادرة على تحقيق التنمية والتقدم  وتقديم جميع الخدمات العامة بشكل أفضل يلزم الآتي :

١/ إزالة كل مظاهر التسييس في الخدمة المدنية، ضمن إطار خطة عامة تتبناها الحكومة في جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية.

٢/ ترسيخ ثقافة الكفاءة والمهنية في أذهان جميع السياسيين والإداريين والمهتمين بشأن العام.

٣/ عكس تلك الثقافة في شكل قوانين حاكمة لسلوكيات السياسيين والاداريين.

قائمة المصادر والمراجع:

١/ فرانسيسكو كاردونا/ سفين اريكسن، أدلة الحوكمة الرشيدة المهنية والنزاهة في قطاع الخدمة العامة، مركز النزاهة في قطاع الدفاع التابع لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ،يونيو٢٠١٥،

https://buildingintegrity.hq.nato.int/Resources.aspx?id=10127314991

٢/Javier Fuenzalida, The effects of Politicization in Public Organizations, A supplementary research for the attainment of a doctoral degree, The state University of New Jersey, May 2019.

٣/ تيسير محمد احمد، زراعة الجوع في السودان، ترجمة: محمد علي جادين، الطبعة الأولى، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، ديسمبر١٩٩٤،ص٤٦-٤٧.

٤/ميرغني عبد العال حمور، مسيرة الخدمة المدنية في السودان ومقتضيات التنمية والتغيير، معهد دراسات الإدارة العامة والحكم الاتحادي، جامعة الخرطوم ص٩،

https://core.ac.uk/download/pdf/71673596.pdf   

٥/ تيسير محمد احمد، مصدر سابق، ص١٢٢-١٢٣.

٦/ميرغني عبد العال حمور، مصدر سابق، ص١٠-١٢.

٧/ البيان، التفتيش السياسي في السودان يخلخل دولاب الخدمة المدنية، ١٢/مارس/١٩٩٩،

https://www.albayan.ae/one-world/1999-03-12-1.1075805

٨/محمد الشابك، الخدمة المدنية: كعب أخيل أم إزميل فدياس، سودان تربيون،22 اغسطس 2022،

https://sudantribune.net/article263247

٩/جمال عبد القادر البدوي، الولاء السياسي يفقد الخدمة المدنية السودانية حيادها وكفاءتها ،6 نوفمبر2021،INDEPENDENبالعربية :

https://www.independentarabia.com/node/274551/%D8%B3%D9%8ª%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%8ª%D9%81%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%87%D8%A7-%D9%88%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%A1%D8%AA%D9%87%D8%A7

 

١٠/عمر يوسف، الأصول والتحليل التكاملي.

١١/طلعت إبراهيم لطفي، علم اجتماع التنظيم، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة،  ٢٠٠٧.

١٢/فرانسيس فوكوياما، النظام السياسي والانحطاط السياسي، ترجمة: معين الإمام /مجاب الإمام، المجلد الثاني، منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة، 2016،ص١٦٩-١٧١.

١٣/Andrew Southam, Northcote-Trevelyan and the journey to a ‘permanent professional and imperial civil service’, Civil Service World, 

https://www.civilserviceworld.com/in-depth/article/northcote-trevelyan-and-the-civil-service-code-permanent-professional-impartial

١٤/فرانسيس فوكوياما، مصدر سابق، ص ١٦٩-١٧١.

15/ Andrew Southam,Same Reference

عن المحرر

Scroll to Top